الجامع الأزهر يناقش مفهوم الفطرة وأثرها في بناء الإنسان المتوازن
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
عقد الجامع الأزهر ملتقاه الفقهي ضمن فعاليات «ملتقى باب الريان» تحت عنوان «بيان مفهوم الفطرة في القرآن الكريم وأثرها في بناء الإنسان المتوازن عقديًا وأخلاقيًا»، حيث استضاف الدكتور الطويل محمد أحمد، عضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، والشيخ ثروت عبد اللطيف إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وأدار الحوار الشيخ أحمد محمد عبد العزيز، الباحث اللغوي بالجامع الأزهر، وسط حضور طلابي وجماهيري تفاعل مع محاور اللقاء وأسئلته.
في بداية الملتقى أكد الدكتور الطويل محمد، أن لفظ الفطرة ورد في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها الابتداء والانشقاق، ومنها الخلق على الهيئة الأولى قبل التغير، مستشهدًا بقوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض، وقوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني، موضحًا أن جمهور المفسرين أجمعوا على أن الفطرة تعني دين الإسلام، أي التوحيد الخالص وإفراد الله بالعبودية والربوبية، مصداقًا لقوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، وكذلك ما جاء في الحديث الشريف: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، أي على الحنيفية السمحة والاستعداد الفطري للإيمان بالله تعالى.
انتكاسة الفطرةوأوضح أن الفطرة قد يعتريها الانتكاس بسبب البيئة أو تأثير الوالدين، فالأصل أن الإنسان يولد على التوحيد، غير أن التنشئة قد توجهه إلى غير ذلك، مستشهدًا بالحديث القدسي: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فحولتهم عن دينهم، بما يؤكد أن الانحراف طارئ وأن الأصل هو الاستقامة، مبينًا أن للفطرة جانبين، أحدهما قلبي يتمثل في ميل القلب إلى الإيمان بالله، والآخر عملي سلوكي يظهر في خصال النظافة وحسن الهيئة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن خصال الفطرة.
من جانبه، أكد الشيخ ثروت عبد اللطيف، أن الفطرة تمثل الميزان الذي أودعه الله في بني البشر ليرشدهم إلى الحق، وهي مرتبطة بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم كما في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى، وقوله تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، مشيرًا إلى أن الفطرة السليمة تهدي الإنسان إلى توحيد الله وتحميه من الشرك والإلحاد والانغماس في الشهوات والمعاصي.
الفطرة السليمةوشدد على أن ما أوجبه الله تعالى يتسق مع الفطرة السليمة ويحقق لها الكمال، وأن بقاء الفطرة نقية يدفع الإنسان إلى التوبة والرجوع إلى الله، ويوقظ ضميره عند الوقوع في المعصية، خاصة الذنوب الخفية، فيظل القلب الحي يسعى إلى تصحيح مساره والإنابة إلى ربه.
جدير بالذكر أن الملتقى الفقهي «باب الريان» يأتي في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وخدمة المجتمع.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الجامع الأزهر ملتقى الأزهر ملتقى باب الريان بناء الإنسان الفطرة الجامع الأزهر
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.