أحمد الشيخ عبدالله الفضالة **

fadala1@gmail.com

 

في الكويت، لا يكون الاحتفال باليوم الوطني وعيد التحرير مجرّد عودة لحدثٍ سياسي مضى، وإنما هو استعادة لروح وطنٍ آمن بأنَّ قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم ثرواتها وحدودها، بل بما تمنحه من خيرٍ للإنسان… أيّ إنسان.

منذ البدايات الأولى، قبل النفط وبعده، عاش في ضمير الكويتيين يقينٌ راسخ: أنَّ المال أمانة، وأن العطاء صيانة للقيم، وأن ما يُقدَّم لوجه الله لا يضيع.

لهذا لم يأتِ وصف الكويت بأنها «مركز إنساني عالمي» من فراغ؛ إنه حصيلة تاريخٍ ممتد، وتجربةٍ تراكمت عبر عقود، جعلت العمل الخيري نهج دولة وثقافة شعب، لا مبادرات عابرة ولا عواطف موسمية.

القيادة.. حين تصبح الدبلوماسية إنسانية

يبرز في هذا السياق اسم ودور العائلة الحاكمة لدولة الكويت التي تعد أنموذجًا فريدًا في الجمْع بين السياسة والرحمة. والتي لم تكن ترى العمل الخيري بابًا للمُجاملة، بل مسؤولية أخلاقية تُعبِّر عن ضمير الدولة. وما تم إنجازه هو استمرار لمسيرة ممتدة لمئات السنين من عائلة الحكم، ماضية إلى اليوم في التمسك بنهج ثابت دائم مستمر ولا حياد عنه، ولا يُترَك للمصادفات.

لقد ارتبط اسم الكويت بالمساندة والإغاثة، وبناء الشراكات الدولية، وتكريم روّاد العطاء في الداخل والخارج، ولقد كانت رسالة الدولة منذ نشأتها واضحة إنَّ الدبلوماسية طريق لحياة مزدهرة، لا ساحة للصراع.

والشعب… قلبٌ يتّسع للجميع

وإذا كانت القيادة أرست الإطار، فإنَّ الشعب الكويتي هو الروح التي تنبض داخله. وتبقى سيرة الدكتور عبدالرحمن السميط- رحمه الله- مثالًا مضيئًا (وهو مثال لا للحصر)، طبيبٌ ترك رفاه الحياة، وكرّس سنوات عمره لخدمة الفقراء في أفريقيا؛ بنى المدارس والمستشفيات، وأطلق المشروعات التنموية، حيث آمن وعمل بمبدأ «امنحهم المعرفة… قبل أن تمنحهم المال.» فربط العمل الخيري بالعلم والوعي والاستدامة.

بهذه النماذج وغيرها- مما لا يُحصى- تتجلى حقيقة ثابتة: أن العطاء في الكويت جزء من الهوية. منظومة ممتدة… من الإحسان الفردي إلى العمل المؤسسي.

لم يعد العمل الخيري جهد أفرادٍ فقط، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة:

مؤسسات وجمعيات خيرية منظمة

صناديق تنموية

مبادرات أهلية وشبابية

شراكات داخلية وخارجية

شفافية وتخطيط وقياس أثر

هكذا انتقلت الكويت من الإحسان العفوي إلى العمل المؤسسي الحديث، بما يضمن وصول العون لمستحقيه، وتعظيم أثره، وتحويله إلى تنمية لا إلى إعانة مؤقتة.

حين تتكلم الأرقام

ولأن لغة الأرقام شاهدة عادلة، يكفي أن نتوقف عند بعض الإشارات الدالّة: إعلان التبرع بمئات الملايين لدعم الشعوب المنكوبة، تنظيم ورعاية مؤتمرات دولية للإغاثة، دعم برامج صحية وتعليمية وتنموية داخل العالم العربي وخارجه. وهذه بعض الأمثلة عن الدعم الحكومي الرسمي كما ورد في الوثائق:

في مؤتمر المانحين لدعم الشعب السوري عام 2013م أعلن الشيخ صباح تبرّع الكويت بـ300 مليون دولار، وارتفع مجموع التعهدات إلى 1.5 مليار دولار. ثم جاء المؤتمر الثاني عام 2014م ليُسهم بتعهدات بلغت 2.4 مليار دولار، كان نصيب الكويت منها 500 مليون دولار.

أما على المستوى الأهلي والشعبي، وفقاً للإحصائيات، توفر الجمعيات واللجان الخيرية التعليم لآلاف الطلبة من خلال مدارس خيرية لا ربحية، وقامت بتوزيع المعونات الشهرية المقطوعة لما لا يقل عن 50 ألف حالة ومن أبرز إنجازات العمل الخيري الكويتي:

توفير التعليم لأكثر من نصف مليون نسمة في الساحتين الآسيوية والإفريقية. كفالة ما يربو على خمسين ألفاً من الأيتام ووفر لهم التعليم والغذاء والكساء. فتح الآلاف من دور العبادة، ودور الرعاية الصحية. حفر عشرات الآلاف من الآبار لتوفير المياه في مناطق الجفاف والمناطق النائية البعيدة عن مصادر المياه.

وتتم هذه الأعمال من خلال ما يربو على الثلاثين جمعية خيرية واجتماعية في وطن النهار دولة الكويت.

هذه الأرقام لا تُروى للتفاخر؛ بل لتؤكد أن العطاء في الكويت خيارٌ استراتيجي أخلاقي… يتقدم فيه الإنسان على كل اعتبار، وهي دليل على أن العطاء في الكويت سياسة أخلاقية، تُدار بعقلٍ منظم، وتُقدَّم بلا تمييز في الدين أو اللون أو الانتماء.

الكويت… وطن الحرية والإنسانية معًا

ونحن نحتفل باليوم الوطني وعيد التحرير، نستحضر: وطنًا قاوم الغزو واستعاد حريته، ووطنًا يمد يده للآخرين؛ كأنما يقول: من عرف الألم… أحقّ بأن يخفّف آلام غيره

ومع تركّيزي في هذا المقال على الوجه الإنساني الخيري للكويت، الا أن هذا الوجه لا ينفصل عن حقيقة أخرى مهمّة: أن الكويت- بحكمتها ورؤيتها- تمارس سياسة متوازنة مع أشقائها في مجلس التعاون، ثم في محيطها العربي والإسلامي، ومع دول العالم كافة؛ تجمع بين ثبات المبادئ، وحسن الجوار، واحترام الإنسان. وكان حصاد ما زرعته في كل مجال ومع كافة دول العالم، ان وقف كل العالم معها حين تم غزوها وتحررت وتعافت في فترة قياسية.

بهذه السياسة المتوازنة الحكيمة امنت دولة الكويت، وعملت بمبدأ ان «قوة الدول لا تُقاس بحدودها فقط… بل بما تمنحه للإنسان».

رَحِم الله من مضى من قادتها ورموز عطائها، وأطال الله في أعمار قادتها الحاليين، وحفِظ الله الكويت، وأبقى هذا الوطن قيادةً وشعبًا منارة خيرٍ تمتد جذورها في الأرض، وتضيء آفاق العالم.

 

 


 

حكام دولة الكويت الـ17 منذ صباح الأول عام 1718م إلى اليوم 2026م

(ملاحظة: لا تتوفر صور أول 6 حكام)

 

** عضو جمعية الصحفيين البحرينية

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الرئيس الصربي يستقبل صقر غباش.. ويؤكد على العلاقات الوثيقة مع الإمارات

استقبل ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والوفد المرافق له، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها لجمهورية صربيا.

ونقل صقر غباش إلى الرئيس الصربي تحيات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وتمنياتهم لجمهورية صربيا وشعبها الصديق دوام التقدم والازدهار .

من جانبه، حمّل الرئيس ألكسندر فوتشيتش صقر غباش تحياته إلى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وتمنياته لدولة الإمارات حكومة وشعباً مزيدا من التقدم والرخاء .

علاقات وثيقة

ورحب ألكسندر فوتشيتش، في مستهل اللقاء، بصقر غباش والوفد المرافق، معرباً عن تقديره الكبير للعلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي تشهد نمواً وتطوراً مستمراً في مختلف المجالات.

وأكد أن العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية صربياً، تعد نموذجاً ناجحاً للتعاون البنّاء القائم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيراً إلى حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دولة الإمارات في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.

وتم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية صربيا في مختلف المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الأوضاع والتطورات في المنطقة.

من جانبه، قال صقر غباش إن دولة الإمارات بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تحرص دائماً على أن تكون علاقاتها بالدول قائمة على أسس راسخة من التعاون المشترك والصداقة والاحترام المتبادل، وتوطيد مبادئ الأخوة والتعاون، وترسيخ أسس السلام والتعايش.

رؤية مشتركة

وأكد صقر غباش عمق العلاقات الإماراتية - الصربية، وما تشهده من تطور متواصل بفضل الرؤية المشتركة والحرص المتبادل من قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والشراكة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة بين القيادتين أسهمت في فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتنموي، والتكنولوجي .

ونوه إلى أن دولة الإمارات تنظر إلى صربيا باعتبارها شريكاً مهماً في جنوب شرق أوروبا، ودولة تتمتع بموقع إستراتيجي وقدرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار والتنمية والتواصل الاقتصادي في المنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات لتعزيز الشراكة بين البلدين .

مقالات مشابهة

  • "الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
  • أستاذ علوم سياسية: لقاء الرئيس السيسي بقيادات المنظمات اليهودية الأمريكية دبلوماسية رئاسية نشطة في توقيت حساس
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • الرئيس الصربي يستقبل صقر غباش.. ويؤكد على العلاقات الوثيقة مع الإمارات
  • وزير خارجية الكويت يبحث مع نظيره الباكستاني تطورات الأوضاع في المنطقة
  • وزير خارجية الكويت ونظيره الباكستاني يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
  • تدشين المخيم الطبي الخيري المجاني للمستشفى الاستشاري اليمني بصنعاء
  • فكوا الحصار..ليفتحوا المضيق
  • الكويت تقبض على سجناء هاربين
  • قطر تدين بشدة الهجمات الإيرانية على الكويت وتصفها بانتهاك للسيادة