ولم تكن الطفلة لمار رقما ضمن إحصاء الضحايا، بل طفلة مدفونة تحت أطنان من الخرسانة الناتجة عن قصف صاروخي إسرائيلي، تمسك بيد من وصل إليها في اللحظة الأخيرة، وتسأل بصوت يكاد ينقطع: "يا رب، لماذا حدث هذا؟".

وبدأت المأساة حين استهدفت الطائرات الإسرائيلية بالقصف المكثف مربعا سكنيا كاملا في منطقة اليرموك بشارع الجلاء في مدينة غزة، بأكثر من 15 غارة متتالية على الموقع ذاته.

وسويت الأبراج والعمارات بالأرض، وتحول المشهد وفق شهود عيان إلى كتل من الغبار والرماد، وناجون يهربون في كل اتجاه، وقد نسي بعضهم أطفاله من شدة الهول. وفي حلقة (17 /5/2026) من برنامج "صوت الصورة" على الجزيرة 360 وهذا رابطها، روى المصور والموثق معتز عزايزة تفاصيل تلك اللحظة التي وجد فيها نفسه في قلب المجزرة.

حيث كان هو وزملاؤه يرسلون صور مجازر صوروها في الصباح، حين رأوا من نافذة مكتبهم حزاما ناريا يتشكل أمامهم مباشرة، فوضع الكاميرا جانبا، وتحول مع زملائه إلى مسعفين ميدانيين يساعدون الجرحى والعالقين تحت الأنقاض.

وسمع عزايزة ورفاقه صوت طفلة يتعالى من تحت ركام أحد البيوت المهدمة والنار تتمدد حوله، فاقترب من الفتحة ونادى، فردت طفلة بصوت خافت: "أخرجوني أمانة أخرجوني لا أستطيع التنفس"، وكان جسدها بالكامل مدفونا، والركام يضغط على رجليها، ولم يظهر منها في البداية سوى يدها التي تتحرك.

ودخل عزايزة إلى الفتحة الضيقة ليبقى بجانب الطفلة، لا لأنه قادر على إخراجها من تحت أطنان الخرسانة، بل لأنه لم يطق أن تواجه الموت وحدها، وقضى معها دقائق كأنها شهور في مكان وصفه بالقبر، وكان مضطرا للخروج كل دقيقتين لاستنشاق الهواء بسبب الحرارة والغاز والغبار.

جهود الإنقاذ

ولطمأنتها أمسك عزايزة بيدها وحاول تهدئتها، وسألها عن اسمها فأجابته: "اسمي لمار"، وكانت خلال تلك الدقائق تكرر "يا رب أخرجني من هنا".

وبعد جهد كبير نجحت أطقم الدفاع المدني في إخراج لمار من تحت الركام بعد نحو 4 ساعات من البحث والحفر، وقال والدها إن كتلة أسمنتية كانت تضغط على رجلها، وإن المنقذين عملوا بحذر شديد خشية أن تفقد قدمها.

وأخبرت لمار منقذيها أن أختها ديما لا تزال تحت الأنقاض، وأنها استشهدت تحت الهدم، وحين نُقلت إلى المستشفى كانت لمار تعاني ضيقا حادا في التنفس جراء الغبار والدخان.

وبكلمات ثقيلة مقتضبة وصف والد لمار تلك الليلة، حيث بات بجانب ابنته في خيمة ميدانية بمجمع الشفاء يتفقدها في كل حين، أما ديما فكانت حسرة والدها عليها كبيرة لأنه لم يتمكن من انتشالها من تحت الركام، وبقيت تلك المنطقة قبرا لها.

وفي مقارنة حملت في طياتها اتهاما صامتا للعالم، قال عزايزة إن "الكاميرا في الحرب كالصندوق الأسود في الطائرات، لأنها توثق الأرواح التي ترحل". ولكنها لا تستطيع أن توضح كيف تموت روح المصور مع كل صورة، ولا كيف عجز العالم بأسره عن إيصال ذرة أكسجين واحدة لطفلة كانت تختنق تحت جبال الركام، وهي تحلم بأن تصبح صيدلانية.

Published On 17/5/202617/5/2026

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

ماليزيا تحظر على الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي

بدأت ماليزيا اليوم الاثنين تطبيق قواعد تحظر على ملايين الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما قالت الحكومة إن هذه الإجراءات تهدف إلى "حماية الأطفال من المحتوى الضار والتنمر السيبراني".

وتتطلب القواعد من منصات التواصل الاجتماعي تطبيق أنظمة للتحقق من السن ومنع المستخدمين الذين لا تتجاوز سنهم 16 عاماً من إنشاء حسابات. وتُطبَّق على المنصات التي تضم 8 ملايين مستخدم على الأقل، بما في ذلك فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب. 

ويمكن أن تواجه الشركات التي تفشل في الامتثال غرامات تصل إلى 10 ملايين رينجيت (2.5 مليون دولار)، ولكن لن يعاقَب الآباء الذين يتمكن أطفالهم من التغلب على القانون.

مقالات مشابهة

  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالقاهرة
  • فلوريدا تقاضي أوبن إيه آي بتهمة تعريض شات جي بي تي الأطفال للخطر
  • ماليزيا تحظر على الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي
  • القبض على 8 متهمين باستغلال الأطفال في التسول بالقاهرة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش