استطلاع - نورة العبري 

أكد عدد من المختصين أن تطوير بيئة العمل في القطاع الحكومي يسهم في إيجاد توازن عملي يجمع بين الاستقرار الإداري ومواكبة التطوير والتحديث، داعين في استطلاع أجرته «$» إلى ضرورة التغلب على التحديات الإدارية لتحقيق نتائج ملموسة تخدم مصلحة العمل، والتركيز على أساليب إدارية حديثة تقوم على التمكين والتواصل الفعّال لتكون قادرة على رفع مستوى الأداء وتحفيز الموظفين، بدلا من الأساليب التقليدية التي غالبًا ما تركز على الرقابة الصارمة والإجراءات الروتينية.

حيث تقول الدكتورة سميرة بنت عبدالله الرواحي استشارية في الإدارة المؤسسية: «تُعد بيئة العمل في القطاع الحكومي عنصرًا أساسيًا في تحديد كفاءة الأداء وجودة الخدمات المقدمة للناس؛ لأنها مرتبطة مباشرة بالموظفين وطريقة اتخاذ القرارات، ويتماشى ذلك مع أهداف «رؤية عُمان 2040»، التي تركز على الحوكمة الجيدة وتطوير الجهاز الإداري ورفع مستوى الأداء المؤسسي».

وأضافت: «مع التغيرات الإدارية والتقنية الراهنة، أصبح من الضروري دراسة واقع بيئة العمل الحكومية وفهم أبرز التحديات، واستكشاف فرص التطوير المستقبلية».

وأوضحت الدكتورة أن بيئة العمل في القطاع الحكومي تتميز بقواعد تنظيمية واضحة توفر استقرارًا وظيفيًا كبيرًا وتضمن استمرارية الأداء، وهو ما يُعدّ نقطة قوة لأي مؤسسة.

لكن في المقابل، قد يؤثر هذا الاستقرار أحيانًا على مستوى المرونة وسرعة الاستجابة للتغيّرات، ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي: إيجاد توازن عملي يجمع بين الاستقرار الإداري ومواكبة التطوير والتحديث.

الإجراءات الروتينية

وتطرقت الدكتورة إلى أن التحديات الإدارية لا تتوقف عند تعقيد الإجراءات الروتينية فقط، بل تمتد لتشمل ضعف التنسيق بين الوحدات الإدارية وتعدد مستويات اتخاذ القرار، الأمر الذي ينعكس على سرعة الإنجاز، كما أن محدودية الصلاحيات لدى بعض المستويات الوظيفية قد تقلل من روح المبادرة لدى الموظفين، وتحدّ من قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة لمتطلبات العمل.

وتُظهر التجارب الإدارية الحديثة أن تحسين الأداء لا يعتمد بالضرورة على زيادة الإنفاق، بل يرتبط أكثر بكيفية استثمار الموارد المتاحة بشكل أفضل، مبينة أن من الوسائل الفعّالة قليلة التكلفة لتحقيق ذلك هو تبسيط الإجراءات وإعادة تنظيمها، وتوضيح الأدوار والمسؤوليات، وتعزيز التواصل بين الوحدات الإدارية، إضافة إلى اعتماد مؤشرات لقياس الأداء، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي قد يُسهمان في رفع الكفاءة دون الحاجة إلى أعباء مالية إضافية، وهو ما ينسجم مع توجهات «رؤية عُمان 2040» نحو تعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي.

وعرجت الدكتورة بقولها: الإدارة الذكية لا تقوم على حجم الموارد بقدر ما تقوم على حسن إدارتها، واتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة، والاستفادة المثلى من التقنيات المتاحة، وفي هذا الإطار، تؤكد «رؤية عُمان 2040» أهمية التحول المؤسسي والحوكمة باعتبارهما مدخلين أساسيين لتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة، موضحة أنه عندما تُدار الموارد بكفاءة، وتُحدد الأولويات بوضوح، يصبح من الممكن تحقيق نتائج ملموسة حتى مع محدودية الموارد المالية.

وبينت الدكتورة سميرة الرواحي أن التحول الرقمي من أهم العوامل التي تدفع التغيير في بيئة العمل الحكومية؛ إذ ساهم في تبسيط الإجراءات وتحسين التنسيق بين الجهات المختلفة، ومع ذلك، تشير القراءة التحليلية إلى أن تحقيق الأثر الإيجابي الكامل لهذا التحول يعتمد على جاهزية الكوادر البشرية، واستمرارية التدريب، وقدرة المؤسسات على إدارة التغيير بفاعلية، فالمطلوب ليس مجرد رقمنة شكلية، بل انتقال حقيقي نحو تحول مؤسسي متكامل ينعكس على جودة الأداء وكفاءة الخدمات.

مسارات متوازية

وحول سؤالنا عن أهم المعطيات التي يجب أن تبرز من أجل تطوير العمل الحكومي أفادت: تُظهر المعطيات أن تطوير بيئة العمل في القطاع الحكومي يحتاج إلى العمل على عدة مسارات متوازية، مثل تبسيط الإجراءات وإعادة تنظيمها، وتوسيع الصلاحيات، وتحسين أنظمة تقييم الأداء، إلى جانب الاستثمار في تنمية الكفاءات البشرية، كما أن نشر ثقافة الابتكار وربط الأداء بالنتائج يُعدان من الركائز الأساسية لتحقيق كفاءة مؤسسية مستدامة وتعزيز جودة العمل.

مشيرة إلى أن القيادات الإدارية تقوم بدور محوري في تشكيل بيئة العمل، ليس فقط عبر تطبيق الأنظمة، إنما من خلال ترسيخ ثقافة مؤسسية تشجع على التطوير وتعزز المساءلة، وتُظهر التجارب أن القيادات التي تعتمد أساليب إدارية حديثة تقوم على التمكين والتواصل الفعّال تكون أقدر على رفع مستوى الأداء وتحفيز الموظفين، مقارنة بالأساليب التقليدية في الإدارة، كما تشير البيانات إلى أن تحسين بيئة العمل في القطاع الحكومي يحتاج إلى اتباع عدة مسارات متوازية، مثل إعادة تصميم الإجراءات، وتوسيع الصلاحيات، وتطوير نظم تقييم الأداء، بالإضافة إلى الاستثمار في تنمية رأس المال البشري. كما أن تعزيز ثقافة الابتكار وربط الأداء بالنتائج يُعدان مدخلين أساسيين لتحقيق كفاءة مؤسسية مستدامة وتعزيز جودة العمل.

وحول التحديات الإدارية التي قد تسبب بطء تجويد العمل، تقول الدكتورة سميرة الرواحي: تشير القراءة التحليلية لسير العمل اليومي إلى أن التحديات الإدارية لا تقتصر على تعقيد الإجراءات الروتينية فحسب، بل تشمل أيضًا ضعف التنسيق بين الوحدات الإدارية وتعدد مستويات اتخاذ القرار، مما يؤدي إلى بطء الإنجاز، كما أن محدودية الصلاحيات في بعض المستويات الوظيفية تقلل من المبادرة الفردية وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة بسرعة لمتطلبات العمل، مؤكدة أن تحسين بيئة العمل في القطاع الحكومي يتطلب اتباع مسارات متوازية، مثل إعادة هندسة الإجراءات، وتوسيع الصلاحيات، وتطوير نظم تقييم الأداء، إلى جانب الاستثمار في تنمية رأس المال البشري، كما أن تعزيز ثقافة الابتكار وربط الأداء بالنتائج يُعدّان مدخلين أساسيين لتحقيق كفاءة مؤسسية مستدامة.

وقد يتوافق تبني الأدوات الإدارية منخفضة التكلفة مع أهداف التنمية المستدامة؛ إذ يسهم في تعزيز كفاءة المؤسسات، وضمان استمرارية الخدمات، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، كما يساعد هذا النهج في بناء جهاز إداري مرن قادر على التكيف مع المتغيرات، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية لـ«رؤية عُمان 2040» في مسارها نحو اقتصاد متنوع وإدارة حكومية أكثر كفاءة وفعالية.

رؤية مشتركة

وفي السياق ذاته، يقول صالح بن علي الفلاحي مدير دائرة الجودة في وزارة التعليم: أدركت من واقع التجربة الإدارية أن أحد أكبر التحديات في بيئة العمل الحكومية لم تكن في الجهد الذي يتطلبه الأداء، ولا قلة الكفاءات، بل في الحاجة إلى رؤية مشتركة بين تقسيمات كل وحدة حكومية لما يعنيه الأداء الجيد، وهذا يتأتى من خلال تبني مؤشرات أداء واضحة؛ لأنها تمثل الفهم المشترك الذي لا يترك مجالا للخلاف حول توجه الفريق أو المؤسسة، كانت التقييمات تعتمد بدرجة كبيرة على معايير لا تقيس ما ينبغي قياسه، ومع الانتقال التدريجي إلى قياس الأداء القائم على مؤشرات محددة ومعلنة، شهدنا ارتفاعا في الأداء، لكن الأهم من ذلك هو التغيير الذي شهدناه في نوعية الحوار داخل المؤسسة؛ إذ تحول من التركيز على أمور مثل تبرير النتائج إلى ليتطور تجاه مناقشة الأرقام، ومن الموقف الدفاعي إلى البحث عن فرص التحسين، مضيفا: لم يعد تقييم الأداء في ذهن الموظف مجرد أداة محاسبة، وبالممارسة الواعية تحوّلت المتابعة الدورية للمؤشرات إلى منصة تعلم جماعي لمراجعة مؤشرات الأداء، وما نحتاج إليه حاليا هو دعم الممارسة الواعية التي تعزز مفهوم المساحة الآمنة لمناقشة التحديات، واتخاذ قرارات تصحيحية مبكرة على نحو جماعي».

تطور مستمر

ويوضح الفلاحي قائلا: يتبين لكل من مارسَ دورًا إداريًا في القطاع الحكومي أن أكثر ما يمكّن المؤسسة من تحقيق استدامة للتطوير والتحسين هو إدارة تغيير بيئة العمل الداخلية لضمان طريقة تفكير تحسينية دائمة، وإذا كان التركيز في مراحل سابقة على مخرجات الخدمة فحسب، فإن المرحلة الحالية تشهد تحولاً يتمثل في طرح أسئلة مثل: لماذا لا يتحقق رضا المستفيد رغم ما بذلناه من جهد؟ وما الخطوة القادمة للتحسين؟، وهي أسئلة تضمن استدامة المكتسبات والقيمة المتحققة منها، مشيرا إلى منهجيات مهمة تضمن الاستدامة من خلال ممارستها اليومية في بيئة العمل مثل الأدوات التي تضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات وإشراك الموظفين، وتعزيز تمكينهم باعتبارهم أعضاء فريق ما يرفع من رضاهم، إضافة إلى المنهجيات التي تمنح الفريق رؤية واضحة للأداء بمرور الزمن، على أن تتحول هذه الممكنات جميعها إلى سلوك وممارسة يحرص الجميع على تثقيف نفسه، وبترسيخ هذه الثقافة المؤسسية يغدو رضا المستفيد من الخدمات في تطور مستمر.

مرحلة جذرية

من جانبه يقول طلال بن عبدالله البلوشي مستشار في تطوير بيئات العمل: تشهد بيئة العمل الحكومي في سلطنة عُمان مرحلة تحول جذرية منذ بداية تطبيق «رؤية عُمان 2040» الطموحة، وكانت إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة الشرارة الأولى للإعلان عن المرحلة الجديدة وهي بمثابة خطوة «إذابة الجليد» في منهجية إدارة التغيير والتي يتم خلالها إتاحة كل الممارسات الإدارية السابقة للتحليل والدراسة بغية التخلص من الممارسات والقناعات غير الملائمة للمرحلة الجديدة، تبع ذلك تطبيق منهجيات إدارية مرتكزة على أفضل الممارسات العالمية في التخطيط وإدارة وقياس الأداء المؤسسي والفردي وتبسيط الإجراءات والتحول الرقمي وذلك بهدف تحديث منظومة العمل الحكومي وجعلها أكثر مرونة وابتكارًا، بما يتوافق مع المستجدات العالميّة ويواكب تطلعات المواطنين.

وبيّن البلوشي: إدخال منهجيات إدارية حديثة في المؤسسات الحكومية لم يكن مجرد تغيير إداري، بل هو تحول ملموس في فكر وأداء الموظف العُماني الحكومي، ويتضح ذلك من خلال تركيز المؤسسات على وضع خطط أكثر واقعية مربوطة بمؤشرات أداء تعزز التركيز على النتائج، كما أصبحت مهام الموظف وأولوياته أكثر وضوحًا، وبات كل موظف يعرف أهدافه السنوية وربطها المباشر بأهداف مؤسسته، هذا الوضوح عزز الشعور بالمسؤولية لدى الأفراد، ودفعهم لمتابعة مؤشرات الإنجاز بشكل ذاتي وتحسين أدائهم لتحقيق المستهدفات.

وحول التحديات التي تواجه مختلف البيئات في العمل الحكومي أفاد البلوشي: رغم هذه التحولات الإيجابية، إلا أننا لا نزال في منتصف الطريق نحو تهيئة بيئة عمل أكثر ملاءمة لتحقيق «رؤية عُمان 2040» وتعزيز مستوى ولاء الموظفين لمؤسساتهم، والمراقب لبيئات العمل الحكومية يجد أن هناك بعض التحديات التي يجب على المسؤولين التركيز عليها، ومن بين هذه التحديات: ضعف التواصل الداخلي الرأسي والأفقي بين التقسيمات والموظفين، مما يخلق ضبابية حول رؤية المؤسسة التي لا تصل إلى الموظفين بوضوح ما يجعلهم يشعرون بأن أعمالهم ليس لها مغزى، هذا التحدي يتفاقم عندما تركز قيادة المؤسسة على الأعمال الخارجية مع تجاهل نسبي للأعمال الداخلية، وكذلك عندما تنجز غالبية الأعمال عن طريق التعاقد مع الشركات، ما يدفع نحو إهمال المواهب الداخلية بالمؤسسة، الأمر الذي يشعر الموظفين بانفصالهم عن عملية صنع القرار أو أنهم غير مشاركين بما يكفي في تطوير بيئة العمل، ومن أعراض ضعف التواصل والاندماج انتشار ثقافة الأداء بالحد الأدنى لدى بعض الأفراد نتيجة شعورهم بعدم التقدير أو غياب التحفيز.

المهارات القيادية

كما أن دقة اختيار القيادات في المناصب الإشرافية، تعد تحديًا محوريًا في تهيئة بيئات عمل أكثر جاذبية للموظفين؛ إذ تعاني بيئة العمل أحيانًا من وضع الشخص غير المناسب في المنصب الإشرافي أو القيادي، إما نتيجة ضعف معايير الاختيار أو الاعتماد على الأقدمية والمحسوبية بدل الكفاءة، ما يؤثر على معنويات فرق العمل ويُضعف جودة القرارات الإدارية بوصفها نتيجة لافتقار العديد من شاغلي الوظائف الإشرافية إلى المهارات القيادية والخبرة الفنية الكافية لإدارة تقسيماتهم، ولتحسين عمليات الاختيار تبنت الحكومة عدة مشاريع مثل مشروع الإطار الوطني للجدارات الوظيفية ومصفوفة إدارة الموارد البشرية وممارسة إعداد الصف الثاني من القيادات، لكن لا يزال أثر تلك المشاريع غير واضح على مستوى رضا الموظفين عن المسؤول المباشر.

ويرى هلال بن سعيد السبتي أن المؤسسات الحكومية تشهد اليوم تحديات متزايدة في الاستجابة لتطلعات المجتمع وتسريع تقديم الخدمات، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والذكاء الاصطناعي ومتطلبات الكفاءة التشغيلية في المؤسسات، مؤكدا أن تبسيط الإجراءات يأتي كأحد أهم المسارات الاستراتيجية لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وزيادة رضا المستفيدين دون تحميل الموارد البشرية أعباء إضافية، حيث إن تعقيد العمليات الإدارية وطول سلاسل الموافقات يؤديان في كثير من الأحيان إلى هدر الوقت وتراجع رضا المستفيدين، بل وقد ينعكس سلبًا على معنويات الموظفين أنفسهم، ومن هنا، فإن إعادة تصميم الإجراءات وفق منهجيات حديثة مثل تحليل العمليات، وإزالة الخطوات غير ذات القيمة، وتفويض الصلاحيات بذكاء تمثل فرصة حقيقية لتحقيق قفزات نوعية في الأداء المؤسسي.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن تقليل العمليات وتبسيطها لا يعني بالضرورة المساس بجودة الخدمة أو الحوكمة، بل على العكس، يمكن أن يسهم في تعزيز الشفافية وضبط المسؤوليات عند اقترانه بالرقمنة واستخدام الأنظمة الذكية؛ فالتحول إلى الخدمات الإلكترونية والذكية، وأتمتة الإجراءات، وربط الجهات الحكومية عبر منصات موحدة، يسهم في اختصار الزمن وتقليل الأخطاء ورفع كفاءة اتخاذ القرار وسرعة الإنجاز.

وفي السياق العُماني، تأتي هذه الجهود متناغمة مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» التي تضع كفاءة الجهاز الإداري وجودة الخدمات العامة في صميم التنمية الوطنية، غير أن نجاح مبادرات تبسيط الإجراءات يتطلب أكثر من تطوير الأنظمة؛ فهو يحتاج إلى ثقافة تنظيمية داعمة للتغيير، وتمكين الموظفين، والاستثمار في بناء القدرات، وقياس الأثر بصورة مستمرة.

ويضيف: إن الانتقال من «إدارة الإجراءات» إلى «إدارة القيمة» هو ما يصنع الفارق الحقيقي، فحين تُصمم العمليات من منظور المستفيد وتعظيم القيمة المقدمة، وتُقاس بمؤشرات واضحة للأداء والجودة، تتحول البيروقراطية إلى تجربة خدمة مرنة وفعّالة تعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة، وتدعم مسيرة التنمية المستدامة. وذلك لأن إدارة القيمة تركز على «لماذا» و«كيف» لتعظيم الأثر.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: بیئة العمل الحکومی التحدیات الإداریة تبسیط الإجراءات العمل الحکومیة المؤسسات على تقییم الأداء اتخاذ القرار تقوم على من خلال یسهم فی کما أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • اجتماع موسع بالرقابة الإدارية لمواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية
  • محافظ المنوفية: الأداء الميداني معيار التقييم.. والتلاحم الوطني يدعم مسيرة التنمية
  • مدير مستشفى بعلبك الحكومي: استهداف المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي جريمة
  • الأوقاف: الحفاظ على الهوية الخاصة بالقاهرة الإسلامية والخديوية أثناء التطوير.. ولا صحة للشائعات حول هدم مناطق أثرية
  • رئيس المؤسسة العلاجية يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس
  • أمين البحوث الإسلامية يوجه برفع كفاءة الأداء وربط الخطط بمؤشرات قياس دقيقة
  • مصلحة الجمارك: نعمل على رفع «كفاءة المنافذ» وتعزيز الأداء
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • بعد إصابة طفلين.. النيابة الإدارية تُحقق في واقعة انهيار جزئي لعقار بمطوبس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش