من يحق عليه الصيام في رمضان؟
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً نفحات الرحمة والمغفرة، ومذكِّرًا الأمة بواحدٍ من أعظم أركان الإسلام. فقد وصفه النبي ﷺ بأنه شهر الصيام والقيام، شهر القرآن والصدقات، شهرٌ تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد فيه الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وتُضاعف الحسنات، وتُرفع الدرجات، وتُستجاب الدعوات.
والصيام فريضة عظيمة فرضها الله تعالى بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فهو عبادة مقصودها تحقيق التقوى، وضبط النفس، وتزكيتها، وتعويدها الصبر والانضباط، والإمساك عن الشهوات والمفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبّدًا لله وحده.
أولًا: من يجب عليه الصيام؟
اتفق الفقهاء على أن الصيام يجب على من توفرت فيه الشروط الآتية:
1. الإسلام: فلا يجب على غير المسلم.
2. البلوغ: فلا يجب على الصغير، لكنه يُؤمر به تدريبًا إن أطاقه.
3. العقل: فلا يجب على المجنون حتى يفيق.
4. القدرة على الصوم: بأن يكون صحيحًا غير عاجز.
5. الإقامة: بأن يكون مقيمًا غير مسافر.
6. الخلو من الموانع الشرعية: كالحيض والنفاس للمرأة.
فمن أدرك شهر رمضان وهو مسلم بالغ عاقل، صحيح البدن، مقيم، خالٍ من الأعذار، وجب عليه الصيام أداءً في وقته، ولا يجوز له الفطر بغير عذر شرعي.
ثانيًا: من يُرخَّص له الفطر مع وجوب القضاء؟
هناك فئات رخّص لها الشرع في الفطر تخفيفًا ورحمة، على أن تقضي الأيام بعد زوال العذر، ومنهم:
المريض مرضًا يُرجى شفاؤه: إذا كان الصوم يزيد مرضه أو يؤخر شفاؤه.
المسافر سفرًا مباحًا: وله أن يختار بين الصوم والفطر، والأيسر له أولى.
الحائض والنفساء: يحرم عليهما الصيام حال نزول الدم، ويجب عليهما القضاء بعد الطهر.
الحامل والمرضع: إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما، أفطرتا، وعليهما القضاء، واختلف الفقهاء في وجوب الإطعام مع القضاء في بعض الحالات.
قال تعالى:
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
ثالثًا: من يُفطر ولا قضاء عليه؟
هناك من لا يستطيع الصيام أصلًا، ولا يُرجى زوال عذره، وهؤلاء لا يجب عليهم القضاء، وإنما يُخرجون فدية عن كل يوم، وهي إطعام مسكين، ومنهم:
الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان لا يطيقان الصوم.
المريض مرضًا مزمنًا لا يُرجى برؤه، ويشهد بذلك أهل الاختصاص.
وهذا من رحمة الله بعباده، إذ قال سبحانه:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
رابعًا: من لا يجب عليه الصيام أصلًا؟
الصغير غير البالغ، لكن يُستحب تعويده على الصيام تدريجيًا.
فاقد العقل حتى يعود إليه وعيه.
غير المسلم، إذ الصيام عبادة تُشترط لها النية والإيمان.
مقاصد الصيام وحِكمته
الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، وإنما هو مدرسة أخلاقية وتربوية، تهذّب النفس، وتُربي الإرادة، وتُذكّر الغني بحال الفقير، وتُقرّب العبد من خالقه. قال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعاصي، وصيام القلب عن الحقد والغل، وصيام اللسان عن الكذب والغيبة، وصيام العين عن النظر المحرم.
خلاصة القول الصيام فريضة على كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ مقيمٍ خالٍ من الموانع، وهو عبادة تقوم على اليسر لا العسر، وعلى الرحمة لا المشقة. فمن عجز عن أدائه رُخِّص له، ومن عجز عنه دائمًا أُبدل بالفدية، رحمةً من الله وعدلًا.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: شهر رمضان صيام القرآن والصدقات الحائض والنفساء رمضان الإسلام القلب الإمساك الطعام الفجر علیه الصیام یجب علیه یجب على لا یجب
إقرأ أيضاً:
ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
تمثل ذكرى ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الوعي اليمني المعاصر أكثر من مجرد مناسبة دينية أو حدث تاريخي يستعاد سنوياً، فهي محطة فكرية وثقافية وسياسية ترتبط بمفهوم القيادة في الإسلام، وبالرؤية التي تتبناها شريحة واسعة من المجتمع اليمني تجاه العلاقة بين الدين والسلطة والهوية والموقف، وفي كل عام، تتجدد في اليمن معاني الارتباط بواقعة غدير خم، ذلك الحدث المفصلي الذي أعلن فيه الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمام حشود المسلمين: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، في مشهد اعتبره المؤمنون بالولاية إعلاناً لاستمرار مسار الهداية الإلهية بعد اكتمال الرسالة، وربطاً عضوياً بين النبوة والقيادة، ومن هذا المنطلق، ينظر اليمنيون إلى الغدير باعتباره نقطة تأسيس لمشروع متكامل لا يقتصر على البعد العقدي، بل يمتد إلى بناء الوعي وصناعة الموقف وتحديد مسار الأمة في مواجهة التحديات والانحرافات.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية في قراءة الشهيد القائد
أعاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي طرح مفهوم الولاية باعتباره أحد المفاهيم المركزية في فهم الواقع الإسلامي المعاصر، مؤكداً أن الإشكالات الكبرى التي واجهت الأمة عبر تاريخها تعود في جانب أساسي منها إلى الابتعاد عن النهج الذي مثله الإمام علي عليه السلام، وفي محاضراته ودروسه، قدم الشهيد القائد الغدير بوصفه إعلاناً إلهياً لقيادة تمتلك مقومات العلم والعدل والبصيرة والشجاعة، معتبراً أن تجاوز هذا المسار فتح الباب أمام التحولات السياسية والفكرية التي أضعفت الأمة وأفقدتها قدرتها على مواجهة مشاريع الهيمنة، ومن هنا جاءت المسيرة القرآنية لتضع الولاية في صدارة مشروعها الفكري والثقافي، لا كعنوان مذهبي ضيق، وإنما كمنهج متكامل لإدارة الحياة وصناعة المواقف وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على التمييز بين الحق والباطل.
الولاية كمحدد للموقف السياسي
في الفكر اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية، لا تنحصر الولاية في بعدها التاريخي أو الروحي، بل تتحول إلى معيار عملي لتحديد المواقف السياسية والاستراتيجية، فبحسب هذا الفهم، فإن تولي الإمام علي عليه السلام يعني تبني قيم الاستقلال والعدل والكرامة والوقوف في وجه الطغيان، وهي القيم التي يجري إسقاطها على الواقع المعاصر في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، وقد أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في العديد من خطاباته أن الولاية ليست مجرد ولاء عاطفي، بل التزام عملي بقيم الحق والعدل والحرية، وأن الأمة التي تتولى أعلام الهدى تمتلك القدرة على بناء مشروعها المستقل بعيداً عن التبعية والإملاءات الخارجية.
من المفهوم إلى التجربة
شهدت اليمن خلال العقدين الماضيين تحولاً لافتاً في طريقة تجسيد مفهوم الولاية، حيث انتقل من إطار ثقافي وفكري إلى ممارسة عملية انعكست على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، ومع تصاعد التحديات التي واجهتها البلاد، برزت الولاية كمرجعية في اتخاذ القرار، وكإطار يحدد طبيعة العلاقة مع القضايا الإقليمية والدولية، الأمر الذي انعكس على طبيعة الخطاب السياسي ومواقف القيادة تجاه قضايا السيادة والاستقلال، وخلال سنوات العدوان والحصار، قدمت صنعاء نموذجاً تعتبره امتداداً لهذا الفهم، حيث ارتبط الصمود العسكري والإداري والاقتصادي بمنظومة قيمية تستمد مرتكزاتها من الثقافة القرآنية ومفهوم الولاية بوصفه مصدراً للثبات وتحمل المسؤولية.
إعادة تعريف الأصدقاء والأعداء
أحد أبرز التحولات التي ارتبطت بمفهوم الولاية في الوعي اليمني يتمثل في إعادة صياغة معايير التحالف والخصومة، ففي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة موجات من التطبيع وإعادة التموضع السياسي، حافظ الخطاب اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية على تعريف واضح للأعداء والحلفاء، واضعاً العدو الصهيوأمريكي في موقع الخصم الرئيسي باعتبارهما مصدرين لمشاريع الهيمنة والعدوان على شعوب المنطقة،
وفي المقابل، جرى بناء التحالفات وفق معيار الموقف من قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بعيداً عن الحسابات التقليدية القائمة على المصالح الآنية أو الضغوط الخارجية.
فلسطين .. الامتحان العملي للولاية
يبرز الموقف اليمني من القضية الفلسطينية باعتباره أحد أكثر تجليات الولاية حضوراً في الواقع المعاصر، ففي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الأنظمة نحو التطبيع أو الحياد، اتخذت صنعاء موقفاً داعماً لفلسطين على المستويات السياسية والإعلامية والعسكرية، معتبرة أن نصرة الشعب الفلسطيني تمثل التزاماً دينياً وأخلاقياً ينسجم مع نهج الإمام علي وأعلام الهدى، وأصبحت فلسطين في الخطاب اليمني معياراً حقيقياً لصدق الانتماء لقيم الولاية، باعتبارها قضية تختبر المواقف وتكشف حدود الالتزام العملي بمبادئ العدالة ونصرة المظلومين.
الولاية وبناء الدولة
لم يقتصر أثر الولاية على الجوانب الفكرية والسياسية، بل امتد إلى مشاريع بناء المؤسسات وتعزيز القدرات الوطنية، ففي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب والحصار، اتجهت الدولة في صنعاء نحو تشجيع الإنتاج المحلي، وتوسيع المشاريع الزراعية والصناعية، وتعزيز مفاهيم الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج، ويُنظر إلى هذه السياسات باعتبارها امتداداً لمبدأ الاستقلال الذي تمثله الولاية، حيث يصبح القرار الاقتصادي جزءاً من معركة السيادة الوطنية، وليس مجرد ملف تنموي منفصل عن بقية القضايا، كما انعكس هذا التوجه في مجالات التصنيع العسكري وتطوير القدرات الدفاعية، بما يعزز قدرة البلاد على حماية قرارها الوطني وصيانة استقلالها السياسي.
الغدير وتجديد الهوية الجماعية
تمثل الفعاليات الجماهيرية الواسعة التي تشهدها اليمن في ذكرى الولاية جانباً مهماً من عملية تجديد الهوية الجماعية، فإحياء المناسبة لا يقتصر على الاحتفال الرمزي، بل يتحول إلى مساحة لتجديد الوعي وإعادة التأكيد على المبادئ التي يقوم عليها المشروع الثقافي والسياسي للمجتمع، ومن خلال الحشود والفعاليات والأنشطة الثقافية والإعلامية، يجري ترسيخ الغدير باعتباره محطة سنوية لإعادة قراءة الواقع وتأكيد الثبات على الخيارات الكبرى التي تبنتها اليمن خلال السنوات الماضية.
الولاية.. مشروع سيادة ومستقبل
تؤكد التجربة اليمنية المعاصرة أن مفهوم الولاية تجاوز حدود التنظير الفكري ليصبح جزءاً من البنية الثقافية والسياسية للمجتمع، فالولاية في الوعي اليمني ليست مجرد رواية تاريخية أو مناسبة موسمية، وإنما منظومة قيم متكاملة تجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الهوية والسيادة، وبين العقيدة والموقف، ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من اليمنيين إلى الغدير باعتباره بوابة لفهم مشروع النهضة والتحرر، وإلى الإمام علي عليه السلام باعتباره النموذج الأعلى للقيادة العادلة التي تجمع بين الحكمة والشجاعة والعدالة، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تستمر الولاية في الوعي اليمني كمرجعية فكرية وسياسية وثقافية، تعيد تشكيل المواقف، وتمنح المجتمع القدرة على الصمود، وتؤسس لرؤية ترى في الاستقلال والسيادة والكرامة امتداداً طبيعياً للرسالة التي أعلنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير الخالد.