هل ثمة نزعة بكائية وندبية ورثائية عند الكرد؟
الجواب: نعم، وهي نزعة مكينة وأصيلة، وقد تتحول إلى نزعة كربلائية، لكنها لن تشبه كربلاء الحسين بمواكب اللطم والطبر والتمرّغ في الوحول، فهي ليست نزعة دينية، وأحزانهم ليست بمواكب جماهيرية نسكية وشعائرية، وإنما هي تعبيرات أعيان ونخب وفنية وأدبية وشعرية، وهي تتجه إلى النفس والآخر، لا إلى السماء.
أحرق ستون كرديّا -على الأقل- أنفسهم احتجاجا على اعتقال عبد الله أوجلان، الذي لا يزال حيّا في سجنه، يرتع ويلعب، وتحرسه جيوش كاملة؛ سجينٌ محروس كما في الحكايات الأسطورية. إنه حسينٌ حيٌّ على الأرض، لكن من غير شمائل الحسين، وإن منحه أنصاره صفات وشمائل ليست له، مثل الزعم بحفظه "ثلاثة وثلاثين" جزءا من القرآن! وهي مقولة يشيعها أنصاره لدى العامة، مع أنه ماركسيّ لينينيّ ملحد.
وهذه النزعة المحدثة الطارئة ظهرت في عصر القوميات، حين وجد الكرد أنفسهم بلا دولة. هم -في نظر أنفسهم- لا يبلغون رتبة المواطنة الكاملة في الدولة التركية المستعلية بلغتها وعنفوانها، إثر معركة جناق قلعة على الاستعمار البريطاني وعلى الخلافة الإسلامية لاحقا، على خلاف الدولة العثمانية التي كانت تجمع الأقوام في ظل الدولة الإسلامية. وكذلك كان الأمر في الدولة القومية العربية، في عهد عبد الناصر، وفي دولتي البعث السورية والعراقية.
ومن آثار هذه النزعة أن ظهرت أسماء كردية باكية، تعبيرا عن هذا الفقد الوطني، لدى الآباء الذين سمّوا أبناءهم بأسماء قومية حزينة، مثل: كادار (القدر أو الكدر)، وآخين (من الأخ والتأوّه)، وحزني الذي يُصحَّف أحيانا إلى حسني. وهناك مطرب كردي اسمه حزني، واسم آختين هو مثل آخين إلا أنه منسوب إلى المصدر هذه المرة، ومظلوم نسبة إلى مظلوم دوغان، المناضل الكردي الذي أحرق نفسه احتجاجا على اعتقاله الظالم، وهو اسم يستعيره الناشطون الكرد، فيتلثّمون به أو يتباهون به، ويتوسّلون به استرقاق القلوب واستمالتها. مظلوم عبدي، اسم قائد قوات سوريا الديمقراطية المستعار، وهو ليس اسمه الحقيقي. معظم النخب الكردية تعيش بأسماء مستعارة ثورة على الآباء والأسلاف. وهناك هوار (الغوث)، وبيكس (الوحيد أو المنبوذ أو المستوحش)، وغيرها من الأسماء الحزينة.
نجد هذا الميل النائح في الأغاني الكردية، مثل أغاني محمد شيخو الحزينة والبسيطة، التي تُعزف على آلة واحدة هي الطنبور؛ يبكي فيها الدهر (الفلك عند الكرد، وهو لفظ عربي)، والنرجس الذابل، والقدر التعيس. وكذلك المغني شفان برور في أغانيه الحزينة، لكن بحنجرة تميل إلى الثورة والتمرّد، جامعا بين الغرضين؛ الثورة والاستعطاف وهما متناقضان!
أما سبب المظلومية، فهو الضعف والخسران، وانكسار الثورات الكردية؛ ثورة سعيد بيران، وقاضي محمد، ومصطفى البارزاني، وهي ثورات ذات طابع ديني في معظمها، إلى أن وقع انقلاب عقائدي، وانطلقت ثورة ماركسية لينينية بقيادة عبد الله أوجلان، أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني، في مجتمع قروي محافظ لا عمال فيه، بل فلاحون. وبرزت وعود بدولة، أو حكم ذاتي، أو فيدرالية، ثم تقلّصت الآمال إلى اندماج كردي في الدولة التركية أو السورية، وإدارة ذاتية، ومحافظ كردي لمحافظة الحسكة.
يمكن عزو أسباب هذه النزعة إلى الفطرة التي أشار إليها المعري في داليته الشهيرة:
إِنَّ حُزْنا فِي سَاعَةِ الْمَوْتِ أَضْعَا فُ سُرُورٍ فِي سَاعَةِ الْمِيلَادِ
وإلى الانتكاس الوطني والقومي بثورات مهزومة؛ يفسّر أهلها انهزامها بتآمر الآخرين لا بطيش قادتها، وقلة حكمتهم.
ومن أسبابها أن الكرد يجاورون شعوب دولتين عريقتين في تقاليد الندب والنواح، هما العراق وإيران؛ فالعراق ظلّ يبكي قرونا على تموز، الذي حلت روحه في الحسين، وإيران التي تبكي على مُلك فارس الذي آل رمزه إلى الحسين أيضا.
لكن النزعة الحسينية عند الكرد -إن جاز التعبير- يقلُّ فيها التشخيص، الحسين وطن غالبا؛ فأكثر الذين يصفون أنفسهم بالمتنوّرين القوميين من الكرد يُقسمون بتراب كردستان، وأحيانا بالنور، وهو قسَم موروث من رموز النار القديمة المعبودة. وقد خفّ التشخيص لدى كرد العراق، تمثيلا بمصطفى البارزاني الذي مات في مستشفى جورج واشنطن في أمريكا. لكن كرد أوجلان الماركسيين لا يزالون يشخّصون البكائية والندبية، التي لا تتحول إلى لطمٍ جسدي، بل إلى لطمٍ فدائيّ وانتحاريّ في ثورات عقيمة واعدة بتحرير أوجلان من سجنه الفاخر في جزيرة إمرالي؛ أكثر من اعتنائهم بتحرير شعوبهم.
وثمة مثال ثالث في أسوة البكاء غير العراق وفارس، هو المثال الإسرائيلي، وهو المثال المُنتج سياسيا، الذي أثمر دولة، لا بقوة الدموع بل بقوة السلاح والتنظيم والإرادة الدولية والعزم اليهودي والخبرة الدينية والتاريخية. ويظهر ذلك في شاخصين:
- "حائط المبكى"، الذي يُساق إليه الضيوف الكبار لإرسال الرسائل والأماني والأدعية، كما في بئر المهدي لدى شيعة إيران، سمّي الحائط بالمبكى، لأن اليهود كانوا يقفون عنده للبكاء على خراب الهيكل الثاني الذي دمّره الرومان سنة 70م، فأصبح رمزا للحزن القومي والديني. فالحائط رمز سياسي وديني، ومحجة يقلُّ فيها البكاء، وإن كان اسمه المبكى، ويغرض إلى الحفاظ على الذاكرة التاريخية، والهوية القومية، والأمل، وهو أحد أكثر الأماكن زيارة في القدس.
- وحائط السينما، بإنتاج مئات الأفلام الروائية حول الهولوكوست، وتعظيم ألم اليهود وبطولاتهم. وكان من أحدثها فيلم "مارتي سوبريم". وربما أشرفت الرواية البكائية على الاحتضار بعد معركة طوفان الأقصى؛ فكلّت وقلّ تأثيرها، وقد تكون في طريقها إلى الفساد والموت.
يبالغ بعض كرد سوريا في ادعاء المظلومية، وقد نعموا بخمسة عشر عاما في ظل الأسد الذي تحالف معهم تحييدا لهم عن الثورة، وحفظا لحلف الأقليات، بينما حُطّمت المدن السورية، وخسرت أمهات السوريين وآباؤهم نحو مليون قتيل. والعرب أقلّ من غيرهم في البكاء، لأن الإسلام الذي انبعث فيهم وحملوا رسالته ينهى عن النوح والحزن أكثر من ثلاثة أيام، فهم شهداء عند ربهم يُرزقون، والدنيا ليست بدار خلود.
ثمة وجه آخر للنزعة البكائية التفجعية عند الكرد: الوجه الساخر الدعابي، فالكرد قوم ساخرون وأصحاب طرائف، ووجه ثالث هو كثرة الشتائم، مردّه قسوة الحياة، ووجه رابع هو المبالغة في التفاخر والتعاظم؛ فهم ينسبون أنفسهم للحضارة السومرية والحمورابية والبابلية، من غير براهين قانعة وأدلة قاطعة.
لم يثبت أن قوما بنوا دولة أو استجدوها بالبكاء والرثاء؛ قد تستميل حبيبة قلب حبيبها بالدموع، الدموع سلاح المرأة في الحب أما بناء الدولة فشأن آخر.
سنذكر مرة ثانية بيتا للمعري من داليته الشهيرة:
غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي نَوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّمُ شَادِ
لقد قدمت الثورة السورية قصصا مؤثرة مثل حنجرة القاشوش، وجثة أيلان الكردي على الساحل، وقصص الاغتصاب والكيماوي، وملف ضحايا قيصر، فدمعت عيون بعض القضاة في أوروبا لكن النظام السوري الأبدي لم يسقط إلا بعد أن أثختنه الجراح، وانتهى عمره السياسي.
إنّ الأمم تبكي أسلافها، أما الكرد فيبكون وهم يبحثون عن أب مفقود.
x.com/OmarImaromar
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه القومية حزني سوريا سوريا تركيا قومية اكراد حزن مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.