لائحة اتهام أمريكية لكاسترو تبعث شبح المواجهة مع كوبا
تاريخ النشر: 16th, May 2026 GMT
يبدو أن الحرب الأمريكية على إيران منحت القادة الكوبيين فترة هدنة من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته عن تغيير النظام في هافانا على غرار ما فعله في فنزويلا في يناير/كانون الثاني الماضي، لكن الشكوك تحيط بأمد تلك الهدنة حيث تعكف إدارة ترمب على إعداد لائحة اتهامات للرئيس السابق راؤول كاسترو ما يرجّح بقرب المواجهة.
في 3 يناير/كانون الثاني الماضي اختطفت الولايات المتحدة الرئيس نيكولاس مادورو من غرفة نومه خلال عملية عسكرية، وذلك عقب دعوى جنائية رفعتها وزارة العدل الأمريكية في مارس/آذار عام 2020 ضد مادورو و14 مسؤولا فنزويليا.
وزعمت لائحة الاتهام أن مادورو وشركاءه تآمروا مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، في إطار ما وصفته السلطات الأمريكية بـ"مؤامرة إرهاب المخدرات".
وترجّح التحضيرات التي تجريها إدارة ترمب هذه الأيام تكرار سيناريو شبيه بما حدث في فنزويلا مع كوبا التي سبق لترمب أن لوّح بغزوها.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مصادر أمريكية مطلعة أمس الجمعة أن وزارة العدل الأمريكية تستعد لتقديم لائحة اتهام ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في الوقت الذي يهدد فيه الرئيس ترمب بشن عمل عسكري محتمل ضد الجزيرة الشيوعية.
وأوضح أحد المصادر أن لائحة الاتهام المحتملة مرتبطة بدور كاسترو المزعوم في إسقاط 4 طائرات عام 1996 تابعة لمنظمة "إخوة الإنقاذ" التي تتخذ من ميامي مقرا لها. وكان كاسترو يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك.
في مارس/آذار الماضي، شكّل المدعي العام الأمريكي في ميامي فريق عمل خاصا من المدعين العامين ومسؤولي إنفاذ القانون الفدراليين لبناء قضايا ضد كبار المسؤولين الكوبيين، وسط دعوات من عدد من الجمهوريين في جنوب فلوريدا لإعادة فتح التحقيق في دور كاسترو المزعوم بإسقاط الطائرة عام 1996.
إعلانومن شأن أي اتهام جنائي ضد كاسترو يحظى بموافقة هيئة محلفين كبرى أن يُصعّد التوترات مع هافانا بشكل كبير، ويزيد من التوقعات بتدخل عسكري أمريكي في كوبا، على غرار ما حدث في فنزويلا وإحضار مادورو إلى نيويورك بتهمة تهريب المخدرات.
وبعد الإطاحة بمادورو، وجهت إدارة ترمب اهتمامها سريعا إلى حليفته كوبا، وأمرت بفرض حصار اقتصادي أدى إلى انقطاع شحنات الوقود إليها، ما تسبب في انقطاعات حادة للتيار الكهربائي، ونقص في الغذاء، وانهيار النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء الجزيرة.
ومع سعي ترمب لإنهاء الحرب مع إيران، تتزايد التكهنات بأنه قد يُعيد توجيه اهتمامه قريبا إلى كوبا، بعد أن تعهّد في وقت سابق من هذا العام بـ"تسليم ودي" للبلاد، إذا لم تفتح قيادتها اقتصادها أمام الاستثمار الأمريكي وتطرد خصوم الولايات المتحدة.
يقول ريتشارد فاينبرغ، الأستاذ الفخري المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، "إن أي لائحة اتهام ضد كاسترو ستلقى استحسان الناخبين في جنوب فلوريدا، لكن من غير المرجح أن تُقنع مخططي الحروب المحترفين في البنتاغون بشن حرب ثانية من اختيارهم، هذه المرة على بعد 90 ميلا فقط من فلوريدا".
ويرى فاينبرغ أنه "لا توجد نسخة سهلة من فنزويلا. ولا يوجد خط واضح لخلافة السلطة، ومن الصعب تصور تغيير النظام دون وجود قوات أمريكية على الأرض".
ترمب: لدينا الكثيروفي تصريحاته للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الجمعة، وصف ترمب كوبا بأنها "دولة متدهورة". لكنه امتنع عن مناقشة لائحة اتهام محتملة يوم الجمعة، مُحيلا الأمر إلى وزارة العدل.
وقال ترمب: "لكنهم بحاجة للمساعدة، كما تعلمون، وعندما نتحدث عن دولة متدهورة، فهم في الحقيقة أمة أو دولة في حالة تدهور، لذا سنرى ما سيحدث، لدينا الكثير لنتحدث عنه بشأن كوبا، ولكن ربما ليس اليوم".
والتقى مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جون راتكليف بمسؤولين كوبيين، من بينهم حفيد كاسترو، خلال زيارة رفيعة المستوى إلى الجزيرة أمس الأول الخميس.
وتولى كاسترو، البالغ من العمر 94 عاما، رئاسة كوبا خلفا لأخيه المريض، فيدل كاسترو، عام 2011، ثم سلّم السلطة إلى أحد المقربين إليه، ميغيل دياز كانيل، عام 2019.
ورغم ابتعاده عن الأضواء إلى حد كبير منذ تقاعده عام 2021 من رئاسة الحزب الشيوعي الكوبي، يُعتقد على نطاق واسع أنه يمارس نفوذه من وراء الكواليس، وهو ما يؤكده بروز حفيده، راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، الذي سبق له أن التقى سرا بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
كان إسقاط كوبا لطائرتين من طراز سيسنا تابعتين لمنظمة "الإخوة للإنقاذ" عام 1996 نقطة تحول في عقود من العداء بين البلدين.
في ذلك الوقت، كان الرئيس بيل كلينتون يبحث بحذر عن سبل لخفض التوترات مع خصم من الحرب الباردة، لكنه واجه معارضة شديدة من المنفيين الذين نظموا طلعات جوية فوق هافانا لجذب الانتباه، وألقوا منشورات مناهضة لكاسترو، وقدموا المساعدة للكوبيين الفارين من الفقر المدقع وحكم الحزب الواحد.
إعلانوكان الكوبيون قد حذروا الحكومة الأمريكية لأشهر من استعدادها للدفاع ضد ما اعتبروه استفزازات متعمدة.
لكن تلك التحذيرات لم تلقَ آذانا صاغية، وفي 26 فبراير/شباط 1996، أسقطت صواريخ أطلقتها طائرات مقاتلة من طراز (ميغ-29) روسية الصنع طائرتين مدنيتين من طراز سيسنا غير مسلحتين على مقربة من المجال الجوي الكوبي، وفقا لتحقيق أجرته منظمة الطيران المدني الدولي. ونجت طائرة ثالثة، كانت تقل زعيم المنظمة، بأعجوبة.
يقول ريتشارد فينبرغ: "بالنظر إلى الماضي، يبدو أن دافع آل كاسترو كان إبطاء مساعي كلينتون للتواصل معهم لأنهم كانوا بحاجة إلى الولايات المتحدة كعدو خارجي لتبرير موقفهم الأمني القومي بشأن القضايا الكوبية في مجلس الأمن القومي، حققوا آنذاك نجاحا فاق توقعاتهم".
بعد وقت قصير من إسقاط الطائرة، أقرّ الكونغرس ما عُرف بقانون هيلمز-بيرتون، الذي رسخ الحظر التجاري الأمريكي المفروض عام 1962، وجعل التعامل مع كوبا أكثر تعقيدا بالنسبة للرؤساء الأمريكيين المتعاقبين.
وحتى الآن، لم تُدن الولايات المتحدة سوى شخص واحد بالتآمر لارتكاب جريمة قتل فيما يتعلق بإسقاط طائرة "الإخوة للإنقاذ".
حُكم على جيراردو هيرنانديز، زعيم شبكة تجسس كوبية فككها مكتب التحقيقات الفدرالي في التسعينيات، بالسجن المؤبد، لكن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما أفرج عنه خلال عملية تبادل أسرى عام 2014 في محاولة لتطبيع العلاقات مع كوبا.
كما وُجهت اتهامات لطيارين اثنين وقائدهما، لكنهم يقيمون في كوبا بعيدا عن متناول سلطات إنفاذ القانون الأمريكية.
سبق أن خضع راؤول كاسترو لتحقيق جنائي أمريكي، ففي عام 1993، نظر المدعون الفدراليون بميامي في توجيه تهمة تهريب الكوكايين إليه وإلى عدد من كبار المسؤولين العسكريين الكوبيين الآخرين، استنادا إلى شهادة مهربين كولومبيين ظهرت في محاكمة المخدرات للزعيم البنمي السابق مانويل نورييغا، وفقا لما ذكرته وكالة أسوشيتد برس عام 2006.
لكن لم يصدر أي اتهام رسمي وسط مخاوف بشأن مصداقية الشاهد، فضلا عن مخاوف من أن يعرض ذلك عمليات الاستخبارات الأمريكية للخطر ويعرقل مساعي كلينتون للتواصل معه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة لائحة اتهام مع کوبا
إقرأ أيضاً:
الولاية بين الامتداد الرسالي ومتطلبات المواجهة
مع اقتراب ذكرى يوم الولاية، تتجدد في الوعي الإسلامي قضية الولاية بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل الهوية الإيمانية والسياسية للأمة، فهذه المناسبة لا تُستحضر باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها محطة تأسيسية ترتبط بمفهوم القيادة الشرعية ودورها في حماية الدين وصيانة مسيرة الأمة من الانحراف والضياع، وتقدم الرؤية الدلالية الواسعة قراءة معاصرة لمبدأ الولاية، تنطلق من جذوره القرآنية والنبوية، لتربط بين الامتداد الرسالي في التاريخ الإسلامي ومتطلبات الواقع الراهن، في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتحولات كبرى.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية كمنظومة إلهية للقيادة
الولاية ليست مفهومًا سياسيًا طارئًا أو اجتهادًا تاريخيًا مرتبطًا بمرحلة زمنية محددة، وإنما هي جزء من المنظومة الإلهية التي أرادها الله تعالى لاستمرار الهداية بعد الرسالة، وتستند هذه الرؤية إلى النصوص القرآنية والنبوية التي جعلت من القيادة امتدادًا للرسالة، بحيث لا تنفصل مهمة إدارة الأمة عن مهمة حفظ الدين وصيانة قيمه ومبادئه، ومن هذا المنطلق يُنظر إلى حادثة الغدير باعتبارها إعلانًا واضحًا لمبدأ الارتباط بين النبوة والولاية، وبين الرسالة والقيادة، وتكشف هذه المقاربة عن بعد فكري مهم يتمثل في أن الإسلام لم يترك قضية القيادة خاضعة للأهواء والمصالح المتغيرة، بل ربطها بمعايير إيمانية وأخلاقية تضمن استمرار المشروع الإلهي في واقع الناس.
الولاية باعتبارها معيارًا للتمييز بين الحق والباطل
من أبرز الدلالات أن الولاية ليست مجرد رابطة عاطفية أو انتماء وجداني، وإنما تمثل معيارًا عمليًا يمكن من خلاله قياس المواقف والاتجاهات، فالتاريخ الإسلامي يكشف أن الانحرافات الكبرى بدأت عندما تم إبعاد القيادة عن موقعها الطبيعي، الأمر الذي أدى إلى ظهور مشاريع سياسية ابتعدت تدريجيًا عن جوهر الرسالة الإسلامية، وفي السياق المعاصر، يُعاد طرح هذا المعيار لتقييم مواقف القوى والأنظمة تجاه القضايا المصيرية للأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يصبح الموقف من قضايا العدل والظلم، ونصرة المستضعفين أو التخلي عنهم، مؤشرًا على صدق الانتماء للمبادئ التي تمثلها الولاية.
إسقاط المفهوم على الواقع المعاصر
لا تكتفي الرؤية باستعراض البعد التاريخي للولاية، بل تنتقل إلى الواقع الراهن لتؤكد أن هذا المبدأ ما يزال حاضرًا في حياة الأمة، وأنه يتجسد من خلال المواقف العملية التي تعبر عن الالتزام بقيم الإسلام في مواجهة التحديات، وفي هذا الإطار، تطرح الرؤية نموذجين متقابلين في العالم الإسلامي، الأول نموذج الأنظمة والقوى التي تمتلك الإمكانات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها أخفقت في أداء مسؤولياتها تجاه قضايا الأمة الكبرى، واتجهت نحو سياسات التبعية والخضوع للضغوط الخارجية، والثاني نموذج القيادة التي تتبنى مواقف داعمة لقضايا الأمة، وتتحمل تبعات المواجهة دفاعًا عن الحقوق والمقدسات، وهو النموذج الذي تقدمه الرؤية باعتباره امتدادًا عمليًا لقيم الولاية ومبادئها، ومن خلال هذا الطرح، تتحول الولاية من مفهوم نظري إلى مشروع عملي يقاس بمدى الالتزام بقضايا الأمة والاستعداد لتحمل المسؤولية في الدفاع عنها.
البعد التعبوي في مفهوم الولاية
هناك ربط وثيق بين الولاية وبين صناعة الوعي الجماهيري القادر على مواجهة التحديات، فالولاية هنا ليست مجرد علاقة بين قائد وأتباع، بل هي علاقة تقوم على الثقة والالتزام وتحمل المسؤولية المشتركة، وهنا تأكيد أن التولي الحقيقي ينعكس في الميدان عبر الثبات والتضحية والاستعداد للعطاء، ومن هذا المنظور، تصبح الولاية أداة لبناء مجتمع متماسك يمتلك رؤية موحدة تجاه القضايا الكبرى، ويستطيع مواجهة حملات التضليل والتشويه التي تستهدف تفكيك الهوية الإيمانية للأمة.
الولاية والهوية القرآنية
لا بد أن يتم إعادة ربط مفهوم الولاية بالهوية القرآنية، من خلال التأكيد أن القيادة الحقة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتجسيد قيم القرآن في الواقع، فالقائد لا يُقاس بموقعه السياسي أو سلطته المادية، وإنما بمدى التزامه بالحق والعدل ونصرة المظلومين والوقوف في مواجهة الطغيان، وهذا الربط بين الولاية والهوية القرآنية يمنح المفهوم بعدًا حضاريًا يتجاوز حدود الانتماء السياسي الضيق، ليصبح مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يهدف إلى بناء مجتمع قائم على القيم والمبادئ.
الرسائل السياسية للرؤية
هناك جملة من الرسائل السياسية المهمة، أبرزها، التأكيد أن الصراع في المنطقة ليس صراع مصالح فحسب، بل هو صراع بين مشاريع وقيم ومواقف، وإبراز أهمية القيادة الواعية في توجيه الأمة خلال المراحل الحساسة، وكذا التأكيد أن نصرة القضايا العادلة تمثل معيارًا رئيسيًا للحكم على المواقف السياسية، والدعوة إلى التحرر من التبعية والارتهان للخارج والاعتماد على عناصر القوة الذاتية، وتعزيز حالة الوعي الشعبي بأهمية الارتباط بالمبادئ والقيم التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها.
ختاما ..
مفهوم الولاية يُطرح اليوم بوصفه مشروعًا متكاملًا يجمع بين البعد العقدي والفكري والسياسي والتعبوي. فالغدير، ليس مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد كل عام، بل محطة متجددة لاستلهام معاني القيادة الرسالية والالتزام العملي بقضايا الأمة، ومن هنا تتجلى الرسالة الأساسية للرؤية في التأكيد أن الولاية ليست شعارًا يُرفع أو مناسبة تُحتفى بها فحسب، وإنما مسؤولية عملية تتجسد في الموقف والوعي والانحياز للحق، وفي القدرة على تحويل المبادئ القرآنية إلى واقع حي يصنع العزة والكرامة ويواجه مشاريع الهيمنة والظلم في مختلف الساحات.