على إيقاع ضربات متبادلة، وتصريحات نارية، وتحركات عسكرية محسوبة بدقة، تقف المنطقة اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية، تبدو فيها خطوط التماس أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

 التصعيد العسكري المتجدد في الأراضي الفلسطينية لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا ميدانيًا معزولًا، بل باعتباره جزءًا من لوحة إقليمية معقدة تتشابك فيها الحسابات الأمنية بالاعتبارات السياسية، وتتصادم فيها رهانات الداخل مع توازنات الخارج.

وفي الداخل الإسرائيلي، تتصاعد أزمات سياسية وقانونية تضغط على بنية الحكم، فيما تشهد الساحة الأمريكية بدورها تحولات مرتبطة باستحقاقات انتخابية وحسابات نفوذ دولي. أما على المستوى الإقليمي، فتراقب قوى عدة وفي مقدمتها إيران مسار الأحداث بحذر، مع سعي واضح للحفاظ على معادلة ردع تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، دون التفريط في أوراق الضغط المتاحة.

وبين هذا وذاك، يلوح في الأفق سؤال جوهري: هل ما يجري هو إعادة ضبط لإيقاع الصراع ضمن حدود محسوبة، أم أن المنطقة بالفعل تقترب من نقطة تحول قد تعيد رسم خريطة المواجهة بأبعاد سياسية واقتصادية وأيديولوجية أوسع؟


«تصاعد الضربات» يهدد بانفجار إقليمي واسع:

رأى خبراء في العلوم السياسية أن استمرار الضربات المتبادلة وارتفاع سقف الخطاب السياسي يضعان توازن الردع التقليدي أمام اختبار حقيقي. فكل ضربة تحمل في طياتها رسالة ردع، لكنها في الوقت ذاته ترفع من احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق غير المقصود.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمار قناة، أستاذ العلوم السياسية، أن التصعيد العسكري المتكرر يعكس  من وجهة نظره حالة من الاضطراب الاستراتيجي داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، في ظل تصاعد التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الحكومة، ومحاولاتها توظيف التوترات الإقليمية لإعادة ترتيب أولوياتها السياسية.

وأوضح أن التحركات الراهنة ترتبط برغبة في الاستفادة من الدور العسكري الأمريكي لدعم أجندات سياسية داخلية، مشيرًا إلى أن أي قرار محتمل بشأن توسيع دائرة التصعيد سيظل مرهونًا بمدى الانخراط الأمريكي وطبيعة الموقف الدولي، وما إذا كانت التطورات ستبقى ضمن نطاق محدود أم ستتجه إلى مواجهة إقليمية أوسع.

سلام غزة يترنح

«حسابات الردع والمواجهة»:

السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه يتمثل في: من يملك فعليًا قرار التهدئة؟
هل هو قرار داخلي تحكمه اعتبارات سياسية وانتخابية؟ أم قرار إقليمي يخضع لحسابات الردع المتبادل؟ أم أنه مرهون بموقف دولي، خاصة في ظل الدور الأمريكي المحوري في إدارة أزمات المنطقة؟

وأشار مراقبون إلى أن المشهد الأمريكي يشهد بدوره تحولات قد تدفع نحو خيارات أكثر حدة، مع تصاعد الضغوط السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما قد يجعل إدارة الأزمات الخارجية أداة لتخفيف الاحتقان الداخلي أو لإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية.

وفي المقابل، لا يُستبعد  بحسب بعض التقديرات  أن تلجأ القيادة الإسرائيلية إلى خطوات تصعيدية منفردة إذا رأت فيها مخرجًا من أزماتها السياسية والقانونية، ما قد يضع الحلفاء أمام أمر واقع يصعب احتواؤه سريعًا.


الموقف الإيراني تعزيز الردع دون الانزلاق:

وفي ما يتعلق بالموقف الإيراني، شدد أستاذ العلوم السياسية على أن إيران لا تسعى وفق تقديره  إلى إشعال مواجهة إقليمية شاملة، لكنها تنظر إلى التهديدات الحالية باعتبارها خطرًا مباشرًا يستدعي تعزيز أدوات الردع والدفاع.

وأكد أن أي انزلاق إلى صراع مفتوح سيحمل كلفة مرتفعة على جميع الأطراف، مع احتمال اتساع نطاق المواجهة لتشمل ساحات متعددة في المنطقة، وهو ما قد يغير طبيعة الاشتباك من مواجهات محدودة إلى صراع ممتد ذي أبعاد إقليمية ودولية.

ويرى مراقبون أن معادلة الردع ما زالت قائمة، لكنها باتت أكثر هشاشة، في ظل تشابك الملفات الأمنية مع حسابات الداخل السياسي لكل طرف.

حماس: حرب الإبادة في غزة لم تتوقف رغم تغير شكلها


تحول في طبيعة المواجهة بالضفة والقدس:

من جانبه، قال الدكتور سهيل دياب، خبير الشؤون الإسرائيلية، إن هناك تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون وقوات الاحتلال في مناطق الضفة الغربية والقدس، مشيرًا إلى أن تصاعد التغطية الإعلامية الدولية لهذه الانتهاكات يعكس تدهورًا خطيرًا في الأوضاع الميدانية منذ أحداث السابع من أكتوبر.

وأوضح أن الاعتداءات لم تعد تندرج فقط ضمن ممارسات متفرقة أو ردود فعل آنية، بل باتت بحسب تحليله مرتبطة بتوجهات سياسية تتبناها قوى إسرائيلية صاعدة، تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

واعتبر أن هذا التحول يعكس انتقالًا من إدارة الصراع بمنظور أمني تقليدي إلى مقاربة أكثر ارتباطًا بالبعد الأيديولوجي والديني، بما يوسع نطاق المواجهة ويعقد فرص التسوية السياسية.

وأشار الخبراء إلى أن أهداف الاحتلال قبل السابع من أكتوبر كانت تتركز في مسارات سياسية وأمنية، من بينها منع قيام دولة فلسطينية مستقلة وتعزيز الفصل الجغرافي بين القدس ومحيطها. غير أن المرحلة الحالية شهدت — وفق تحليلاتهم — إضافة بُعد ديني واستراتيجي إلى معادلة الصراع، بما يحوله تدريجيًا من نزاع سياسي وقانوني إلى مواجهة ذات أبعاد أيديولوجية أوسع.

ويعكس التركيز المتزايد من قبل وسائل الإعلام العالمية على ما يجري في المنطقتين (أ) و(ب) حجم التغيرات الميدانية، في ظل محاولات لإعادة صياغة طبيعة الصراع وتوسيع ساحاته.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: ضربات متبادلة تحركات عسكرية التصعيد العسكري الداخل الإسرائيلي الخطاب السياسي إلى أن

إقرأ أيضاً:

الولاية بين الامتداد الرسالي ومتطلبات المواجهة

مع اقتراب ذكرى يوم الولاية، تتجدد في الوعي الإسلامي قضية الولاية بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل الهوية الإيمانية والسياسية للأمة، فهذه المناسبة لا تُستحضر باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها محطة تأسيسية ترتبط بمفهوم القيادة الشرعية ودورها في حماية الدين وصيانة مسيرة الأمة من الانحراف والضياع، وتقدم الرؤية الدلالية الواسعة قراءة معاصرة لمبدأ الولاية، تنطلق من جذوره القرآنية والنبوية، لتربط بين الامتداد الرسالي في التاريخ الإسلامي ومتطلبات الواقع الراهن، في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتحولات كبرى.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الولاية كمنظومة إلهية للقيادة

الولاية ليست مفهومًا سياسيًا طارئًا أو اجتهادًا تاريخيًا مرتبطًا بمرحلة زمنية محددة، وإنما هي جزء من المنظومة الإلهية التي أرادها الله تعالى لاستمرار الهداية بعد الرسالة، وتستند هذه الرؤية إلى النصوص القرآنية والنبوية التي جعلت من القيادة امتدادًا للرسالة، بحيث لا تنفصل مهمة إدارة الأمة عن مهمة حفظ الدين وصيانة قيمه ومبادئه، ومن هذا المنطلق يُنظر إلى حادثة الغدير باعتبارها إعلانًا واضحًا لمبدأ الارتباط بين النبوة والولاية، وبين الرسالة والقيادة، وتكشف هذه المقاربة عن بعد فكري مهم يتمثل في أن الإسلام لم يترك قضية القيادة خاضعة للأهواء والمصالح المتغيرة، بل ربطها بمعايير إيمانية وأخلاقية تضمن استمرار المشروع الإلهي في واقع الناس.

الولاية باعتبارها معيارًا للتمييز بين الحق والباطل

من أبرز الدلالات أن الولاية ليست مجرد رابطة عاطفية أو انتماء وجداني، وإنما تمثل معيارًا عمليًا يمكن من خلاله قياس المواقف والاتجاهات، فالتاريخ الإسلامي يكشف أن الانحرافات الكبرى بدأت عندما تم إبعاد القيادة عن موقعها الطبيعي، الأمر الذي أدى إلى ظهور مشاريع سياسية ابتعدت تدريجيًا عن جوهر الرسالة الإسلامية، وفي السياق المعاصر، يُعاد طرح هذا المعيار لتقييم مواقف القوى والأنظمة تجاه القضايا المصيرية للأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يصبح الموقف من قضايا العدل والظلم، ونصرة المستضعفين أو التخلي عنهم، مؤشرًا على صدق الانتماء للمبادئ التي تمثلها الولاية.

إسقاط المفهوم على الواقع المعاصر

لا تكتفي الرؤية باستعراض البعد التاريخي للولاية، بل تنتقل إلى الواقع الراهن لتؤكد أن هذا المبدأ ما يزال حاضرًا في حياة الأمة، وأنه يتجسد من خلال المواقف العملية التي تعبر عن الالتزام بقيم الإسلام في مواجهة التحديات، وفي هذا الإطار، تطرح الرؤية نموذجين متقابلين في العالم الإسلامي، الأول نموذج الأنظمة والقوى التي تمتلك الإمكانات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها أخفقت في أداء مسؤولياتها تجاه قضايا الأمة الكبرى، واتجهت نحو سياسات التبعية والخضوع للضغوط الخارجية، والثاني نموذج القيادة التي تتبنى مواقف داعمة لقضايا الأمة، وتتحمل تبعات المواجهة دفاعًا عن الحقوق والمقدسات، وهو النموذج الذي تقدمه الرؤية باعتباره امتدادًا عمليًا لقيم الولاية ومبادئها، ومن خلال هذا الطرح، تتحول الولاية من مفهوم نظري إلى مشروع عملي يقاس بمدى الالتزام بقضايا الأمة والاستعداد لتحمل المسؤولية في الدفاع عنها.

البعد التعبوي في مفهوم الولاية

هناك ربط وثيق بين الولاية وبين صناعة الوعي الجماهيري القادر على مواجهة التحديات، فالولاية هنا ليست مجرد علاقة بين قائد وأتباع، بل هي علاقة تقوم على الثقة والالتزام وتحمل المسؤولية المشتركة، وهنا تأكيد أن التولي الحقيقي ينعكس في الميدان عبر الثبات والتضحية والاستعداد للعطاء، ومن هذا المنظور، تصبح الولاية أداة لبناء مجتمع متماسك يمتلك رؤية موحدة تجاه القضايا الكبرى، ويستطيع مواجهة حملات التضليل والتشويه التي تستهدف تفكيك الهوية الإيمانية للأمة.

الولاية والهوية القرآنية

لا بد أن يتم إعادة ربط مفهوم الولاية بالهوية القرآنية، من خلال التأكيد أن القيادة الحقة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتجسيد قيم القرآن في الواقع، فالقائد لا يُقاس بموقعه السياسي أو سلطته المادية، وإنما بمدى التزامه بالحق والعدل ونصرة المظلومين والوقوف في مواجهة الطغيان، وهذا الربط بين الولاية والهوية القرآنية يمنح المفهوم بعدًا حضاريًا يتجاوز حدود الانتماء السياسي الضيق، ليصبح مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يهدف إلى بناء مجتمع قائم على القيم والمبادئ.

 

الرسائل السياسية للرؤية

هناك جملة من الرسائل السياسية المهمة، أبرزها، التأكيد أن الصراع في المنطقة ليس صراع مصالح فحسب، بل هو صراع بين مشاريع وقيم ومواقف، وإبراز أهمية القيادة الواعية في توجيه الأمة خلال المراحل الحساسة، وكذا التأكيد أن نصرة القضايا العادلة تمثل معيارًا رئيسيًا للحكم على المواقف السياسية، والدعوة إلى التحرر من التبعية والارتهان للخارج والاعتماد على عناصر القوة الذاتية، وتعزيز حالة الوعي الشعبي بأهمية الارتباط بالمبادئ والقيم التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها.

ختاما ..

مفهوم الولاية يُطرح اليوم بوصفه مشروعًا متكاملًا يجمع بين البعد العقدي والفكري والسياسي والتعبوي. فالغدير، ليس مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد كل عام، بل محطة متجددة لاستلهام معاني القيادة الرسالية والالتزام العملي بقضايا الأمة، ومن هنا تتجلى الرسالة الأساسية للرؤية في التأكيد أن الولاية ليست شعارًا يُرفع أو مناسبة تُحتفى بها فحسب، وإنما مسؤولية عملية تتجسد في الموقف والوعي والانحياز للحق، وفي القدرة على تحويل المبادئ القرآنية إلى واقع حي يصنع العزة والكرامة ويواجه مشاريع الهيمنة والظلم في مختلف الساحات.

مقالات مشابهة

  • محـور المقـاومـة يفـرض مـعـادلة الـردع
  • "حفرة جهنم".. دراما مشوقة تكشف الوجه الخفي للعشوائيات
  • وفد من حماس يبحث مع رئيس المخابرات التركية تصاعد العدوان على غزة
  • انعقاد جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا الأوضاع في الشرق الأوسط
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
  • خمسة قتلى في إندونيسيا بانفجار قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية
  • الولاية بين الامتداد الرسالي ومتطلبات المواجهة
  • إنفوجرافيك | الولاية بين الامتداد الرسالي ومتطلبات المواجهة
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها إزاء التصعيد بلبنان وتدعو لاحترام وقف إطلاق النار
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر