لماذا يجتمع العالم في طاجيكستان من أجل المياه؟
تاريخ النشر: 24th, May 2026 GMT
دوشانبي- في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين أزمة المناخ وأزمة الغذاء وأزمة الطاقة، لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي يتدفق في الأنهار والآبار، بل صار عنوانا مكثفا لمعنى الأمن الإنساني نفسه.
فمن يملك القدرة على إدارة المياه، يملك قدرا من الاستقرار، ومن يفشل في ذلك، يجد نفسه أمام سلسلة مترابطة من الأزمات: عطش، أمراض، تراجع في الإنتاج الزراعي، نزاعات محلية، هجرة، وضغوط اقتصادية متصاعدة.
وسط هذا المشهد، تستضيف العاصمة الطاجيكية دوشانبي، بين 25 و28 مايو/أيار 2026، المؤتمر الدولي الرابع رفيع المستوى بشأن العقد الدولي للعمل من أجل المياه والتنمية المستدامة 2018-2028، أو ما بات يعرف اختصارا بـمؤتمر دوشانبي للمياه.
ويشكل هذا المؤتمر محطة سياسية وتنموية مهمة على الطريق إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، المقرر عقده في أبوظبي من 8 إلى 10 ديسمبر/كانون الأول 2026، برئاسة مشتركة بين الإمارات والسنغال.
أزمة تتجاوز العطشتنبع أهمية مؤتمر دوشانبي من أن العالم لم يعد يتعامل مع المياه بوصفها ملفا خدميا فقط، فالأرقام وحدها تكشف اتساع الفجوة: في عام 2024، كان 2.2 مليار شخص لا يزالون محرومين من خدمات مياه شرب مُدارة بأمان، و3.4 مليارات بلا خدمات صرف صحي مُدارة بأمان، و1.7 مليار يفتقرون إلى خدمات النظافة الأساسية في المنازل، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
هذه الأرقام لا تعني نقصا في الراحة اليومية فحسب، بل تعني وفيات يمكن تجنبها، وأمراضا مزمنة، وتعليما متعثرا للأطفال، وعبئا مضاعفا على النساء والفتيات في المجتمعات الفقيرة، وتراجعا في الإنتاج الزراعي، وتهديدا مباشرا للاستقرار الاجتماعي.
لذلك، حين يناقش العالم المياه، فهو في الحقيقة يناقش الصحة والغذاء والطاقة والمناخ والسلام والتنمية في وقت واحد. ولهذا يؤكد تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية المياه لعام 2024 أن الأمن المائي يقود إلى الازدهار والسلام، بينما تضاعف النزاعات والفقر وتغير المناخ هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلا من شح المياه أو سوء إدارتها.
لماذا المؤتمر مهم الآن؟تأتي قمة دوشانبي في توقيت حساس للغاية، فالعالم دخل السنوات الأخيرة قبل موعد تحقيق أهداف التنمية المستدامة عام 2030، بينما لا يزال الهدف السادس، المتعلق بضمان المياه والصرف الصحي للجميع، بعيدا عن المسار المطلوب. ومن هنا تبدو دوشانبي أشبه بجرس إنذار سياسي قبل أن تتحول الفجوة إلى فشل جماعي معلن.
إعلانالمؤتمر يهدف، بحسب الجهات المنظمة، إلى حشد الجهود الجماعية، ودعم تنفيذ الالتزامات الطوعية المسجلة ضمن أجندة العمل من أجل المياه التي خرجت من مؤتمر الأمم المتحدة للمياه عام 2023، إلى جانب بناء شراكات جديدة وتسريع العمل باتجاه أهداف أجندة عام 2030.
إذن، فالقضية لم تعد تكرارا للتشخيص، العالم يعرف أن هناك أزمة. السؤال الأهم اليوم هو: من سيدفع؟ ومن سينفذ؟ وكيف تتحول الوعود إلى مشروعات مياه وصرف صحي وتحلية وري ذكي وحماية للأنهار والبحيرات والمياه الجوفية؟
محطة تحضيريةلا يمكن قراءة مؤتمر دوشانبي بمعزل عن مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في العاصمة الإماراتية أبوظبي المقرر عقده نهاية عام 2026. فدوشانبي تمثل محطة تحضيرية مهمة قبل القمة الأممية الكبرى، التي تسعى إلى تسريع تنفيذ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، وحشد الاستثمار والابتكار والإرادة السياسية في السنوات الأخيرة قبل عام 2030.
ومن هذه الناحية، يحمل المؤتمر بعدا عربيا وخليجيا واضحا. فالإمارات، باعتبارها دولة مضيفة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 مع السنغال، ستكون معنية بما سينتج عن دوشانبي من رسائل وأولويات وتحالفات. وما سيطرح في طاجيكستان قد يشكل جزءا من جدول النقاش العالمي في أبوظبي، لا سيما في ملفات التمويل، والابتكار، والتكيف المناخي، والعدالة في الوصول إلى المياه.
ولكن لماذا طاجيكستان تحديدا؟ لماذا لا تستضيف هذا النقاش دولة كبرى ذات نفوذ اقتصادي أوسع؟ الإجابة تكمن في الدور الذي بنته دوشانبي لنفسها خلال عقدين تقريبا في مجال دبلوماسية المياه. فطاجيكستان كانت من الدول النشطة داخل الأمم المتحدة في الدفع نحو مبادرات دولية متصلة بالمياه، ومنها العقد الدولي للعمل من أجل المياه والتنمية المستدامة 2018-2028، كما استضافت مؤتمرات سابقة ضمن هذا المسار في أعوام 2018 و2022 و2024.
لكن الأمر لا يتعلق بالدبلوماسية وحدها، فطاجيكستان دولة جبلية في قلب آسيا الوسطى، وهي منطقة شديدة الحساسية مائيا وسياسيا، تتدفق من جبالها وأنهارها موارد مهمة نحو دول أخرى في الإقليم، ما يجعلها في موقع رمزي وعملي في آن واحد: دولة منبع، ذات موارد مائية وجليدية، لكنها أيضا معرضة لتأثيرات تغير المناخ وذوبان الجليد وتذبذب التدفقات المائية.
ولهذا، لا تستضيف طاجيكستان المؤتمر كبلد بعيد عن الأزمة، بل كدولة تعيش واحدة من أكثر صورها تعقيدا: المياه هنا ليست فقط للشرب، بل للزراعة، والطاقة الكهرومائية، والتعاون الإقليمي، والاستقرار بين دول المنبع والمصب.
من "إدارة المياه" إلى "دبلوماسية المياه"الأهمية السياسية لمؤتمر دوشانبي تكمن في أنه يعكس تحولا عالميا في طريقة النظر إلى الماء. فبعد عقود كان فيها الحديث يتركز على البنية التحتية والسدود والشبكات، يتوسع النقاش اليوم ليشمل ما يمكن تسميته "دبلوماسية المياه".
هذه الدبلوماسية تقوم على فكرة بسيطة: المياه قد تكون سببا للتوتر، لكنها قد تكون أيضا جسرا للتعاون، فالأنهار العابرة للحدود، والأحواض المشتركة، والمياه الجوفية، وتغير أنماط الأمطار، كلها قضايا لا تستطيع أي دولة إدارتها بمفردها، ومن ثم فإن غياب التعاون قد يحول ندرة المياه إلى أزمة سياسية، بينما يمكن للتعاون أن يحولها إلى مدخل لبناء الثقة.
إعلانوهنا تظهر أهمية دوشانبي، فهي تقدم نفسها كمنصة تجمع الحكومات، ومنظمات الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية، والقطاع الخاص، والعلماء، والمجتمع المدني، حول سؤال واحد: كيف يمكن جعل المياه أداة للاستقرار لا سببا جديدا للصراع؟
ملفات منتظرةينتظر أن تتركز نقاشات المؤتمر حول حزمة واسعة من الملفات، أبرزها: الأمن المائي، تسريع تنفيذ الهدف السادس، تمويل مشاريع المياه، التكنولوجيا والابتكار، إدارة الموارد العابرة للحدود، التكيف مع تغير المناخ، حماية النظم البيئية، مواجهة الجفاف، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي للفئات الأكثر هشاشة.
لكن الملف الأكثر حساسية سيكون على الأرجح التمويل. فكثير من الدول النامية تعرف ما تحتاج إليه: شبكات مياه، محطات معالجة، بنية تحتية قادرة على مقاومة الفيضانات والجفاف، تقنيات ري أكثر كفاءة، ورقابة أفضل على المياه الجوفية. لكنها لا تملك دائما الموارد المالية أو القدرات التقنية لتنفيذ ذلك.
لذلك، سيُقاس نجاح مؤتمر دوشانبي ليس بعدد الكلمات التي ستقال، بل بقدرته على خلق شراكات قابلة للتنفيذ، وجذب مؤسسات التمويل الدولية، وتحويل المبادرات إلى برامج ذات جداول زمنية واضحة.
ما المتوقع أن يخرج عن المؤتمر؟ليس مرجحا أن يصدر عن المؤتمر اتفاق عالمي ملزم يشبه اتفاقيات المناخ الكبرى. لكنه قد يحقق شيئا لا يقل أهمية: بناء زخم سياسي قبل مؤتمر أبوظبي، وتحديد الأولويات، ودفع الحكومات والمؤسسات إلى تحديث تعهداتها، وتوسيع قاعدة الشراكات حول أجندة المياه.
ومن المتوقع أن تبرز من المؤتمر رسائل أساسية، منها أن المياه يجب أن تكون في قلب خطط التكيف المناخي، وأن الاستثمار في المياه ليس ترفا تنمويا بل ضرورة للأمن والاستقرار، وأن الدول الفقيرة والهشة تحتاج دعما أكبر، وأن إدارة الأحواض المشتركة تتطلب آليات تعاون أكثر جدية.
كما يمكن أن يشهد المؤتمر إطلاق أو تعزيز مبادرات في مجالات الإنذار المبكر للجفاف، ومراقبة الموارد المائية، والري الحديث، وحماية الأنهار الجليدية، وربط المياه بالصحة والغذاء والطاقة.
الرسالة الأهمالرسالة الأهم من دوشانبي هي أن أزمة المياه لم تعد أزمة مستقبلية. إنها تحدث الآن، لكنها لا تظهر دائما في صورة عطش مباشر. أحيانا تظهر في ارتفاع أسعار الغذاء، وأحيانا في نزوح سكان الريف، وأحيانا في تدهور صحة الأطفال، وأحيانا في توتر سياسي بين مناطق أو دول.
ومن هنا، فإن مؤتمر طاجيكستان لا يستمد أهميته فقط من كونه حدثا أمميا رفيع المستوى، بل من كونه اختبارا لقدرة العالم على التعامل مع الماء باعتباره قضية مركزية في القرن الحادي والعشرين.
فإذا نجح المؤتمر في تحويل النقاش من التحذير إلى التنفيذ، ومن الشعارات إلى التمويل, ومن المبادرات المتفرقة إلى شراكات واضحة، فقد يكون محطة حقيقية على الطريق إلى أبوظبي. أما إذا اكتفى بتكرار الخطابات، فسيضاف إلى سلسلة طويلة من المؤتمرات التي وصفت الأزمة بدقة، لكنها لم تمنع اتساعها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مؤتمر الأمم المتحدة للمیاه من أجل المیاه
إقرأ أيضاً:
مناظرة علنية بين المرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة
23 يوليوز، 2026
بغداد/المسلة:
يخوض المرشحون الستة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مناظرة في موقع شديد الرمزية هو قاعة الجمعية العامة، قبل أسبوع من الانطلاق الرسمي لعملية اختيار شديدة الأهمية للمنظمة وسط أزمة عميقة تعانيها.
وفي وقت بدا أن السباق بين المرشحين لا يثير اهتماما كبيرا، وأن أحدا منهم لا يتمتع بحظوظ أوفر من الآخرين، يُجيب كلّ من التشيلية ميشيل باشليه، والإكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا، والأرجنتيني رافاييل غروسي، والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، والغويانية كارولين رودريغيز-بوركيت، والسنغالي ماكي سال، عن أسئلة الدبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة وممثلي المجتمع المدني خلال هذا الحدث الذي ستبثه “بلومبرغ”.
وقالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك إن “هذه المناقشة العلنية (…) ستوفر فرصة نادرة للتعرّف إلى أفكار المرشحين وأولوياتهم ورؤيتهم لأحد أهم المناصب في العالم”.
وأضافت “في عالم شديد التفتت، تحتاج الأمم المتحدة ليس فقط إلى رئيس مميز لإدارتها، يُكيّف المنظمة مع القرن الحادي والعشرين، لكنها تحتاج أيضا إلى قيادة ونزاهة شخص مستعد للدفاع بقوة عن ميثاق الأمم المتحدة وأركانه الثلاثة”، وهي السلام والأمن، وحقوق الإنسان والتنمية.
وتواجه الأمم المتحدة أزمة مالية حادة، وتراجعت الثقة بها، وفي طليعة منتقديها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تأخذ عليها إنفاقها غير المضبوط، وتَشتُّت أدوارها، وعجزها عن تحقيق نتائج مُرضية. وتطالب واشنطن المنظمة بـ”العودة” إلى الركن الأساسي أي السلام والأمن، فيما تشدد دول أخرى على أن للركنين الآخرين أهمية مساوية.
ومع أن في وِسع الولايات المتحدة والدول الأربعة الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن (فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين) استخدام حق النقض خلال عملية الاختيار، يُتوقَع أن يحرص المرشحون على محاولة التوفيق بين المَطالب الأميركية وما يشكّلأ بالنسبة إلى دول أخرى خطوطا حمراء، وهي لا تكون واضحة دائما.
– تجنّب إغضاب القوى الكبرى –
ولاحظَ المحلل لدى “مجموعة الأزمات الدولية” International Crisis Group ريتشارد غوان في حديث لوكالة فرانس برس أن السباق بين المرشحين هذه السنة “يفتقر إلى الطاقة” مقارنة بحملة 2016 التي كانت “أكثر حيوية”، وكان المرشحون المتنافسين فيها أكثر عددا، وحفلت بقدر أكبر من “المناورات” قبل أن يرسو الاختيار على أنطونيو غوتيريش.
وأضاف “هذه المرة، الجميع متفق على أن السباق بالغ الأهمية لمستقبل الأمم المتحدة، لكن المنافسة نفسها تبقى حذرة”، مشيرا إلى أن المرشحين يريدون “تجنّب إغضاب الولايات المتحدة وقوى أخرى تملك حق النقض”.
وسبق أن عُقدت جلسة مساءلة مكثفة للمرشحين الستة استغرقت ثلاث ساعات لكل منهم أمام ممثلي الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة. وقد شدّد معظمهم على ضرورة مواصلة الإصلاح الجاري في المنظمة لجعلها أكثر فاعلية، وعلى أهمية تَوَلّي الأمين العام دورا أكبر في جهود إحلال السلام في مختلف أنحاء العالم.
ومن المقرر أن يُدلي أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر بشكل سري بآرائهم في شأن المرشح الذين يرونه الأنسب في جلسة مغلقة تُعقد في 30 تموز/يوليو، هي الأولى لهذا الغرض.
ويتبع هذا “التصويت الاستطلاعي” الأول عدد غير محدد من عمليات التصويت المماثلة إلى أن يتمكن أحد المرشحين من جمع الأصوات التسعة اللازمة من دون أن يواجه أي نقض من الدول الخمس الدائمة العضوية. ويُحال اسم المرشح الذي يقع عليه الاختيار بعدها إلى الجمعية العامة لإجراء التعيين الرسمي للأمين العام الذي يتولى مهامه في الأول من كانون الثاني/يناير 2027.
وحاذرَ عدد من الدبلوماسيين الذين استصرحتهم وكالة فرانس برس في التكهُن بما سيؤول إليه السباق، مشيرين إلى أن عواصم عدة لم تحسم خيارها بعد.
وقال ريتشارد غوان “لديَ انطباع بأن غروسي هو أكثر من يوصفون بالأوفر حظا، لكن كسبَ السباق غير محسوم له، إذ أن لمرشحين آخرين كغرينسبان ورودريغيز-بيركيت عددا كبيرا أيضا من المؤيدين”. ولم يستبعد أن تأتي المفاجأة من مرشح غير مُعلَن بعد.
ولا يزال عدد من الأسماء متداولا في الأروقة ووسائل الإعلام، من بينها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جاني إنفانتينو الذي أشار صحيفة “نيويورك بوست” إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرغب في أن تُعهَد إليه الأمانة العامة.
وبموجب تقليد غير ملزِم يقوم على التداول الجغرافي، تُطالب دول أميركا اللاتينية بالحصول على هذا المنصب هذه المرة. كذلك تدعو دول عدة إلى أن تتولاه امرأة للمرة الأولى.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts