لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية الذي قيّد قدرة الرئيس دونالد ترامب على فرض رسوم جمركية شاملة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، نهايةً للحرب التجارية الأمريكية، بقدر ما كان بدايةً لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وأكثر ديمومة.

فالقرار الذي أعاد التأكيد على أن سلطة فرض الضرائب بما فيها الرسوم الجمركية هي اختصاص أصيل للكونغرس، لم يمنع الإدارة الأمريكية من السعي سريعاً لإيجاد مسارات قانونية بديلة تُبقي على جوهر سياستها الحمائية دون الاصطدام مجدداً بالحائط الدستوري.

وهنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.. فبدلاً من استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الذي استخدم تاريخياً لتجميد أصول الخصوم أو فرض عقوبات مالية، لا لفرض تعريفات جمركية لجأت الإدارة إلى ثلاث أدوات قانونية قائمة بالفعل داخل منظومة قانون التجارة الأمريكي، لكنها أقل إثارة للجدل دستورياً.

الأداة الأولى هي المادة 122 من قانون التجارة، هذه المادة تمنح الرئيس الأمريكي صلاحية فرض رسوم جمركية مؤقتة لمدة تصل إلى 150 يوماً، دون الحاجة إلى إجراءات تحقيق معقدة، إذا كان هناك خلل في ميزان المدفوعات أو تدفقات تجارية تُهدد الاستقرار الاقتصادي.

ببساطة: هي آلية إسعاف سريع تتيح فرض رسوم محدودة زمنياً لكبح العجز التجاري أو اضطرابات مفاجئة في التجارة الخارجية، لكن لأن هذه الرسوم مؤقتة بطبيعتها، فهي تعمل كجسر قانوني لا أكثر.

ومن هنا تأتي الأداة الثانية: المادة 301، هذه المادة تتيح للإدارة الأمريكية فتح تحقيقات رسمية ضد دول أو كيانات يُشتبه في ممارستها سياسات تجارية غير عادلة مثل دعم الصادرات أو نقل التكنولوجيا القسري وإذا ثبت ذلك، يمكن فرض رسوم جمركية انتقائية ودائمة نسبياً على قطاعات بعينها. أي أن الرسوم هنا لا تُفرض بشكل عام على جميع الواردات، بل تستهدف منتجات محددة بعد تحقيق قانوني يمنح القرار غطاءً مؤسسياً أطول أمداً.

أما الأداة الثالثة فهي الأكثر حساسية: المادة 232، وتسمح هذه المادة بفرض رسوم جمركية إذا رأت وزارة التجارة أن واردات قطاع معين تُهدد الأمن القومي الأمريكي. وقد استُخدمت بالفعل في السابق لفرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم، ما يعني أن التعريفات لم تعد مجرد أداة اقتصادية، بل يمكن تبريرها باعتبارات استراتيجية تتعلق بأمن سلاسل الإمداد أو استقلالية الصناعات الحيوية.

بهذا المعنى، فإن الرسوم المؤقتة التي أُعلنت بموجب المادة 122 ليست تراجعاً، بل خطوة انتقالية حتى يتم استكمال تحقيقات المادة 301 أو تقييمات الأمن القومي تحت مظلة المادة 232، تمهيداً لفرض رسوم أكثر استدامة يصعب الطعن عليها قضائياً.

انعكاسات هذا التحول لا تتوقف عند حدود القانون الأمريكي، فالتجارة العالمية في السلع تتجاوز اليوم 25 تريليون دولار سنوياً، ونحو 70% منها يمر عبر سلاسل إمداد عابرة للحدود تشمل مكونات وسيطة تُجمّع في أكثر من دولة قبل الوصول إلى المستهلك النهائي.

في مثل هذا النظام، لا تؤدي الرسوم القطاعية إلى رفع الأسعار فقط، بل إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج نفسها.

الشركات متعددة الجنسيات لم تعد تتحوط من تقلبات أسعار الصرف أو تكلفة النقل فحسب، بل من تغيّر القواعد القانونية التي تحدد ما إذا كان منتجها سيتمكن من دخول السوق الأمريكية أصلاً.

ربما يفسر ذلك جزئياً القفزة اللافتة في أسعار الذهب، التي تجاوزت خمسة آلاف دولار للأونصة، بالتوازي مع تسجيل مشتريات البنوك المركزية أكثر من ألف طن سنوياً في الأعوام الأخيرة وهو أعلى مستوى تاريخي.

فالمخاطر التي يسعى المستثمرون للتحوط ضدها لم تعد دورية مرتبطة بالتضخم أو الفائدة، بل مؤسسية تتعلق بإمكانية استبعاد موردين أو دول كاملة من سلاسل الإمداد بقرار إداري يستند إلى تحقيق تجاري أو تقييم أمني.

وفي حين ما يزال الدولار يمثل قرابة 60% من الاحتياطيات العالمية، فإن تسييس أدوات التجارة قد يدفع بعض الكتل الاقتصادية إلى توسيع استخدام العملات المحلية في تسوية المبادلات الثنائية، خاصة إذا تحولت الرسوم الانتقائية إلى ردود انتقامية متبادلة.

هنا تحديداً يتغير معنى الميزة النسبية، ففي عالم تُدار فيه التجارة عبر تحقيقات قانونية وقواعد منشأ وقوائم موردين موثوقين، قد يصبح الموقع الجغرافي والسياسي للمصنع أي قابليته للقبول داخل هذه القواعد أكثر أهمية من تكلفة العمل أو سعر الصرف.

بعبارة أخرى: الوصول المعفى من الرسوم إلى السوق الأمريكية قد يتحول إلى أصل اقتصادي قائم بذاته، وهذا هو التحول الذي يجري بصمت بينما ينشغل الجميع بمراقبة الدولار والذهب، فهل ننتبه لهذا الأمر؟

اقرأ أيضاًترامب والنهج الجديد!

ماذا وراء التصريحات الخطيرة للسفير الأمريكي في «إسرائيل»؟

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: أسعار الذهب الدولار الرسوم الجمركية السوق الأمريكية ترامب ترمب معركة ترامب فرض رسوم جمرکیة

إقرأ أيضاً:

نصب على المواطنين.. إحالة المتهم بانتحال صفة أمين شرطة بدار السلام للمحاكمة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أمرت نيابة دار السلام الجزئية، بإحالة متهم بانتحال صفة أمين شرطة، بغرض النصب على المواطنين والاستيلاء على أموالهم إلى محكمة الجنح.

وأمرت النيابة قبل وقت سابق بالتحفظ علي الهاتف المحمول الخاص بالمتهم، لفحصه، للوقوف علي وقائع نصب أخرى وفحص صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي يقوم بالنصب من خلالها.


كشف ملابسات منشور علي فيس بوك

وفي إطار كشف ملابسات منشور مدعوم بصورة تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضمن تضرر صاحب الحساب من أحد الأشخاص لقيامه بانتحال صفة فرد شرطة للنصب والإحتيال على المواطنين بالقاهرة.

انتحال صفة

بالفحص أمكن تحديد القائم على النشر (تاجر - مقيم دائرة قسم شرطة دار السلام) وبسؤاله تضرر من (أحد الأشخاص) لقيامه بانتحال صفة أمين شرطة، وإيهامه بقدرته على إستيراد سيارة من الخارج وتحصله منه على مبلغ مالى إلا أنه لم يفى بذلك وقام بالاستيلاء على المبلغ المالي.

ضبط المتهم

أمكن تحديد وضبط مرتكب الواقعة (عاطل - مقيم بدائرة القسم)، وبمواجهته اعترف بارتكابه الواقعة على النحو المشار إليه.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية.


العقوبات القانونية

نصت المادة 155 من القانون، على أن: " كل من تدخل فى وظيفة من الوظائف العمومية، ملكية كانت أو عسكرية، من غير أن تكون له صفة رسمية من الحكومة أو إذن منها بذلك، أو أجرى عملا من مقتضيات إحدى هذه الوظائف، يعاقب بالحبس".

ونصت المادة 156 على أن: "كل من لبس علنية كسوة رسمية بغير أن يكون حائزًا للرتبة التى تخوله ذلك أو حمل علنية العلامة المميزة لعمل أو لوظيفة من غير حق يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة".

كما نصت المادة 157 على "يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائتى جنيه كل من تقلد علانية نشانا لم يمنحه أو لقب نفسه كذلك بلقب من ألقاب الشرف أو برتبة أو بوظيفة أو بصفة نيابية عامة من غير حق".

وجاء في المادة 158 أنه  "يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائتى جنيه كل مصرى تقلد علانية بغير حق أو بغير إذن رئيس الجمهورية نشانًا أجنبيًا أو لقب نفسه كذلك بلقب شرف أجنبى أو برتبة أجنبية".

مقالات مشابهة

  • عمرو عبد العزيز: شجعت إسبانيا في النهائي بسبب تحيز الفيفا
  • نصب على المواطنين.. إحالة المتهم بانتحال صفة أمين شرطة بدار السلام للمحاكمة
  • محمد ثروت : منتخب مصر هيكسب بطولة كأس العالم المرة اللي جاية
  • رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية
  • بسبب باب المندب.. ترامب يتوعد إيران والحوثيين بـ"عقاب كبير"
  • صدق أو لا تصدق.. مطالب بإعادة نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا بسبب الأخطاء التحكيمية
  • مواطنون في عدن يشكون ارتفاع الرسوم المدرسية لأكثر من مليون ريال.. وأولياء أمور يطالبون بالتدخل
  • طارق صالح يتحدث عن حقيقة الوضع في ميناء الحديدة ومطار صنعاء ويؤكد: اليمنيون يخوضون معركة وطنية منذ أكثر من 11 عامًا
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • بريطانيا درست تعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل بسبب حرب غزة والاستيطان