في مذكرات طفلة لم تشهد الحرب.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جمال وطفلتها
تاريخ النشر: 17th, May 2026 GMT
ابتسام القاسمي * – حينما يمر اسم "رغدة جمال" يحل الانطباع بالهدوء والدبلوماسية، وحينما تمسك بكتابها (طفلة لم تشهد الحرب) تجد الأسلوب المرن، الذي يتناسب وتلك الشخصية، لكنه سيفاجئك بالرمزية والخوض في مواضيع شائكة والوصول إلى أعقد حذافيرها.
وسيثير اهتمامك أكثر، تقمص دور الراوية الطفلة، التي تثير تساؤلات تفتح أبوابا لا منتهية من التأمل، وأحيانا الاستنتاجات، ثم يأتي دور الأم بمعايير رغدة: "الأم التي لا تبادر بنقل معلومة مخيفة؛ لكنها لا تكذب إذا تسللت الحقيقة المرعبة إلى البيت".
الكتاب للوهلة الأولى يعد خفيفا، عنوان مدلل (طفلة لم تشهد الحرب) ولوحة غلاف طفولية بسيطة بالأبيض والأسود، لكن ما إن تبدأ في قراءته حتى ينزلق بك إلى منعطفات نفسية عميقة، مسح فلسفي للواقع الأليم للوطن/ اليمن.
الأمومة بين النمطية وأدب الطفلالأمومة بوصفها فعل نجاة بدأت الحوار مع رغدة، وكان أشبه بجرعة تحفيزية كبيرة لحب اليمن والانتماء والحنين إليه، قد نتفق أو نختلف معها في وجهة نظرها السياسية، لكننا سنعجب بالكاتبة التي أنصفت الأمومة حينما جعلت منها مصدر إبداع، في الوقت الذي تُتهم فيه الأمومة بأنها تستهلك المرأة وتسرقها من الإبداع.
تقول رغدة في لقاء خاص بالجزيرة نت إن الأمومة، تحديدا في هذا الكتاب، جعلتها محظوظة بالتوحد التام مع بطلتها، فهي لم تكتب عن الطفلة، بل عن تساؤلاتها.
فالرسامة ميار الكمالي، الطفلة ذات العشر سنوات، وهي ابنة رغدة البكر، لا تشعر بأنها من كتبت الكتاب بالمعنى الحرفي، لكنها تشعر بأنه ينتمي إليها، وأنه قصتها، رغم إدراكها أن القصص المذكورة ليست حقيقة، وإن كانت مستوحاة من تجاربها وأسئلتها.
اليمن في الكتاب لم يُقدَّم كجغرافيا، بل كحالة شعورية! الأطفال لا يحتاجون إلى زيارة المكان ليحبّوه؛ يكفي أن يعيشوه عبر مشاعر أهاليهم
في تجربة رغدة السابقة قصة (الخيمة)، كان السرد الصحفي الرصين مسيطرا على النص، لكنها في هذه التجربة تكتب نيابة عن طفل، فتنتقل إلى تجربة حياكة القصة عن طريق الغوص في التساؤلات الطفولية. وهو ما تؤكده رغدة حيث تشرح الفرق الجوهري بين قصتي (الخيمة) و(مذكّرات طفلة لم تشهد الحرب) ليس فقط في الفئة العمرية، وإنما في موقع الصوت الذي تكتب منه.
في كتابها الأول، كتبت لليافعين عن أنفسهم. كانت تشاركهم المساحة ذاتها، وتحاول تقريب اللغة منهم، بحيث تبسّطها من دون تغيير وجهة النظر. أما في هذا الكتاب، فتكتب رغدة لليافعين عن الأطفال، عن فئة أصغر منهم وأكثر هشاشة، وهذا فرق جوهري.
إعلانفي هذه التجربة، حيث لا يتم الغوص فقط في الإجابات الطفولية؛ فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، بل إلى مساحة آمنة تُقال فيها، وهذا على حد وصف رغدة أصعب انتقال قامت به في مسيرتها الكتابية.
لم تصنّف رغدة هذا الكتاب كأدب طفل، بالرغم من أن الراوية طفلة، والرسامة طفلة بالفعل، مبررة: "أن أدب الطفل ليس مسألة صوت الراوي فقط، بل طبيعة الأسئلة المطروحة. الكتاب ترويه طفلة، ورسمته طفلة، لكنه موجّه لليافعين أكثر من الأطفال. لذا فهو كتاب عن الطفولة، لا كتاب للطفولة".
أتقنت الكاتبة إثبات حب الطفلة/البطلة/ الراوية لوطنها الذي ولدت وعاشت بعيدا عنه
تعريض الطفل للمحتوى السياسي"أنا من اليمن، قلتها بصوتٍ عالٍ كما علمتني أمي!"
كان هذا الصوت الأعلى صدى، والأكثر شجنا وملامسة للروح، وهذه الجملة كانت بمثابة الموسيقى التصويرية التي تعزفها الكاتبة في خلفية كل المشاهد. وقد أتقنت الكاتبة إثبات حب الطفلة/البطلة/ الراوية لوطنها الذي ولدت وعاشت بعيدا عنه، تعرفت عليه من خلال الشاشات فقط، ثم جاءتها الفرصة الأولى لتلج إلى جغرافيته وتتعرف عليه، طفلة متحمسة للانغماس في تفاصيله، تنسج أسئلتها من الطرقات، وحينما لا تشفي غليلها إجابات أمها تضيف إليها إجابات من استنتاجاتها هي، وهي تواصل رسم لوحة الوطن بأفكارها في وجدانها قبل الرسم بأقلامها على أوراقها..
قادني هذا إلى سؤال الكاتبة عن كيف نجحت ككاتبة وأم، في زرع كل هذه المشاعر في وجدان طفلة لم تكن قد زارت بلدها بعد؟ لتجيبني بأن: "اليمن في الكتاب لم يُقدَّم كجغرافيا، بل كحالة شعورية! الأطفال لا يحتاجون إلى زيارة المكان ليحبّوه؛ يكفي أن يعيشوه عبر مشاعر أهاليهم". تضيف: "أنا لم أزرع حب اليمن عبر الشعارات أو الحكايات البطولية، بل عبر التفاصيل الصغيرة: اللهجة، الاتصالات الهاتفية مع الأهل، الاحتفالات بالأعياد الوطنية، والحنين الدائم إلى الوطن الذي يحتوينا عن بعد".
في قصة «جنون» لخّصت فيها رغدة الوضع السياسي اليمني من وجهة نظرها، بطريقة تثير حماس الصغار وسخريتهم. فيها من البراعة التي تهيئ الطفل لما يحدث حين يكبر، وقد وصفتها رغدة بتمرين على قول الحقيقة بلغة لا تُخيف: "هناك جدلية دائمة حول تعريض الطفل للمحتوى السياسي، ما بين مناصري الصدق مع الطفل والمتخوّفين من تحميله أكثر مما يحتمل. أما بالنسبة لشخصيتي، كرغدة الأم، فهي شبيهة بشخصية الأم التي ظهرت في الكتاب؛ الأم التي لا تبادر بنقل معلومة مخيفة، لكنها لا تكذب إذا تسلّلت الحقيقة المرعبة إلى داخل المنزل، ومن هنا جاء اسم الكتاب".
"الأم بكل الطرق تحاول أن تحمي الطفلة من معرفة الحرب أساساً، لكنها لا تكذب أبداً؛ في كل مرة جاءت الطفلة من المدرسة حاملة سؤالاً، أجابت الأم بصدق مقتضب. هذا التوازن هو أصعب ما في الكتابة للأطفال."
فقد حاولت الأم بكل الطرق أن تحمي الطفلة من معرفة الحرب أساسا، لكنها لم تكذب أبدا؛ في كل مرة جاءت الطفلة من المدرسة حاملة سؤالا، أجابت عليه الأم بصدق مقتضب. هذا التوازن هو أصعب ما في الكتابة للأطفال.
ثم توضح رغدة النقطة الحساسة التي هي المدخل الصحيح لبناء نفسية طفل سليمة مهما كانت الأخبار السلبية التي تصل إليه بالقول: "أنا أؤمن أن الخطر لا يكمن في الصدق، بل في طريقة إيصال المعلومة" وتفسر ذلك بأن "الطفل يحتمل الحقيقة، لكنه لا يحتمل القسوة في تقديمها". ثم تسترسل رغدة في شرحها لنفسية الطفل حينما يتلقى الأخبار المخيفة بالقول: "الطبيعي أن يشعر الطفل بالحزن مما يحدث في العالم حين نقص عليه ما يحدث، لكن من غير الطبيعي أن يشعر بالخوف وهو يشاهد الحرب عبر الشاشات؛ وهذا واجبي كأم أن أحميه من هذه المشاهد المخيفة التي قد يراها عبر الشاشات والمشاعر التي تتولد منها".
توحد اللغة البصرية مع روح النصمن الملاحظ أن غلاف الكتاب والرسومات التي ضمّها الكتاب، وحتى الحملة الإعلامية المروجة له، كانت كلها تخلو من الألوان واقتصرت فقط على اللونين الأبيض والأسود. سواء في حفل التوقيع الذي عقد في 5 فبراير/شباط أو حفل الإشهار الذي عُقد في 15 مايو/أيار ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب.
إعلانوتعلق رغدة بأن هذا الأمر مقصود، فقد اختارت الأبيض والأسود لأن إجابات الأطفال لا تحتمل التزييف. الطفل بحسب رأي رغدة لا يفهم الرماديات المصطنعة، مفسرة: "نحن غالبا نبدأ فهمنا للعالم بهذين الحدّين: خير وشر، صح وخطأ. بالنسبة للطفل، الأمور تبدأ دائما إما أبيض أو أسود، ولأن هذا الكتاب مليء بأسئلة وجودية عن الخير والشر، عن الصواب والخطأ، عما يُقال وما يُخفى.
كان من الصدق أن تأتي لغته البصرية بذات الوضوح الحاد الذي يفكّر به الطفل؛ فالأبيض والأسود هنا ليس تبسيطا للعالم، بل نقطة البداية لفهمه".
مفتتح المذكرات كان: "أنا لا أعرف اليمن" تقولها طفلة في السادسة من عمرها باحثة عن معنى الوطن، وتنهي مذكراتها وهي في التاسعة من عمرها معبرة بيقين شديد:
"أنا أريد العودة. حين أكبر سأعود إلى اليمن، حتى لو كان هناك نحل سيطاردني. لن أخاف، اليمني لا يخاف.. "
أنهت رغدة الكتاب بهذه الجملة التي تختصر شعور ورغبة كل مغترب يمني طفلا كان أم كهلا..
* كاتبة وقاصة يمنية
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هذا الکتاب فی الکتاب الطفلة من
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود