مائدة المدينة المنورة ترياق للإنسانية المنهكة
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
كان ذلك قبل أعوام طويلة، حين منّ الله علي بالذهاب إلى عمرة في رمضان برفقة أطفالي. كنا في المدينة المنورة، وفي أول يوم أيام الصيام قررنا أن نفطر في المسجد النبوي. اتفقنا مع أصدقاء من تركيا أن نلتقي عند موعد الغروب في ساحة المسجد.
عندما دخلنا قبيل الأذان، فوجئنا بموائد منصوبة في كل مكان. ولم تمضِ لحظات حتى ازدادت دهشتنا، إذ كان الواقفون عند تلك الموائد يدعوننا بإلحاح لطيف أن نفطر معهم، وكأنهم يتسابقون إلى استضافتنا ومشاركتنا الطعام.
شعرنا، أنا وأطفالي، بمزيج من الدهشة والتأثر. كان الداعون مرة من باكستان، ومرة من مصر، وأحيانا من بلدان آسيوية أو أفريقية أخرى.
أدركت حينها أن مسلمين من أنحاء العالم اجتمعوا هنا، ونصبوا موائدهم ليكرِموا الصائمين والمعتمرين، يتنافسون في البذل والضيافة، لا طلبا لشيء إلا ابتغاء الأجر والمحبة في هذا الشهر الكريم.
نُصبت آلاف الموائد وكان هناك عشرات الآلاف من الناس، ومع ذلك كان في تلك الإفطارات متسع للجميع. كان الناس يتسابقون في إكرام بعضهم بعضا، وفي مد يد العون لمن حولهم. كانت تلك أغنى مأدبات رأيتها في حياتي، لا لأن الطعام كان وفيرا أو فاخرا، بل لأن القلوب الكريمة كانت كثيرة.
وعندما التقيت بصديقي، وجدته هو أيضا قد نصب مأدبة، منشغلا بدعوة الناس إلى الإفطار. رأى دهشتي من هذا المشهد الذي أراه لأول مرة، فقال لي: "إن أصحاب هذه الموائد يقولون: ليتك تشرفني بالضيافة". عبارة كهذه قلّ أن تسمعها في أي مكان من أرجاء المعمورة، ومثل هذه الموائد لا تكاد تراها في أي بقعة أخرى.
جلسنا إلى إحدى الموائد وإلى جانبي رجل من البوسنة، وأمامي آخر من بنغلاديش، وعن يميني زائر من السودان. كان أطفالي يجلسون لأول مرة في حياتهم إلى مائدة بهذا التنوع والثراء الإنساني.
إعلانلم نكن نعرف لغات بعضنا، لكن التواصل كان حاضرا، والابتسامة لا تفارق الوجوه. مئات الآلاف من الحجاج والزوار، يفطرون طوال شهر رمضان على هذه المأدبات، من غير مقابل، بل ويمكنهم أن يأخذوا معهم من الوجبات المعبأة للسحور أيضا.
إن "مائدة المدينة"- سواء نظر إليها من زاوية اجتماعية أو نفسية أو دينية- جديرة بالدراسة والكتابة والتأمل. فهذا النموذج الفريد من ثقافة الإفطار، يحتاج إلى تعريف أوسع وإبراز أعمق.
في عالم بلغت فيه الأنانية وجمع الثروات ذروتهما، لو حدثت الناس عن عشرات الآلاف من المتطوعين الذين يتسابقون لإطعام الصائمين، لظن كثيرون أنك تبالغ أو تروي خيالا. لكن هذا المشهد حقيقة تتكرر كل عام، وتشهد على وجه آخر من وجوه الإنسانية حين تغذيه القيم الإيمانية.
في زمن كانت أوروبا تعيش صراعاتها الداخلية، وكانت مناطق واسعة من العالم تموج بالحروب، صاغ مجتمع المدينة وثيقة تضمن التعدد الديني وتحفظ الحقوق وتصون الدماء والأموال
وللأسف، لم نحسن بعد عرض كثير من فضائل المسلمين أمام العالم، ولا التعريف بجوانب الجمال في ثقافتهم وسلوكهم. وحتى السيرة العطرة لنبينا ﷺ، الذي أفطرنا في رحاب مسجده وعلى مقربة من روضته، ما زالت عند كثيرين مجهولة أو مشوهة، مع أنها تحمل من القيم والفضائل ما لو عُرف حق المعرفة لغير كثيرا من الصور النمطية السائدة.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى التعرف إلى قائد كان مثالا للرحمة والشفقة، وقامة أخلاقية فريدة. أن يُعرف هذا النموذج ويقتدى به عالميا لم يعد ترفا ثقافيا، بل ضرورة إنسانية في زمن تتكاثر فيه الصراعات وتضيق فيه مساحات التعاطف.
وانظروا إلى تجربة العيش في المدينة المنورة نفسها، فهي نموذج قائم بذاته يستحق أن يقدم للعالم. كل من زار المدينة يلحظ ذلك السكون العجيب والطمأنينة التي تملأ أرجاءها.
الحجاج والزوار- على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم- يكادون يجمعون على وصفها بأنها "مدينة تبعث على السلام الداخلي". ولعل أعظم ما يفيض على هذه المدينة من سكينة هو احتضانها رسول الله ﷺ.
لكن المدينة ليست رمزا للسكينة الروحية فحسب، بل هي شاهد مبكر على تجربة إنسانية في التعايش. ففي عهد النبي ﷺ عقد اتفاق بين المسلمين واليهود وغيرهم من سكان المدينة، نظِمت فيه أسس العيش المشترك، وحددت الحقوق والواجبات. ويعرف هذا الاتفاق باسم صحيفة المدينة، ويعده كثير من الباحثين من أقدم الوثائق التي أرست مبدأ "العقد الاجتماعي" في التاريخ.
في زمن كانت أوروبا تعيش صراعاتها الداخلية، ومناطق واسعة من العالم تموج بالحروب، صاغ مجتمع المدينة وثيقة تضمن التعدد الديني وتحفظ الحقوق وتصون الدماء والأموال.
إنها تجربة تاريخية تؤكد أن التعايش ليس شعارا طارئا في التراث الإسلامي، بل ممارسة تأسست مبكرا، ولا تزال قابلة لأن تستعاد بوصفها مصدر إلهام لحاضر مضطرب.
هكذا هي المدينة المنورة، مدينة تتفرد بخصائص لا تكاد تجتمع في غيرها. حتى موائد الإفطار التي تنصب فيها خلال رمضان تمثل نموذجا إنسانيا راقيا يمكن أن يقدم للعالم بوصفه تجربة في الكرم والتكافل والتراحم.
أما صحيفة المدينة فهي وثيقة توافق مجتمعي تملك من القيمة ما يجعلها مثالا يحتذى به في زمن تتسابق فيه قوى كثيرة إلى إشعال الحروب وإذكاء الصراعات.
ومن المؤسف أن المسلمين لا يعرفون بهذه الموائد الخيرية، ولا تعرف مدنهم بما أضافته إلى الحياة الاجتماعية من قيم!
إعلانوفي وقت ينهار فيه النظام العالمي وتضمحل فيه الحضارات، أليس هذا هو الوقت المناسب للتعريف بالحضارة التي نملكها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المدینة المنورة فی زمن
إقرأ أيضاً:
منتخب مصر يصل أوهايو استعدادًا لكأس العالم 2026
بدأ منتخب مصر الأول لكرة القدم المرحلة الأخيرة، من استعداداته لخوض منافسات كأس العالم 2026، بعدما وصلت بعثة الفراعنة إلى مدينة كليفلاند بولاية أوهايو الأمريكية، استعدادًا للمشاركة في البطولة الأكبر في تاريخ المونديال.
ووصلت بعثة المنتخب إلى الولايات المتحدة ، بعد رحلة طيران طويلة استغرقت نحو 12 ساعة، قبل الاستقرار في مقر الإقامة الذي سيشهد انطلاق التدريبات اليومية خلال الأيام المقبلة.
ويخوض المنتخب الوطني برنامجًا تدريبيًا مكثفًا تحت قيادة المدير الفني حسام حسن، الذي يسعى للوصول باللاعبين إلى أعلى معدلات الجاهزية قبل خوض منافسات البطولة العالمية.
ومن المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة تركيزًا كبيرًا على الجوانب الفنية والخططية، بجانب تجهيز اللاعبين بدنيًا لمواجهة تحديات المونديال الذي ينطلق يوم 11 يونيو الجاري.
وسيخوض الفراعنة مباراة ودية من العيار الثقيل أمام منتخب البرازيل في السابع من يونيو المقبل، في آخر تجارب المنتخب قبل ضربة البداية الرسمية.
وتعد المباراة فرصة مهمة للجهاز الفني لتجربة بعض الأفكار الفنية والوقوف على الحالة النهائية للاعبين، خاصة أنها ستكون أمام أحد أقوى المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب.
ويرأس خالد الدرندلي نائب رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم بعثة منتخب مصر في الولايات المتحدة، في إطار التنسيق الكامل بين مجلس الإدارة والجهاز الفني لضمان توفير أفضل الأجواء للمنتخب خلال فترة الإقامة.
وكان حسام حسن قد استقر على القائمة النهائية المشاركة في كأس العالم، والتي تضم 26 لاعبًا يتقدمهم قائد المنتخب محمد صلاح، إلى جانب عمر مرموش ومحمود حسن تريزيجيه وإمام عاشور وأحمد سيد زيزو.
كما تضم القائمة محمد الشناوي ومصطفى شوبير والمهدي سليمان ومحمد علاء في حراسة المرمى، بينما يتواجد في خط الدفاع محمد هاني ورامي ربيعة ومحمد عبد المنعم وياسر إبراهيم وأحمد فتوح وكريم حافظ وعدد من العناصر الأخرى.
ويأمل المنتخب الوطني في تحقيق ظهور قوي خلال مشاركته المرتقبة ضمن المجموعة السابعة، التي تضم بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، في نسخة استثنائية من كأس العالم تشهد مشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى في تاريخ البطولة.
وتتطلع الجماهير المصرية إلى أن تكون رحلة أوهايو هي بداية مشوار جديد يكتب خلاله الفراعنة صفحة مشرقة في سجل مشاركاتهم المونديالية، مستفيدين من حالة الاستقرار الفني والروح المعنوية المرتفعة التي يعيشها المنتخب قبل انطلاق المنافسات.