فخ المواد القانونية وهروب العالم نحو الذهب.. معركة ترامب والمحكمة العليا بسبب الرسوم الجمركية
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية الذي قيّد قدرة الرئيس دونالد ترامب على فرض رسوم جمركية شاملة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، نهايةً للحرب التجارية الأمريكية، بقدر ما كان بدايةً لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وأكثر ديمومة.
فالقرار الذي أعاد التأكيد على أن سلطة فرض الضرائب بما فيها الرسوم الجمركية هي اختصاص أصيل للكونغرس، لم يمنع الإدارة الأمريكية من السعي سريعاً لإيجاد مسارات قانونية بديلة تُبقي على جوهر سياستها الحمائية دون الاصطدام مجدداً بالحائط الدستوري.
وهنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.. فبدلاً من استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الذي استخدم تاريخياً لتجميد أصول الخصوم أو فرض عقوبات مالية، لا لفرض تعريفات جمركية لجأت الإدارة إلى ثلاث أدوات قانونية قائمة بالفعل داخل منظومة قانون التجارة الأمريكي، لكنها أقل إثارة للجدل دستورياً.
الأداة الأولى هي المادة 122 من قانون التجارة، هذه المادة تمنح الرئيس الأمريكي صلاحية فرض رسوم جمركية مؤقتة لمدة تصل إلى 150 يوماً، دون الحاجة إلى إجراءات تحقيق معقدة، إذا كان هناك خلل في ميزان المدفوعات أو تدفقات تجارية تُهدد الاستقرار الاقتصادي.
ببساطة: هي آلية إسعاف سريع تتيح فرض رسوم محدودة زمنياً لكبح العجز التجاري أو اضطرابات مفاجئة في التجارة الخارجية، لكن لأن هذه الرسوم مؤقتة بطبيعتها، فهي تعمل كجسر قانوني لا أكثر.
ومن هنا تأتي الأداة الثانية: المادة 301، هذه المادة تتيح للإدارة الأمريكية فتح تحقيقات رسمية ضد دول أو كيانات يُشتبه في ممارستها سياسات تجارية غير عادلة مثل دعم الصادرات أو نقل التكنولوجيا القسري وإذا ثبت ذلك، يمكن فرض رسوم جمركية انتقائية ودائمة نسبياً على قطاعات بعينها. أي أن الرسوم هنا لا تُفرض بشكل عام على جميع الواردات، بل تستهدف منتجات محددة بعد تحقيق قانوني يمنح القرار غطاءً مؤسسياً أطول أمداً.
أما الأداة الثالثة فهي الأكثر حساسية: المادة 232، وتسمح هذه المادة بفرض رسوم جمركية إذا رأت وزارة التجارة أن واردات قطاع معين تُهدد الأمن القومي الأمريكي. وقد استُخدمت بالفعل في السابق لفرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم، ما يعني أن التعريفات لم تعد مجرد أداة اقتصادية، بل يمكن تبريرها باعتبارات استراتيجية تتعلق بأمن سلاسل الإمداد أو استقلالية الصناعات الحيوية.
بهذا المعنى، فإن الرسوم المؤقتة التي أُعلنت بموجب المادة 122 ليست تراجعاً، بل خطوة انتقالية حتى يتم استكمال تحقيقات المادة 301 أو تقييمات الأمن القومي تحت مظلة المادة 232، تمهيداً لفرض رسوم أكثر استدامة يصعب الطعن عليها قضائياً.
انعكاسات هذا التحول لا تتوقف عند حدود القانون الأمريكي، فالتجارة العالمية في السلع تتجاوز اليوم 25 تريليون دولار سنوياً، ونحو 70% منها يمر عبر سلاسل إمداد عابرة للحدود تشمل مكونات وسيطة تُجمّع في أكثر من دولة قبل الوصول إلى المستهلك النهائي.
في مثل هذا النظام، لا تؤدي الرسوم القطاعية إلى رفع الأسعار فقط، بل إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج نفسها.
الشركات متعددة الجنسيات لم تعد تتحوط من تقلبات أسعار الصرف أو تكلفة النقل فحسب، بل من تغيّر القواعد القانونية التي تحدد ما إذا كان منتجها سيتمكن من دخول السوق الأمريكية أصلاً.
ربما يفسر ذلك جزئياً القفزة اللافتة في أسعار الذهب، التي تجاوزت خمسة آلاف دولار للأونصة، بالتوازي مع تسجيل مشتريات البنوك المركزية أكثر من ألف طن سنوياً في الأعوام الأخيرة وهو أعلى مستوى تاريخي.
فالمخاطر التي يسعى المستثمرون للتحوط ضدها لم تعد دورية مرتبطة بالتضخم أو الفائدة، بل مؤسسية تتعلق بإمكانية استبعاد موردين أو دول كاملة من سلاسل الإمداد بقرار إداري يستند إلى تحقيق تجاري أو تقييم أمني.
وفي حين ما يزال الدولار يمثل قرابة 60% من الاحتياطيات العالمية، فإن تسييس أدوات التجارة قد يدفع بعض الكتل الاقتصادية إلى توسيع استخدام العملات المحلية في تسوية المبادلات الثنائية، خاصة إذا تحولت الرسوم الانتقائية إلى ردود انتقامية متبادلة.
هنا تحديداً يتغير معنى الميزة النسبية، ففي عالم تُدار فيه التجارة عبر تحقيقات قانونية وقواعد منشأ وقوائم موردين موثوقين، قد يصبح الموقع الجغرافي والسياسي للمصنع أي قابليته للقبول داخل هذه القواعد أكثر أهمية من تكلفة العمل أو سعر الصرف.
بعبارة أخرى: الوصول المعفى من الرسوم إلى السوق الأمريكية قد يتحول إلى أصل اقتصادي قائم بذاته، وهذا هو التحول الذي يجري بصمت بينما ينشغل الجميع بمراقبة الدولار والذهب، فهل ننتبه لهذا الأمر؟
اقرأ أيضاًترامب والنهج الجديد!
ماذا وراء التصريحات الخطيرة للسفير الأمريكي في «إسرائيل»؟
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: أسعار الذهب الدولار الرسوم الجمركية السوق الأمريكية ترامب ترمب معركة ترامب فرض رسوم جمرکیة
إقرأ أيضاً:
سلطات مدينة نيوآرك الأمريكية تحظر التجول حول مركز احتجاز المهاجرين بسبب الاحتجاجات
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلن راس باراكا، عمدة مدينة نيوارك بولاية نيو جيرسي بالولايات المتحدة، فرض نظام حظر تجول في محيط مركز احتجاز المهاجرين "ديلاني هول" وسط الاحتجاجات.
وجاء في بيان صادر عن العمدة: "لضمان سلامة ورفاهية جميع السكان، سيتم تطبيق حظر تجول إلزامي فورا في نطاق نصف ميل (حوالي 0.8 كيلومتر) حول قاعة ديلاني... وسيسري حظر التجول يوميا من الساعة 9:00 ليلا إلى الساعة 6:00 صباحا (من الساعة 4:00 صباحا إلى الساعة 1:00 بعد الظهر بتوقيت موسكو) حتى إشعار آخر".
تشهد مدينة نيوارك بولاية نيو جيرسي الأمريكية منذ عدة أيام احتجاجات واسعة ومواجهات عنيفة أمام مركز "ديلاني هول" (Delaney Hall) لاحتجاز المهاجرين. حيث اندلعت هذه الأحداث إثر دخول مئات المهاجرين المحتجزين في إضراب جماعي عن الطعام والعمل؛ احتجاجا على الأوضاع الإنسانية والمعيشية المتردية داخل المنشأة، بما في ذلك تقديم طعام فاسد (يحتوي على الديدان أحيانا)، والحرمان من الرعاية الطبية الكافية، واكتظاظ الزنازين بالنزلاء.
واحتشد مئات الناشطين وأفراد عائلات المحتجزين خارج المركز لإغلاق مداخله ومنع حركة آليات الهجرة. فيما واجه عناصر وكالة ICE المتظاهرين باستخدام الهراوات ورذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع.
وتستمر الاحتجاجات بالقرب من المؤسسة المذكورة أعلاه منذ عدة أيام، حيث استخدمت الشرطة القوة مرات عديدة لتفريق المتظاهرين.