عادل القليعي يكتب: رمضان دعوة للعمل لا للنوم.!
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
فإنه من مظاهر الأجواء الرمضانية الاستعدادات المذهلة بكآفة صنوفها خصوصا فى الأحياء الشعبية فتعلن حالة الطوارئ فى الشوارع والزينات تملأ الشرفات ، وأضواء الزينة تزين الطرقات وتزدان مآذن المساجد بالتكبيرات وصلاة العشاء والتراويح تملأ الساحات ، والمقاهي والملاهي تزخر بروادها والخيام الرمضانية والهناجر تعج بالأمسيات الثقافية إلى وقت السحور.
ومن فولكورولنا الشعبي، أغنيات المسحراتي بصوت سيد مكاوي الشجي الجميل ، اصحى يا نايم ، وحد الدايم ، وحد الرزاق ، رمضان كريم ، ثم نسمعه يكرر الموال ، السعي للصوم خير من النوم.
استوقفتني هذه العبارة ، على الرغم من أنني كنت اسمعها واتلذذ بسماعها وأرددها خلفه ، وحتى منذ كنت صغيرا دوما ما كنت أنشدها وسط زملائي فى المدرسة ، لم أكن أدرك فحواها ، ومع مرور الوقت أدركت أن الإنسان عليه أن يستعد جيدا للصوم وأن يعد سحوره ويؤخره ولا يعجله لحديث النبي صل الله عليه وسلم ، اخروا السحور وعجلوا الإفطار ، ثم بعد السحور لا تجعلوا البدن ينام بل استعدوا لصلاة الفجر في جماعة لتعمروا مساجد الله ، أدركت ذلك جيدا.
وعندما اتسعت مداركي الفكرية وتعمقت في دراساتي وكتبت بحوثي وتعمقت في كتاباتي التأويلية ، أتتني فكرة ، هي لماذا لا نوظف هذه العبارة الخالدة من الفلوكولور الشعبي ونأولها موظفين إياها لخدمة قضية مهمة ألا وهي أن رمضان المعظم الذي عظمه الله لا يكون شهرا للنوم والتكاسل والتواكل ، بل شهر كانت فيه الفتوحات العظيمة والانتصارات العملاقة ، ولنا فى الفاتحين الغازين في سبيل الله الأسوة والقدوة الحسنة ، فما سمعنا من سيرة الصحابة أنهم ناموا وتقاعسوا وتكاسوا عن الجهاد في سبيل الله في رمضان ، بل امتطوا جيادهم ولبسوا دروعهم واستلوا سيوفهم نصرة لدين الله ، فما ضعفوا وما وهنوا وما استكانوا ، بل سمعنا علي بن أبي طالب يقول أحب الأعمال إلي الصوم في حر رمضان ، وما سمعناه يقول أحب الأعمال إلى قلبي النوم في رمضان لأن الحر شديد والقيظ تذبل معه العيون والجفون.
نعم نأولها فنقول السعي في الصوم ، بدلا من القول السعي للصوم ، فكلاهما لا يخل بالمعني ولا يخرجه عن سياقه ، وإنما محاولة من جانبي لتوظيف العبارة لشحذ الهمم للعمل والجد والاجتهاد في رمضان ، فإن كنا نعمل في غير رمضان فينبغي أن يزداد عملنا في نهار رمضان حتى يزداد الأجر والثواب ، فقد رأينا مجاهدين يعملون في أعمال شاقة فى نهار رمضان يتصببون عرقا من شدة الحر فشاهدنا من يمتهن مهنة الحدادة والبناء ، ورأينا من يحمل الطوب على ظهره ومن يعمل في مخبز أمام الأفران ولم يكلوا ولم يملوا ولم يفطروا وواصلوا صوهم طالبين المدد والعون من الله تعالى.
رمضان شهر يحبه الله ويحب الله ومن أحبه الله عظمه وأكرمه ومن مظاهر تكريم الله لهذا الشهر أن وهبه لنا إكراما لنا نحن أمة محمد والأجر فيه مضاعف.
رمضان ليس شهرا للنوم والسهر للصباح ، بل ولساعات متأخرة من الصبح ، ثم الذهاب للنوم إلى أذان المغرب ، أي صيام هذه ، رب صائم لم يناله من صومه إلا الجوع والعطش حتى هذه لن يحصلها النائم فهو لن يشعر لا بجوع ولا بعطش فأي أجر ينتظره من الله تعالى.
نعم السعي فى الصوم إلى طلب الرزق فى البكور بعد شروق الشمس وأنت صائم فإن الله سييسر لك الرزق وسيفتح لك أبوابه لأنك طرقت باب كريم فما بالك إذا ما طرقته وأنت صائم.
فطلب الرزق في شتى صوره سيكثره الله تعالى وسيزيده ويطرح فيه البركة فى رمضان ، فالطالب إذا لم يتكاسل عن الذهاب إلي مدرسته أو إلى جامعته وبكر بالذهاب إلى قاعات درسه فإن نسبة تحصيله ستزيد وهذا ما وثقته الأوساط الطبية أن تحصيل المعلومات يكون أفضل بكثير والإنسان غير ممتلأ البطن ، فإذا ما امتلأت البطون غابت العقول وسيصاب المرء بالوخم وستتغيب العقول ، فأقول لأبنائنا الطلاب لا تتكاسلوا عن أداء مهامكم المكلفين بها بحجة أنكم صائمون فالصوم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون عائقا لكم عن ذهابكم إلى مدارسكم وجامعاتكم ومعاهدكم.
كذلك أقول للأساتذة الذين يتراخون عن أداء واجباتهم ويؤجلون محاضراتهم أو يتفنون فى اضاعتها بشتى الطرق بحجة الصوم وأن الجو حر وأنا المسافة بعيدة والمدرجات بعيدة ، أقول لهم واذكرهم وأذكر نفسي أن الأجر من الله تعالى على قدر المشقة ، واذكرهم أن الأبطال الغزاة الفاتحين كانوا يقضون الليالي والنهار على ظهور الخيل يقطعون آلاف الأميال غازين في سبيل الله صائمين زاد أجسادهم القليل من التمر والماء ، وزواد قلوبهم التقوى والإيمان متسلحين بقوله تعالى (واتقون يا أولي الألباب) فإذا ما اجتمع الصوم مع العمل تحققت التقوى وتحقق قوله تعالى لعلكم تتقون.
كل سبل الراحة والطمأنينة متوفرة الآن ، كل سبل الرفاهية موجود ولله الحمد ، مراوح ، مكيفات ، أمن وأمان وسلم وسلام واستقرار ، فلم التكاسل والتراخي ، هل هذه الرفاهية تجعلنا نتكاسل وننام ، لا والله ، هذه نعم أنعم الله بها علينا فمن باب أولى نحافظ عليها ، كيف بشكر المنعم وشكر المنعم بأداء حقه تعالى ، وحقه علينا أن ننفذ ما أمرنا به ، ألم يأمرنا بالعمل ، ألم يقل تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، فدعوته للعمل ، لصالحنا ولصالح مقومات حياتنا وتحقيق مصلحتنا وعمارة أرضنا وبناء مجتمعاتنا ، فالمجتمع لا يبنى بالتواكل واللامبالاة ولكن بالعمل الجاد كل في مكانه ، فكما ذكرنا المعلم نقيس على ذلك كل الحرف والمهن الأخرى ،فالطيب يداوي ، يد تداوي ، المزارع يزرع يد تزرع ، الباني يبني يد تبني ، الحراس المرابطون على الحدود ، حماة الأوطان ، كل في مكانه يؤدي عمله بحب لا بامتعاض أو ضيق لأنه صائم ، فالصوم دواء لكل داء ، دواء من الأسقام والأوجاع ، دواء لداء الكسل ، فالصوم ينشط غدد الجسد فيكتسب حيوية ونشاطا ، ولو أخذنا المسألة من ناحية التسلية فإن العمل فى الصوم يسلي الصائم فلا يشعر بالوقت ولن يشعر بعطش أو جوع وسيمر يومه بسرعة لأنه قضاه فى طاعة الله تعالى.
نعم الصوم تخلي وتحلى ، تخلى عن كل الصفات السلبية ومنها التراخي والتكاسل وتحلي بالفضائل وعلى رأسها فضيلة العمل.
حقا السعى فى الصوم خير من النوم ، خير من الوخم والخمول ، فهيا لا نتكاسل ولا نتراخى ونشمر سواعد الجد ونزيد من انتاجنا فترة صيامنا أكثر من فترة فطرنا لأن بعد الإفطار سيثقل الجسد.
حقا السعي فى الصوم خير من النوم.
أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: عادل القليعي مقالات اليوم عادل القليعي يكتب الله تعالى فى الصوم خیر من
إقرأ أيضاً:
«الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة لليوم (10 صفر 1448هـ / 24 يوليو 2026م) بعنوان «الماء حياة ونماء».
وتهدف الخطبة إلى تعزيز الوعي الشعبي بأهمية صون المياه والممتلكات العامة كواجب شرعي ووطني، على أن تتركز الخطبة الثانية على محور «الموارد ليست ملكاً خاصاً».
وأكدت الوزارة على جميع الأئمة التقيّد بمضمون الخطبة والمدّة الزمنية المحددة لها.
نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الماءُ حياةٌ ونماءالحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ، فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾.