صدى البلد:
2026-06-03@03:41:30 GMT

عادل القليعي يكتب: رمضان دعوة للعمل لا للنوم.!

تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT

فإنه من مظاهر الأجواء الرمضانية الاستعدادات المذهلة بكآفة صنوفها خصوصا فى الأحياء الشعبية فتعلن حالة الطوارئ فى الشوارع والزينات تملأ الشرفات ، وأضواء الزينة تزين الطرقات وتزدان مآذن المساجد بالتكبيرات وصلاة العشاء والتراويح تملأ الساحات ، والمقاهي والملاهي تزخر بروادها والخيام الرمضانية والهناجر تعج بالأمسيات الثقافية إلى وقت السحور.

ومن فولكورولنا الشعبي،  أغنيات المسحراتي بصوت سيد مكاوي الشجي الجميل ، اصحى يا نايم ، وحد الدايم ، وحد الرزاق ، رمضان كريم ، ثم نسمعه يكرر الموال ، السعي للصوم خير من النوم.

استوقفتني هذه العبارة ، على الرغم من أنني كنت اسمعها واتلذذ بسماعها وأرددها خلفه ، وحتى منذ كنت صغيرا دوما ما كنت أنشدها وسط زملائي فى المدرسة ، لم أكن أدرك فحواها ، ومع مرور الوقت أدركت أن الإنسان عليه أن يستعد جيدا للصوم وأن يعد سحوره ويؤخره ولا يعجله لحديث النبي صل الله عليه وسلم ، اخروا السحور وعجلوا الإفطار ، ثم بعد السحور لا تجعلوا البدن ينام بل استعدوا لصلاة الفجر في جماعة لتعمروا مساجد الله ، أدركت ذلك جيدا.

وعندما اتسعت مداركي الفكرية وتعمقت في دراساتي وكتبت بحوثي وتعمقت في كتاباتي التأويلية ، أتتني فكرة ، هي لماذا لا نوظف هذه العبارة الخالدة من الفلوكولور الشعبي ونأولها موظفين إياها لخدمة قضية مهمة ألا وهي أن رمضان المعظم الذي عظمه الله لا يكون شهرا للنوم والتكاسل والتواكل ، بل شهر كانت فيه الفتوحات العظيمة والانتصارات العملاقة ، ولنا فى الفاتحين الغازين في سبيل الله الأسوة والقدوة الحسنة ، فما سمعنا من سيرة الصحابة أنهم ناموا وتقاعسوا وتكاسوا عن الجهاد في سبيل الله في رمضان ، بل امتطوا جيادهم ولبسوا دروعهم واستلوا سيوفهم نصرة لدين الله ، فما ضعفوا وما وهنوا وما استكانوا ، بل سمعنا علي بن أبي طالب يقول أحب الأعمال إلي الصوم في حر رمضان ، وما سمعناه يقول أحب الأعمال إلى قلبي النوم في رمضان لأن الحر شديد والقيظ تذبل معه العيون والجفون.

نعم نأولها فنقول السعي في الصوم ، بدلا من القول السعي للصوم ، فكلاهما لا يخل بالمعني ولا يخرجه عن سياقه ، وإنما محاولة من جانبي لتوظيف العبارة لشحذ الهمم للعمل والجد والاجتهاد في رمضان ، فإن كنا نعمل في غير رمضان فينبغي أن يزداد عملنا في نهار رمضان حتى يزداد الأجر والثواب ، فقد رأينا مجاهدين يعملون في أعمال شاقة فى نهار رمضان يتصببون عرقا من شدة الحر فشاهدنا من يمتهن مهنة الحدادة والبناء ، ورأينا من يحمل الطوب على ظهره ومن يعمل في مخبز أمام الأفران ولم يكلوا ولم يملوا ولم يفطروا وواصلوا صوهم طالبين المدد والعون من الله تعالى.

رمضان شهر يحبه الله ويحب الله ومن أحبه الله عظمه وأكرمه ومن مظاهر تكريم الله لهذا الشهر أن وهبه لنا إكراما لنا نحن أمة محمد والأجر فيه مضاعف.

رمضان ليس شهرا للنوم والسهر للصباح ، بل ولساعات متأخرة من الصبح ، ثم الذهاب للنوم إلى أذان المغرب ، أي صيام هذه ، رب صائم لم يناله من صومه إلا الجوع والعطش حتى هذه لن يحصلها النائم فهو لن يشعر لا بجوع ولا بعطش فأي أجر ينتظره من الله تعالى.

نعم السعي فى الصوم إلى طلب الرزق فى البكور بعد شروق الشمس وأنت صائم فإن الله سييسر لك الرزق وسيفتح لك أبوابه لأنك طرقت باب كريم فما بالك إذا ما طرقته وأنت صائم.

فطلب الرزق في شتى صوره سيكثره الله تعالى وسيزيده ويطرح فيه البركة فى رمضان ، فالطالب إذا لم يتكاسل عن الذهاب إلي مدرسته أو إلى جامعته وبكر بالذهاب إلى قاعات درسه فإن نسبة تحصيله ستزيد وهذا ما وثقته الأوساط الطبية أن تحصيل المعلومات يكون أفضل بكثير والإنسان  غير ممتلأ البطن ، فإذا ما امتلأت البطون غابت  العقول وسيصاب المرء بالوخم وستتغيب العقول ، فأقول لأبنائنا الطلاب لا تتكاسلوا عن أداء مهامكم المكلفين بها بحجة أنكم صائمون فالصوم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون عائقا لكم عن ذهابكم إلى مدارسكم وجامعاتكم ومعاهدكم.

كذلك أقول للأساتذة الذين يتراخون عن أداء واجباتهم ويؤجلون محاضراتهم أو يتفنون فى اضاعتها بشتى الطرق بحجة الصوم وأن الجو حر وأنا المسافة بعيدة والمدرجات بعيدة ، أقول لهم واذكرهم وأذكر نفسي أن الأجر من الله تعالى على قدر المشقة ، واذكرهم أن الأبطال الغزاة الفاتحين كانوا يقضون الليالي والنهار على ظهور الخيل يقطعون آلاف الأميال غازين في سبيل الله صائمين زاد أجسادهم القليل من التمر والماء ، وزواد قلوبهم التقوى والإيمان متسلحين بقوله تعالى (واتقون يا أولي الألباب) فإذا ما اجتمع الصوم مع العمل تحققت التقوى وتحقق قوله تعالى لعلكم تتقون.

كل سبل الراحة والطمأنينة متوفرة الآن ، كل سبل الرفاهية موجود ولله الحمد ، مراوح ، مكيفات ، أمن وأمان وسلم وسلام واستقرار ، فلم التكاسل والتراخي ، هل هذه الرفاهية تجعلنا نتكاسل وننام ، لا والله ، هذه نعم أنعم الله بها علينا فمن باب أولى نحافظ عليها ، كيف بشكر المنعم وشكر المنعم بأداء حقه تعالى ، وحقه علينا أن ننفذ ما أمرنا به ، ألم يأمرنا بالعمل ، ألم يقل تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، فدعوته للعمل ، لصالحنا ولصالح مقومات حياتنا وتحقيق مصلحتنا وعمارة أرضنا وبناء مجتمعاتنا ، فالمجتمع لا يبنى بالتواكل واللامبالاة ولكن بالعمل الجاد كل في مكانه ، فكما ذكرنا المعلم نقيس على ذلك كل الحرف والمهن الأخرى ،فالطيب يداوي ، يد تداوي ، المزارع يزرع يد تزرع ، الباني يبني يد تبني ، الحراس المرابطون على الحدود ، حماة الأوطان ، كل في مكانه يؤدي عمله بحب لا بامتعاض أو ضيق لأنه صائم ، فالصوم دواء لكل داء ، دواء من الأسقام والأوجاع ، دواء لداء الكسل ، فالصوم ينشط غدد الجسد فيكتسب حيوية ونشاطا ، ولو أخذنا المسألة من ناحية التسلية فإن العمل فى الصوم يسلي الصائم فلا يشعر بالوقت ولن يشعر بعطش أو جوع وسيمر يومه بسرعة لأنه قضاه فى طاعة الله تعالى.

نعم الصوم تخلي وتحلى ، تخلى عن كل الصفات السلبية ومنها التراخي والتكاسل وتحلي بالفضائل وعلى رأسها فضيلة العمل.

حقا السعى فى الصوم خير من النوم ، خير من الوخم والخمول ، فهيا لا نتكاسل ولا نتراخى ونشمر سواعد الجد ونزيد من انتاجنا فترة صيامنا أكثر من فترة فطرنا لأن بعد الإفطار سيثقل الجسد.
حقا السعي فى الصوم خير من النوم.

أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة.

طباعة شارك عادل القليعي مقالات صدى البلد مقالات اليوم عادل القليعي يكتب

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: عادل القليعي مقالات اليوم عادل القليعي يكتب الله تعالى فى الصوم خیر من

إقرأ أيضاً:

أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد

​منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟..  وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.

​لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.

​ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.

​وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.

​وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.

​ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!

​وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي. 
 

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي السرطان ثورة الذكاء الاصطناعي الخوارزميات

مقالات مشابهة

  • أذكار النوم الصحيحة من السنة النبوية.. أدعية تحفظك وتمنحك الطمأنينة حتى الصباح
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • إقرار الإضراب العام بثلاثة أيام بجميع البنوك التونسية مع تحركات احتجاجية
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم "أسد"
  • لماذا تغيب بعض المواهب عن الشاشة؟.. طارق الشناوي يجيب
  • بعد دعوة الأزهر.. تصالح آخر العائلات المتضررة في خصومة ثأرية بأسيوط
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"