الجزيرة نت تحاور أول باحث يحصل على دكتوراه الكيمياء من جامعة ليبية
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
إذا جربت البحث عن الأخبار الليبية على محرك البحث غوغل، فستكون أغلب الأخبار في اتجاه الأزمات السياسية التي تغرق فيها ليبيا منذ سنوات، وربما ذلك هو السبب في أن بعض الإنجازات التي تحدث في مجالات بعيدة عن السياسة لا تجد الاهتمام الكافي.
من بين أبرز تلك الإنجازات ما تحقق قبل شهور وتحديدا في يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، والذي لم يكن يوما عاديا في تاريخ كليات العلوم بالجامعات الليبية، إذ شهدت جامعة بنغازي مناقشة أول أطروحة دكتوراه في تخصص الكيمياء يتم تنفيذها داخل الجامعات الليبية للباحث هيثم أبو عيسى، تحت إشراف البروفيسور أشرف الحشاني.
وفي الحوار الذي أجرته الجزيرة نت مع الباحث، وتم تنفيذه عبر تطبيق "غوغل ميت"، حرصنا على أن تكون أسئلتنا لأبو عيسى صاحب الـ44 ربيعا، كاشفة عن تفاصيل رحلته البحثية وأبرز المعوقات وما يعنيه إنجازه الشخصي على المستوى الوطني.
بدأت علاقتي بالكيمياء مبكرا، منذ سنوات الدراسة الأولى، حين لم أتعامل معها كمادة دراسية فقط، بل كطريقة لفهم ما يحدث حولنا.
كيف وصلت لهذه الدرجة من الفهم؟وصلت لها عندما أدركت أن الكيمياء تفسر الظواهر اليومية من أبسطها إلى أعقدها، وأنها لغة مشتركة بين الطبيعة والحياة والطب والصناعة، وهذا هو الذي جعلني شغوفا شغفا حقيقيا بهذا التخصص.
وأنت تجلس في مقاعد الدراسة في مرحلة ما قبل الدراسات العليا، هل كان حلم الدكتوراه حاضرا منذ البداية؟سأكون صادقا معك، ولن أبالغ إذا قلت إنه لم يكن حلما حاضرا منذ البداية، بل تشكل تدريجيا مع تعمقي في البحث العلمي، ولعب عدد من الأساتذة دورا محوريا في صقل هذا التوجه، خاصة من زرعوا فينا قيمة السؤال العلمي والبحث المنهجي، وأثبتوا أن الباحث الحقيقي يُبنى بالاستمرار لا بالظروف المثالية.
سنعود للحديث معك عن الظروف، لكن دعنا نستكمل هذه الجوانب الشخصية من الحوار بسؤال عن ماذا تعنيه لك الكيمياء على المستوى الشخصي، بعيدا عن كونها تخصصا أكاديميا؟الكيمياء بالنسبة لي ليست تخصصا أكاديميا فقط، بل أسلوب تفكير. علمتني الصبر، والدقة، واحترام التفاصيل، وربط السبب بالنتيجة. هي تدريب يومي على التفكير النقدي والبحث عن الحقيقة بعيدا عن الانطباعات السطحية.
"بابتسامة عريضة": إنجاز أعتز به باعتباره نجاحا للمؤسسة الأكاديمية الليبية قبل أن يكون إنجازا شخصيا. هذا الإنجاز يؤكد أن الجامعات الليبية قادرة، رغم التحديات، على احتضان برامج دراسات عليا جادة وإنتاج بحث علمي رصين وفق المعايير الأكاديمية المعتمدة، فضلا عن قابليتها لاستقطاب طلبة من خارج ليبيا للالتحاق ببرامج الدراسات العليا.
إعلان هل يلقي عليك هذا الإنجاز بمسؤولية مستقبلية؟بالطبع، فهو يمثل مسؤولية علمية قبل أن يكون لقبا، ودافعا للاستمرار في دعم البحث العلمي، وبناء مسارات أكاديمية تُمهد الطريق أمام باحثين آخرين لإنجاز دراساتهم العليا داخل الدولة الليبية بثقة وجودة.
في تقديرك، ما الذي يميز تجربة الدكتوراه داخل ليبيا مقارنة بالخارج؟الدراسة داخل ليبيا أكثر تحديا من حيث الإمكانيات، لكنها أكثر عمقًا من حيث التجربة الإنسانية والعلمية. الباحث هنا لا يعتمد على وفرة الموارد، بل على التفكير، والابتكار، والعمل الجماعي، وهذا يصنع باحثا أكثر تمرسا.
هل شعرت بضغط إضافي باعتبارك تمثل "حالة استثنائية"؟"يصمت لوهلة" كان هناك شعور بالمسؤولية أكثر من الضغط، وأدين بالفضل للوسط الأكاديمي الذي تفاعل أغلبه بإيجابية مع هذه الخطوة، واعتبر التجربة خطوة مهمة يجب البناء عليها لا الاكتفاء بها.
تناولت أطروحتي دراسة التداخلات الفيزيائية–الكيميائية بين بعض المركبات الفعالة الحيوية (الأدوية والفيتامينات) مع المركبات النشطة سطحياً باستخدام تقنيات التحليل الطيفي وقياسات اللزوجة والتوصيلية والتوتر السطحي بهدف فهم تأثير هذه التداخلات على الخواص والوظيفة. اخترت هذا الموضوع لارتباطه المباشر بالصحة العامة والمكملات الغذائية واسعة الاستخدام.
وماذا كانت أبرز النتائج؟كانت أبرز النتائج إثبات حدوث تداخل جزيئي حقيقي بين المركبات الفعالة حيوياً مع المركبات النشطة سطحياً (Surfactants) مما أدى إلى تكوين مركبات جديدة بخصائص مختلفة يكون لها فاعلية وفائدة أفضل من المركبات الفعالة حيوياً بمفردها، ولهذه النتائج تطبيقات محتملة في مجالات الصيدلة والصناعات الدوائية، وجودة المكملات الغذائية، وحتى السياسات الصحية. كما قمنا بنشر 4 ورقات علمية من بحث الدكتوراه في مجلات عالمية مدرجة ضمن قاعدة بيانات سكوبس (Scopus).
كيف يمكن توظيف نتائج هذا البحث لخدمة المجتمع أو البيئة أو الاقتصاد؟يمكن توظيف نتائج الأطروحة لتحسين جودة المنتجات الدوائية، وترشيد استخدام المكملات الغذائية، وتوجيه الصناعة المحلية نحو صيغ أكثر أمانا وفاعلية، ما ينعكس إيجابا على صحة المواطن والاقتصاد الوطني.
من المؤكد أن الطريق للوصول لهذا الإنجاز كان مليئا بالتحديات؟"بابتسامة راضية": واجهتنا العديد من التحديات أهمها نقص بعض الأجهزة والمواد، لكن هذه الظروف دفعتنا للبحث عن حلول بديلة.
هل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذه الحلول؟اعتمدنا على تبسيط النماذج التجريبية، وتعظيم الاستفادة من الأجهزة المتاحة مثل جهاز قياس اللزوجة وجهاز قياس التوتر السطحي، والتعاون مع فرق بحثية داخل الجامعة في توفير بعض المواد الكيميائية.
وما هي أصعب مرحلة في إعداد الأطروحة؟أصعب مرحلة كانت مرحلة الحسابات وتفسير النتائج والتحقق منها. راودتني لحظات شك، لكنها لم تصل إلى حد التوقف، لأن الإيمان بالهدف كان أقوى.
إعلان حدثنا عن فريق الإشراف العلمي على رسالتك، وإلى أي مدى كانت البيئة الأكاديمية داعمة أو معرقلة؟كان لفريق الإشراف المتمثل في البروفيسور أشرف الحشاني (مشرفاً أساسياً) والبروفيسور خالد الضبيع (مشرفا مساعداً) دور أساسي في نجاح التجربة، حيث وفرا توجيها علميا حقيقيا، وبيئة تشجع على الاستقلالية والبحث الجاد.
نعم، فلدينا الكفاءات البشرية، ما ينقصها هو التمويل، والاستقرار، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع.
وكيف تنظر إلى مكانة الباحث الليبي في المشهد العلمي العالمي؟الباحث الليبي يمتلك القدرة، لكنه يحتاج إلى الدعم المادي وثقة المؤسسة التابع لها، وشبكات تعاون مع مؤسسات إقليمية ودولية.
هل ترى في إنجازك رسالة أمل للباحثين الشباب داخل ليبيا؟بالتأكيد، هو رسالة بأن النجاح ممكن من الداخل، وأن الظروف الصعبة ليست مبررا للتخلي عن الطموح.
وما الذي تقوله لمن يعتقد أن البحث العلمي الجاد لا يمكن أن ينجح داخل البلاد؟أقول إن البحث العلمي لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنعها. هذه التجربة دليل على أن النجاح ممكن، ويمكن أن تمتد إلى تخصصات علمية أخرى.
كيف تتصور مستقبل الدراسات العليا والبحث العلمي في ليبيا خلال السنوات القادمة؟متفائل ولكن بحذر. المستقبل يعتمد على قرارات حقيقية لدعم الباحثين، وتبسيط الإجراءات، وربط البحث بالتنمية.
وما هو دور الدولة، والجامعات، والباحث نفسه لدعم مستقبل البحث العلمي الليبي؟لكل دوره، فالدولة توفر التمويل والتشريعات المشجعة، والجامعات توفر البيئة العلمية والدعم، والباحث عليه الالتزام، والنزاهة، والاستمرار.
وهل نحن بحاجة لتغيير الثقافة المجتمعية تجاه البحث العلمي؟نعم، نحتاج إلى اعتبار البحث العلمي استثمارا لا رفاهية.
وما المجال البحثي الذي ترى أنه الأهم لليبيا في المرحلة الحالية؟من وجهة نظري الشخصية الصحة، والطاقة، والمياه، والبيئة، لأنها تمس حياة المواطن مباشرة.
وما الرسالة التي توجهها لطلبة الكيمياء في الجامعات الليبية ولصنّاع القرار؟للطلاب: لا تقللوا من قدراتكم وثقوا بأنفسكم. ولصناع القرار: الاستثمار في البحث العلمي هو استثمار في اقتصاد الدولة واستقرارها.
أخيرا: لو عاد بك الزمن، هل كنت ستختار نفس الطريق؟نعم، بكل تحدياته. وأتمنى أن يُذكر هذا الإنجاز كبداية لمسار علمي داخل الجامعات الليبية، وليس كحالة استثنائية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الجامعات اللیبیة البحث العلمی هذا الإنجاز
إقرأ أيضاً:
وزارة الصحة بـ”الحكومة الليبية”: بدء تفعيل قرار جباية رسوم الخدمات الصحية من الأجانب
أعلنت وزارة الصحة بالحكومة الليبية، شروع المرافق الصحية العامة في تنفيذ قرار رئيس الوزراء أسامة حماد رقم (86) لسنة 2026 بشأن تنظيم وتحديد المقابل المالي لعلاج الأجانب داخل المستشفيات والمرافق الصحية العامة.
وبينت أن القرار في إطار جهود وزارة الصحة لتنظيم القطاع الصحي وتعزيز استدامة الخدمات الطبية.
ويأتي بدء تطبيق القرار بناءً على اللائحة المعتمدة من مجلس الوزراء، والتي تهدف إلى تنظيم تقديم الخدمات الصحية للوافدين مقابل رسوم مالية محددة، بما يسهم في تخفيف الضغط على المرافق الصحية وتحسين كفاءة استخدام الموارد والإمكانات المتاحة.
وجاء القرار عقب مذكرة رسمية رفعها وكيل عام وزارة الصحة، عبدالسلام عقيلة إلى رئيس مجلس الوزراء بالحكومة الليبية استعرضت التحديات التي تواجه المرافق الصحية العامة نتيجة تزايد أعداد الوافدين من مختلف الجنسيات المستفيدين من الخدمات الصحية، وما ترتب على ذلك من ضغط متزايد على الإمكانيات التشغيلية وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، الأمر الذي استدعى اتخاذ إجراءات تنظيمية تضمن استدامة الخدمات الصحية وتحافظ على كفاءة المرافق الطبية.
وتأتي هذه الخطوة تزامناً مع المشاريع الواسعة في مجال تطوير البنية التحتية للقطاع الصحي، والتي تشمل أعمال إنشاء وصيانة وتجهيز المستشفيات والمراكز الصحية وتحديث مرافقها، إلى جانب توفير الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة وضمان استدامة تشغيلها وصيانتها، بما يعزز من كفاءة الخدمات الصحية ويرفع من مستوى الرعاية المقدمة للمواطنين والمقيمين.
وأكدت وزارة الصحة أن تنفيذ القرار يراعي الاستثناءات المنصوص عليها في اللائحة، بما في ذلك الحالات الطارئة والإنسانية والفئات المستثناة وفق التشريعات النافذة، مشددة على أن هذه الخطوة تأتي لضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية ورفع مستوى جودتها بما يخدم الصالح العام.
الوسومليبيا