ما الذي تغير في وصول المساعدات الإنسانية لغزة خلال رمضان؟
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
يدخل قطاع غزة شهر رمضان هذا العام في ظروف استثنائية؛ فهو الأول منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والأول بعد فتح المعابر جزئيا، لكن الواقع الميداني يكشف عن أن التحسن في العمل الإغاثي ظل محدودا ولم يرتق إلى مستوى الاستجابة المطلوبة.
الأرقام تتحدث عن واقع قاس: فنسبة الالتزام الفعلي بدخول شاحنات المساعدات الإغاثية لا تتجاوز 43% من الحد الأدنى المطلوب، وفي ظل واقع تعتمد نسبة كبيرة من السكان البالغ عددهم نحو 2.
وتؤكد التصريحات الرسمية والميدانية أن العمل الإغاثي شهد تحولا نسبيا في نمط التدخلات الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر إلى محاولات توسيع نطاق التوزيعات، لكن البيئة التشغيلية تبقى شديدة الهشاشة، فالقيود المفروضة على إدخال المساعدات مستمرة، والتحكّم في الكميات والأصناف قائم، وانقطاع الكهرباء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يلقي بظلاله على جميع جوانب العمل الإغاثي.
وكذلك البنية التحتية اللوجستية ما زالت متضررة بشكل واسع نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر رغم اتفاق وقف إطلاق النار، والمؤسسات الإنسانية تواجه تحديات معقدة تعيق وصول المساعدات إلى المحتاجين. وحسب التقديرات الميدانية، فإن الحاجة الفعلية، تتطلب تدفقا مستداما لا يقل عن 750 شاحنة يوميا لضمان تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لسكان القطاع، حسب ما قاله مسؤولون وعاملون في العمل الإغاثي للجزيرة نت.
بعد وقف إطلاق النار وفتح المعابر جزئيا كان المأمول أن يشهد العمل الإغاثي في غزة نقلة نوعية في حجم المساعدات وانتظامها، لكن الواقع الميداني يكشف عن أن التحسن ظل محدودا ولم يرتق إلى مستوى الكارثة القائمة.
إعلانوحسب تعبير مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة فإن التغيير الذي طرأ على المشهد الإغاثي "محدود وطفيف"، فرغم دخول شهر رمضان المبارك ومرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، تبقى آثار العدوان الإسرائيلي المدمرة مستمرة، والجوع قائما بصورة واسعة.
وفي تصريحات للجزيرة نت، قال الثوابتة إن الأرقام تدعم هذا التقييم، فنسبة الالتزام الفعلي بإدخال المساعدات لا تتجاوز 43% من الحد الأدنى المطلوب، مما يعكس استمرار القيود المفروضة رغم الحديث عن فتح المعابر.
غير أن مدير مكتب العالم العربي للبحوث والتنمية (أوراد) بغزة أشرف الجرجاوي يرصد تحولا نوعيا في طبيعة العمل الإغاثي، وإن ظل محكوما ببيئة تشغيلية شديدة الهشاشة، إذ إن الاستجابة الإنسانية لم تعد مقتصرة على التدخلات الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر، بل بدأت تتجه نحو توسيع نطاق التوزيعات، وتحسين إدارة سلاسل الإمداد، وتعزيز آليات الوصول والتنظيم الميداني.
لكن هذا التحول -كما يوضح الجرجاوي في تصريحاته لجزيرة نت- يصطدم بتحديات متشعبة، ففتح المعابر شكّل "انفراجة جزئية" سمحت بحركة محدودة للأفراد وبعض الحالات الطبية الحرجة، لكنه لم يُحدث التغيير الجوهري المطلوب في تدفق البضائع والمساعدات بالحجم والانتظام الضروريين.
وذهب الجرجاوي خطوة إلى الأمام، فالأخطر من ذلك أن أي زيادة محتملة في كميات المساعدات الداخلة تصطدم بتحديات لوجستية داخلية معقدة، مثل الانقطاع المستمر للكهرباء وتضرر البنية التحتية من مخازن وسلاسل تبريد وشبكات نقل، مما أضعف القدرة على التخزين والتوزيع بشكل كبير.
وعلى الجانب الآخر، تقدّم مؤسسة ورئيسة جمعية "الملائكة سويسرا" هويدا ساكري رؤية ميدانية مباشرة للواقع الإنساني الذي "ما زال كارثيا بكل المقاييس". فهناك آلاف العائلات تعيش في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة، والاحتياجات لم تتراجع بل تفاقمت مع اتساع الدمار وفقدان مصادر الدخل.
وهنا يظهر التأثير غير المباشر لفتح أو إغلاق المعابر حسب طبيعة العمل الذي تقدمه جمعية "الملائكة سويسرا"، فهي لا تُدخل المساعدات من الخارج، بل تشتري المواد المتوفرة داخل القطاع وتوزعها مباشرة على المحتاجين، لذلك تصبح الأسواق المحلية صدى واقعيا لمدى توفر السلع وحجم أسعارها بما يؤثر بدوره على قدرة الجمعية على تأمين احتياجات المستفيدين.
معوقات وصول المساعدات
وعلى الرغم من الحديث عن وقف إطلاق النار وفتح المعابر، فإن العمل الإنساني في قطاع غزة يواجه منظومة متشابكة من التحديات التي تحول دون تحقيق الاستجابة الإنسانية المطلوبة، وفق تصريحات المسؤولين الإنسانيين للجزيرة نت، وهذه التحديات لا تقتصر على القيود الخارجية المفروضة على إدخال المساعدات فحسب، بل تمتد لتشمل معوقات لوجستية وأمنية واقتصادية داخل القطاع نفسه.
والمتحدثون الثلاثة رصدوا واقعا معقدا يجمع بين القيود الإجرائية على المعابر، وضعف البنية التحتية المدمرة، والتعقيدات الأمنية، وصولا إلى التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات العاملة على الأرض. وفيما يلي أبرز هذه التحديات:
إعلان القيود والإجراءات المعقدة المفروضة على إدخال البضائع عبر المعابر، بما يشمل التحكم في أصناف السلع وكمياتها، وطول الإجراءات، وعدم وضوح الأطر الزمنية للموافقات، إلى جانب بطء عمليات التفتيش، وعدم انتظام حركة الشاحنات. محدودية الوصول إلى بعض المناطق، خاصة المناطق الواقعة داخل أو بمحاذاة ما يُعرف بالخط الأصفر، وصعوبة التنقل في مناطق أخرى، مما يؤثر على سرعة الوصول إلى جميع المستفيدين. ضعف البنية اللوجستية داخل القطاع بجميع أشكالها، من طرق متضررة، ومخازن غير مؤهلة، ونقص وسائل النقل وسلاسل التبريد، مما يعيق عمليات التخزين والنقل والتوزيع. النقص الحاد في الوقود وانقطاع الكهرباء المستمر وانعكاساته السلبية على جميع المجالات، من التخزين إلى التوزيع والخدمات الأساسية. التعقيدات الأمنية التي تؤثر على حركة الفرق الإنسانية والقوافل الإغاثية، بما في ذلك استهداف بعض مرافق الإغاثة وسلاسل الإمداد من قبل المليشيات المدعومة من الاحتلال. ارتفاع الأسعار داخل الأسواق المحلية بشكل كبير، وعدم استقرار توفر السلع، مما يؤثر على قدرة المؤسسات التي تعتمد على الشراء المحلي في تأمين احتياجات المستفيدين. محدودية التمويل المتاح للمؤسسات الإنسانية مقارنة بالأعداد الكبيرة من المحتاجين، في ظل اتساع رقعة الفقر وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
فجوة واسعة وخطيرة
تحاول المؤسسات الإنسانية تقديم أقصى ما يمكنها في ظل الظروف الصعبة، لكن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات تبقى "واسعة وخطيرة".
وحسب تصريحات المتحدثين، فإن الأنشطة الحالية للمؤسسات الإغاثية في قطاع غزة تشمل المجالات التالية:
توزيع الوجبات الساخنة والسلال الغذائية: توزيع الطرود الغذائية والسلال الرمضانية والقسائم الشرائية، إلى جانب تشغيل المطابخ المجتمعية (التكايا) لتأمين وجبات يومية للأسر الأشد هشاشة. دعم مراكز الإيواء: توفير الخيام والأغطية والمستلزمات الأساسية للعائلات التي تعيش في ظروف قاسية. الدعم الصحي: دعم القطاع الصحي ضمن الإمكانات المتاحة، بما يشمل الإحالات والإخلاء الطبي في حدود ضيقة. كفالة الأيتام والدعم النفسي: برامج خاصة لدعم الأطفال الأيتام، إلى جانب برامج التعليم الطارئ والدعم النفسي والاجتماعي للتخفيف من آثار الصدمة الممتدة. توفير المياه ومواد النظافة: ضمان وصول المياه الصالحة للشرب ومواد النظافة الأساسية.لكن المسؤول الحكومي في القطاع أكد أن هذه الجهود "رغم أهميتها، فإنها لا تلبي حجم الاحتياج الفعلي"، وأشار إلى أن "الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات كبيرة جدا، نتيجة التدمير الواسع لمصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي".
وهذا ما ذهب إليه أيضا مدير مكتب أوراد في غزة، إذ يرى أن هذه الجهود "رغم أهميتها في الحد من الانهيار الكامل للنظام المجتمعي ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية، فإنها تبقى دون مستوى الاحتياجات المتراكمة"، في ظل حجم الدمار الواسع واستمرار النزوح وفقدان شريحة كبيرة من السكان لمصادر دخلهم وسبل عيشهم.
أما المؤسسة لجمعية "الملائكة سويسرا" فتؤكد أن "الوضع الإنساني كارثي"، مبينة أن "عائلات كاملة تعيش في خيام، مع نقص واضح في الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية". وتشير إلى أن "ارتفاع الأسعار وقلة فرص العمل يزيدان معاناة السكان"، في حين أن "الأطفال يعانون من سوء التغذية وآثار نفسية عميقة".
ومما سبق يكشف واقع العمل الإنساني في غزة خلال رمضان عن فجوة واسعة بين الاحتياجات والإمكانات، ومن ثم يصبح ما يجري حاليا هو "إدارة أزمة بأدوات محدودة"، في حين أن الواقع يتطلب استجابة أوسع وأكثر استدامة ترتقي إلى حجم الكارثة القائمة.
إعلانوهذه الاستجابة الحالية "تمنع الأسوأ لكنها لا تعالج جذور الأزمة"، لأن الحاجة ملحة إلى "إرادة دولية حقيقية تضمن وصولا آمنا ومنتظما وكافيا للمساعدات، وتهيئة بيئة تسمح بالانتقال من إدارة الطوارئ إلى مسار تعاف حقيقي ومستدام"، حسب ما قاله المتحدثون للجزيرة نت.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات وقف إطلاق النار العمل الإغاثی للجزیرة نت فی غزة
إقرأ أيضاً:
الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
صراحة نيوز – زار سمو الأمير الحسن بن طلال اليوم الثلاثاء، جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية، حيث اطّلع على واقع القطاع الصناعي الوطني وأبرز التحديات والفرص التي تواجهه، في إطار اهتمام سموه المتواصل بدور الصناعة في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الاعتماد على الذات.
واستهل سموه الزيارة بجولة في شركة الشروق للطباعة والتغليف، اطّلع خلالها على أحدث التقنيات المستخدمة في خطوط الإنتاج، واستمع إلى إيجاز حول خطط التطوير والتوسع التي تنفذها الشركة لتعزيز تنافسيتها ورفع جودة منتجاتها وتوسيع حضورها في الأسواق المحلية والخارجية، مثمناً جهود القطاع الصناعي الأردني في مواكبة التطورات التكنولوجية وتعزيز القيمة المضافة للإنتاج الوطني.
كما التقى سموه عدداً من المستثمرين ورجال الأعمال الأردنيين والعرب، حيث دار نقاش موسّع حول واقع الاستثمار والصناعة في الأردن، والفرص المتاحة لتعزيز الشراكات الاقتصادية الإقليمية، وأهمية توفير بيئة داعمة للابتكار والإنتاج والتشغيل.
وأكد سمو الأمير الحسن، خلال اللقاء، أن معايير القوة الوطنية والاستقرار في القرن الحادي والعشرين أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على التكيف والابتكار وصناعة الفرص، مشدداً على أهمية تحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى قوة تنموية فاعلة تجعل من الإنسان الأردني محور التنمية وغايتها.
وأشار سموه إلى أن الأردن قادر على بناء الجسور الاقتصادية والمعرفية في المنطقة، مؤكداً أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية تكمن في التشبيك والتكامل وتوحيد المصالح المشتركة.
ولفت سموه إلى أن اختيار جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية لاستضافة اللقاء يحمل دلالات مهمة، باعتبار شرق عمّان نموذجاً للإنتاج وريادة الأعمال والاعتماد على الذات، ومصدراً رئيساً لفرص العمل والصادرات الوطنية، مشيداً بقدرة الصناعي الأردني على الصمود والتكيف والمنافسة رغم التحديات المختلفة.
ودعا سموه إلى الانتقال من مفهوم الصناعة القائم على الإنتاج فقط إلى صناعة القيمة والمعرفة، من خلال الاستثمار في المهارات والتكنولوجيا وتوطين المعرفة وتعزيز تنافسية المنتج الأردني عالمياً.
كما شدد سموه على أهمية الربط بين التنمية الصناعية وأمن الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه والطاقة والغذاء، باعتبارها ركائز مترابطة للأمن الوطني والاستقرار، داعياً إلى الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر بوصفه ضرورة اقتصادية وتنموية تعزز قدرة الأردن التنافسية في الأسواق العالمية.
وخلال النقاش التفاعلي الذي دار مع المستثمرين، ركّز سموه على أهمية مأسسة العمل الاقتصادي والتنموي، وبناء أطر مستدامة للحوار والتنسيق بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المعرفة والمجتمعات المحلية، بما يضمن استمرارية المبادرات وتحويلها إلى برامج عمل قابلة للقياس والتطوير، بعيداً عن الجهود الفردية أو الموسمية.
من جانبه، استعرض رئيس جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية الدكتور إياد أبو حلتم أبرز مؤشرات أداء القطاع الصناعي الأردني، مشيراً إلى أن صادرات الصناعة الوطنية قاربت 10 مليارات دينار، ووصلت منتجاتها إلى أكثر من 150 دولة حول العالم، فيما يوفر القطاع أكثر من 268 ألف فرصة عمل ويسهم بما يزيد على ربع الاقتصاد الوطني.
وأكد أبو حلتم أن الصناعة الأردنية نجحت في مواجهة تحديات سلاسل التزويد وارتفاع كلف التمويل والتشغيل، وحافظت على حضورها في الأسواق العالمية من خلال رفع القيمة المضافة لمنتجاتها وتعزيز المكون التكنولوجي والالتزام بأعلى المواصفات والمعايير الدولية.
كما طرح أبو حلتم مبادرة لتعزيز التشبيك والتعاون بين القطاع الخاص الأردني ونظرائه في عدد من الدول العربية، بما في ذلك سوريا والعراق ولبنان، بهدف إقامة شراكات ومشروعات مشتركة تدعم التكامل الاقتصادي وتوسع فرص الاستثمار والإنتاج.