لم تعد الزيارات المتتالية التي يقوم بها قادة العالم إلى العاصمة الصينية بكين مجرد محطات دبلوماسية اعتيادية في أجنداتهم، بل تحولت خلال عام 2026 إلى ما يشبه "الحج السياسي" نحو الصين، في مشهد عكس تحولا عميقا في موازين القوى الدولية وإعادة تشكل لخرائط النفوذ العالمي.

فمن برلين ولندن ومدريد إلى واشنطن وموسكو، يتقاطر الزعماء إلى بكين بحثا عن شراكات اقتصادية، أو تفاهمات سياسية، أو ضمانات تتعلق بالتجارة والطاقة والحروب والأمن العالمي.

وفي غضون أشهر قليلة فقط، استقبلت بكين سلسلة من أبرز قادة العالم، بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، غير أن المشهد السياسي الصيني بلغ ذروته خلال أسبوع واحد، مع استقبالها رئيسي أكبر قوتين عسكريتين في العالم.

فبعد الزيارة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، وهي الأولى له منذ 9 سنوات، تستعد العاصمة الصينية، اليوم الثلاثاء، لاستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارة تمتد بين 19 و20 مايو/أيار الجاري، في تطور يعكس تصاعد مكانة الصين بوصفها لاعبا محوريا لا يمكن تجاوزه في معادلات السياسة الدولية.

الثقل الصيني

هذا التدفق غير المسبوق من القادة الغربيين إلى الصين لا يرتبط فقط بثقلها الاقتصادي، بل يعكس إدراكا عالميا متزايدا بمكانة بكين بوصفها لاعبا حاسما في ملفات التجارة والطاقة والحروب والتكنولوجيا والأمن العالمي، في وقت تعاني فيه المنظومة الغربية من انقسامات حادة واضطرابات اقتصادية وسياسية.

ففي فبراير/شباط الماضي، وصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بكين في زيارة ركزت بصورة أساسية على إنقاذ المصالح الاقتصادية الألمانية وسط تصاعد التوتر التجاري العالمي.

ووفق مراقبين، فإن ألمانيا -التي يعتمد جزء مهم من اقتصادها على التصدير والصناعة الثقيلة- وجدت نفسها أمام تحديات متزايدة بفعل الرسوم الأمريكية والقيود التجارية المتبادلة، مما دفع برلين إلى تكثيف الحوار مع بكين للحفاظ على أسواقها وسلاسل التوريد الحيوية.

إعلان

وشملت الملفات التي طغت على مباحثات ميرتس مع الرئيس الصيني شي جين بينغ السيارات الكهربائية والصناعات التكنولوجية والتعاون الصناعي، إضافة إلى محاولة تحقيق توازن دقيق بين الشراكة مع الولايات المتحدة والحفاظ على المصالح الاقتصادية مع بكين.

وبعد أسابيع فقط، حط رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في الصين، في أول زيارة لرئيس حكومة بريطاني منذ 8 سنوات، وسعى خلالها رئيس الوزراء البريطاني إلى تأسيس علاقات تجارية واقتصادية جديدة مع الصين، من ضمنها إنشاء آلية مشتركة لمواجهة الهجمات السيبرانية، إلى جانب فتح المجال أمام مشاريع واستثمارات صينية كانت محل جدل داخل بريطانيا.

تحولات دولية

ويأتي هذا التحول بعد مسار متقلب في العلاقات بين لندن وبكين، انتقل من مرحلة وُصفت بأنها "عصر ذهبي" إلى مرحلة توتر اعتبرت فيها الصين مصدر قلق إستراتيجي، قبل أن تدفع التحولات الدولية، وتحديدا توتر العلاقات مع واشنطن على خلفية الحرب التجارية الأمريكية، بريطانيا إلى إعادة تقييم سياستها تجاه بكين.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، لكونها تأتي وسط اضطرابات متزايدة في علاقات الدول الغربية مع الولايات المتحدة، وما تفرضه من إعادة تموضع في خريطة التحالفات الدولية.

وضمن السياق الأوروبي نفسه، جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسباني إلى بكين لتعزز اتجاها أوروبيا متناميا نحو الانفتاح الاقتصادي على الصين رغم الضغوط الأمريكية المتصاعدة.

وفي كلمة رسمية له في العاصمة الصينية، دعا رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى تعزيز النظام المتعدد الأطراف والقانون الدولي، مؤكدا أن هاتين الركيزتين تتعرضان لتقويض متكرر وخطير في وقت تشتد فيه الحاجة إليهما أكثر من أي وقت مضى.

كما أعلن سانشيز عن توقيع 19 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع الصين، شملت قطاعات واسعة وفي مقدمتها التجارة والاقتصاد، وذلك في إطار مساعي البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الاقتصادية.

وتستهدف الاتفاقيات الموقعة زيادة حجم التبادل التجاري عبر توسيع نطاق وصول المنتجات الزراعية الإسبانية إلى الأسواق الصينية الواعدة، إلى جانب تطوير قطاعي النقل والبنية التحتية وتحديثهما داخل إسبانيا.

زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يسار) للصين تعتبر الأكثر إثارة للاهتمام (الأناضول)الزيارة الأكثر إثارة

غير أن الزيارة الأكثر إثارة للاهتمام كانت تلك التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين، باعتبارها جاءت وسط تنافس إستراتيجي حاد بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.

ورغم استمرار الخلافات العميقة بشأن التجارة والتكنولوجيا وتايوان والحرب على إيران، فإن مجرد انعقاد القمة عكس إدراكا متبادلا لدى الطرفين بأن الصدام المفتوح يحمل مخاطر هائلة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.

المباحثات بين ترمب وشي تناولت الحرب التجارية، والذكاء الاصطناعي، والقيود على التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى ملفات الأمن في آسيا والشرق الأوسط.

وفي ذروة هذا الحراك الدبلوماسي، وبعد أيام على مغادرة ترمب للصين يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، في زيارة تحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز كل الزيارات السابقة، بالنظر إلى طبيعة العلاقة الخاصة التي تربطه بالرئيس شي جين بينغ.

إعلان

وتأتي الزيارة بينما تواصل موسكو الاعتماد بصورة متزايدة على الصين اقتصاديا وسياسيا، في ظل العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

ومن المتوقع أن تركز المحادثات على ملفات الطاقة، وفي مقدمتها مشروع "قوة سيبيريا 2″، إضافة إلى التعاون العسكري والتنسيق السياسي في مواجهة النفوذ الغربي.

كما تحمل الزيارة رمزية خاصة، إذ تعكس استمرار ما تصفها موسكو وبكين بـ"الشراكة الثابتة"، لتكشف هذه الزيارات المتلاحقة -وفق مراقبين- عن حقيقة سياسية باتت أكثر وضوحا عام 2026 وهي أن العالم، رغم انقساماته وصراعاته، يتجه بصورة متزايدة نحو بكين.

فالأوروبيون يبحثون عن شريان اقتصادي يحمي صناعاتهم وأسواقهم، والولايات المتحدة تسعى إلى إدارة التنافس مع الصين دون الانزلاق إلى مواجهة مكلفة، بينما ترى روسيا في بكين شريكا إستراتيجيا ضروريا في مواجهة الغرب، في المقابل، تستثمر الصين كل هذا الزخم الدبلوماسي لتكريس نفسها باعتبارها القوة القادرة على مخاطبة جميع الأطراف المتنافسة في آن واحد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رئیس الوزراء إلى بکین

إقرأ أيضاً:

أجساد الطفولة تكتوي بنيران الصيف في عدن

ونتيجة للأجواء القاسية والخانقة داخل المنازل التي تحولت إلى ما يشبه "الأفران"، أبدى أطباء ومتخصصون مخاوفهم جراء الارتفاع المخيف في معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية الحادة بين الأطفال، وفي مقدمتها الطفح الجلدي الشديد، والدمامل، و"حمو النيل" (الجرَب الحراري)، والالتهابات البكتيرية الناتجة عن التعرق المفرط وعدم توفر وسائل التبريد.

 "العيادات والمراكز الطبية في عدن باتت تستقبل يومياً عشرات الحالات لأطفال يغطى الطفح الجلدي والالتهابات أجسادهم الغضة، بسبب عجز الأهالي عن تأمين أجواء باردة أو حتى تهوية مناسبة في ظل انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة." — مصادر طبية محلية

وتداول ناشطون وصحفيون على منصات التواصل الاجتماعي مناشدات أطلقها أهالي بمديرية كريتر ومختلف مديريات عدن، واصفين الأوضاع داخل بيوتهم بالـ"مأساوية"، حيث يقضي الأطفال ليلهم بالبكاء والأنين جراء الحكة الشديدة والآلام المصاحبة للالتهابات الجلدية، في ظل عجز تام عن التخفيف من معاناتهم.

وتأتي هذه الكارثة الصحية لتضع سلطات المرتزقة التابعة للسعودية أمام مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية، وسط مطالبات شعبية واسعة وغاضبة بضرورة إيجاد حلول إسعافية عاجلة لأزمة الكهرباء، التي لم تعد مجرد خدمة غائبة، بل تحولت إلى مهدد حقيقي لصحة وحياة السكان، وخصوصاً الأطفال وكبار السن مع دخول فصل الصيف اللاهب.

 

مقالات مشابهة

  • أجساد الطفولة تكتوي بنيران الصيف في عدن
  • برجس الشمري.. كيف تحولت TikTok إلى واحدة من أعلى المنصات قيمة في العالم؟
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة للأمم المتحدة الآن أكثر من أي وقت مضى
  • الحج: حجز موعد زيارة الروضة يسهِم بتنظيم الزيارة وأدائها بطمأنينة  
  • سفير بكين بالقاهرة: الشاي جسر للحوار بين الحضارات والعلاقات المصرية الصينية نموذج للتعاون
  • لاوندس استقبل سفير اليابان الجديد في زيارة تعارف
  • من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي