التنازلات وسيناريو اليوم التالي للهدنة.. حراك جديد لإنهاء الحرب في السودان
تاريخ النشر: 24th, May 2026 GMT
الخرطوم- بدأت قوى سياسية ومنظمات دولية وإقليمية تحركات جديدة بحثت حلا لأزمة السودان التي تجاوزت 3 سنوات.
ويعتقد مراقبون أن ثمة مؤشرات على وصول الفرقاء إلى قناعة بضرورة تقديم تنازلات متبادلة وتبني رؤية وطنية تنقل البلاد إلى مرحلة جديدة لتجنب انهيارها وتمزقها.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تعثرت جهود دولية وإقليمية لجمع الفرقاء السودانيين تحت سقف واحد للتوافق على خطوات لتسريع وقف الحرب وعقد حوار سوداني-سوداني للإجابة على أسئلة اليوم التالي لها.
وتحركت مؤخرا مجموعة سودانية برئاسة السفير نور الدين ساتي لطرح وثيقة على الحكومة وقيادة تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" لطرح رؤية وطنية نحو حل سوداني للأزمة.
وكشف عضو في المجموعة للجزيرة نت أنهم يعكفون على صياغة ورقة تحمل رؤية إطار لحل القضايا العالقة في الجوانب الأمنية والسياسية بعد استكمال لقاءاتهم التي بدأت في الخرطوم بجلسات تشاورية مع قيادات في الحكم والقوى السياسية وستشمل جميع الأطراف الأخرى.
وحسب مصادر في "الآلية الخماسية" فإنهم يستعدون لدعوة القوى السياسية والمدنية المختلفة للقاء قريبا من أجل الاتفاق على ترتيبات للحوار السوداني وتحديد أطرافه وأجندته ومكان انعقاده.
وتضم هذه الآلية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد".
وقال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان هافيستو بيكا إن تقديم تنازلات بين الفاعلين السياسيين المتشرذمين في السودان أمر ضروري إذا أرادت البلاد الخروج من الحرب.
وأوضح أن المنظمة الدولية تركز الآن على تعزيز المجتمع المدني لإعداده لدور أكبر في المستقبل.
وأضاف خلال لقاء مع صحفيين بالأمم المتحدة الجمعة الماضي: "يجب أن تتعلموا كيف تحكمون البلاد معا.. يجب أن تتعلموا مهارة تقديم التنازلات.. في بعض الأحيان تكون التنازلات مهمة للوصول إلى قبول الهدف الأكبر".
إعلانوأقر المبعوث الأممي بأن هناك عقبات رئيسية لا تزال قائمة، لا سيما فيما يتعلق بضمانات وقف إطلاق النار وسيناريو "اليوم التالي" الذي يعقب أي هدنة.
حلول وطنية
من جانبه يرى رئيس منسقية العودة لمنصة التأسيس محمد وداعة أن هناك فرصة لتحقيق توافق سياسي خلال المرحلة المقبلة وأن القوى الوطنية في داخل البلاد تدعو لحوار شامل يبدأ الإعداد له قبل التوصل إلى هدنة.
وفي حديث للجزيرة نت، أوضح وداعة أنهم سلموا الآلية الخماسية رؤيتهم لحوار سوداني يعقد في داخل البلاد، لمناقشة كافة القضايا وأنه لا حلول جاهزة أو مستوردة ويجب أن يعبر الحوار عن إرادة وطنية خالصة على أن يقتصر الدور الدولي والإقليمي على تسهيله ومراقبته.
وكشف رئيس الوزراء كامل إدريس للجزيرة نت في وقت سابق أنهم شرعوا في إعداد ورقة مفاهيمية عن الحوار السوداني ومستعدون لتوفير كافة الضمانات المطلوبة لعقد الحوار في الداخل وتهيئة مناخ موات للعملية وستتم جلسات تمهيدية قريبا قبل انطلاقه رسميا.
وفي العاصمة الكينية نيروبي أقرت قوى سياسية أمس السبت "إعلان المبادئ السوداني.. نحو بناء وطن جديد"، كما توصلت إلى خارطة طريق لوقف الحرب.
وتتكون هذه القوى من فصائل التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" بزعامة عبد الله حمدوك بالإضافة إلى حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وحزب البعث العربي الاشتراكي.
وقال البيان الختامي لقوى إعلان المبادئ إن "العملية السياسية التي يسعون إليها ليست مجرد تسوية أخرى بين الأطراف المتناحرة، وإنما عملية عميقة تعالج أسباب الحروب السودانية من جذورها".
وأشار إلى أن هذه العملية تقوم على عدة محاور يجري تصميمها بإرادة سودانية وبمشاركة القوى المدنية المناهضة للحرب، على أن تستند إلى إجراءات وخطوات واضحة لتهيئة المناخ، وإعلان للمبادئ، وأسس للمشاركة، وتحديد دقيق للأطراف والآليات.
وذكر أن القوى الموقعة على إعلان المبادئ تطمح إلى أن تُفضي العملية السياسية إلى نتائج ملزمة تشمل اتفاق سلام نهائيا شاملا، ودستورا انتقاليا، ومنظومة أمنية وعسكرية وطنية موحدة تذوب فيها كل الميليشيات والجيوش.
محددات التسوية
واعتبر البيان أن الخطر الأشد فتكا على مستقبل السودان يتمثل في التقسيم والتشظي والتفكك الذي تسير نحوه البلاد بعد تبعثر المجتمع وانهيار الدولة.
وتعليقا على التطورات الجارية يرى الكاتب ورئيس تحرير صحيفة "التيار" عثمان ميرغني أن هناك متغيرات عدة محلية وإقليمية ودولية تدفع نحو تسوية وطي الخلافات.
ويوضح الكاتب للجزيرة نت أن أبرز المتغيرات هي الجهود والرغبة القوية من المجتمع الدولي في إنهاء حرب السودان، و تداعيات حرب الخليج الأخيرة، ومحليا الانشقاقات في صفوف الدعم السريع التي حتمت بفشل الشعارات والذرائع السياسية.
وأضاف "هناك وعي متزايد عند السياسيين بأن استمرار الحرب والخلافات سيدفع ثمنه الجميع ولا منتصر في هذه الحرب".
لكن مع ذلك – كما يقول ميرغني – تظل جهود التسوية محاصرة بمحددات على رأسها الضعف البنيوي للقوى السياسية والذي يجعلها تعبر عن أجندة قد لا تكون صانعة لها، ويستوي في ذلك كلا الجانبين من هم مع الحكومة ومن هم ضدها.
إعلانكما يشير الكاتب إلى تحديات أخرى مرتبطة بغياب الأجندة الوطنية الواضحة والغرق في الشعارات والاستقطاب السياسي الحاد ونوازع الإقصاء الصفري لدى بعض المكونات السياسية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
بعد سنوات الانقسام.. هل تنجح دعوة العليمي في توحيد الصف لإنهاء الانقلاب؟
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتآكل مؤسسات الدولة، تعود معركة استعادة الدولة اليمنية إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري، عقب الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التحام وطني شامل خلف مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة من قبضة جماعة الحوثي.
لكن خلف هذه الدعوة تبرز تساؤلات جوهرية تتجاوز الخطاب السياسي المعتاد: هل وصلت الحكومة اليمنية إلى مرحلة جديدة من الحسم، وأصبحت أكثر جدية في استعادة الدولة والسيادة، أم أن الأمر لا يزال في إطار الرسائل السياسية وإدارة الأزمة المفتوحة منذ سنوات؟
دعوة جديدة في لحظة مختلفة
لم تعد معركة اليمن اليوم مجرد صراع على السلطة بين طرفين، بل أصبحت معركة حول مفهوم الدولة ذاته، بين مشروع يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات وطنية قائمة على القانون والدستور، ومشروع جماعة مسلحة فرضت واقعاً موازياً للدولة منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسساتها.
وتأتي دعوة الرئيس العليمي في ظل مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث باتت تداعيات الأزمة اليمنية تتجاوز الحدود الداخلية، لتلامس أمن الملاحة الدولية، واستقرار المنطقة، وحركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الحكومة على حماية السيادة الوطنية، وإعادة تفعيل مؤسساتها، واستعادة قرارها الاقتصادي والعسكري والسياسي.
من خطاب الشرعية إلى اختبار القدرة
خلال السنوات الماضية، أكدت الحكومة الشرعية في أكثر من مناسبة أن هدفها الأساسي هو إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، إلا أن الواقع الميداني والسياسي ظل يحمل الكثير من التحديات.
فبينما تمكن الحوثيون من بناء منظومة سيطرة أمنية وعسكرية وإدارية في مناطق نفوذهم، واجهت الحكومة الشرعية صعوبات كبيرة في توحيد القرار السياسي والعسكري، وتعزيز حضور مؤسساتها، وتقديم نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطنين.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تضع الحكومة أمام اختبار مختلف، فالمطلوب لم يعد فقط إعلان التمسك باستعادة الدولة، بل ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تبدأ من توحيد الصف الوطني، وتفعيل مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة التشتت، وبناء استراتيجية واضحة للتعامل مع مشروع الحوثي.
الموارد السيادية.. معركة لا تقل أهمية عن الميدان
يمثل ملف الموارد الاقتصادية أحد أهم الاختبارات أمام الحكومة اليمنية، خصوصاً مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته لخدمة المواطنين وصرف الرواتب وتحسين الخدمات.
فالسيادة لا تقاس فقط بالسيطرة العسكرية على الأرض، وإنما بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وتمويل مؤسساتها، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
ومنذ توقف صادرات النفط بسبب التهديدات الحوثية، تعرض الاقتصاد اليمني لضغوط كبيرة انعكست على حياة المواطنين، وأضعفت قدرة الدولة على القيام بواجباتها. لذلك فإن إعادة تشغيل الموارد الوطنية تمثل خطوة أساسية في استعادة دور الدولة.
الحوثيون واستمرار مشروع الدولة الموازية
في المقابل، ترى الحكومة اليمنية أن جماعة الحوثي لم تعد مجرد طرف سياسي، بل مشروعاً يسعى إلى فرض سلطة أمر واقع خارج مؤسسات الدولة، من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة في مناطق نفوذها، والتحكم بالموارد، واستخدام القوة لفرض خياراتها السياسية.
وتؤكد الحكومة أن إنهاء الانقلاب لا يعني فقط استعادة المدن أو المواقع العسكرية، بل استعادة مفهوم الدولة وإنهاء أي سلطة موازية تنازع الدولة اختصاصاتها.
غير أن هذه المهمة تبقى معقدة، خاصة مع امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، واستفادتهم من سنوات الحرب في بناء منظومة نفوذ واسعة.
العامل الحاسم: وحدة القوى المناهضة للحوثيين
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الشرعية هو قدرتها على توحيد القوى والمكونات المناهضة للحوثيين ضمن مشروع وطني جامع.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقسامات السياسية والخلافات الداخلية شكلت أحد أبرز العوامل التي أضعفت جبهة الدولة، وأتاحت للحوثيين توسيع نفوذهم وترسيخ وجودهم.
ويرى محللون أن أي مشروع جاد لاستعادة الدولة يحتاج إلى تجاوز الحسابات الضيقة، وبناء شراكة وطنية حقيقية، وتقديم نموذج مختلف عن سنوات الصراع والانقسام.
هل تغيرت المعادلة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل دعوة الرئيس العليمي الأخيرة بداية مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها؟
الإجابة ترتبط بقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة البيانات والمواقف السياسية إلى مرحلة الفعل الحقيقي، عبر قرارات واضحة وإجراءات ملموسة تعيد للدولة حضورها وهيبتها.
فاليمنيون الذين أنهكتهم الحرب لا يبحثون فقط عن خطابات سياسية، بل ينتظرون دولة قادرة على حمايتهم، وتوفير الخدمات لهم، واستعادة الأمن والاستقرار، وإنهاء حالة الفوضى التي فرضتها سنوات الصراع.
معركة الدولة لم تعد تحتمل التأجيل
استعادة الدولة اليمنية ليست مهمة عسكرية فقط، بل مشروع وطني شامل يحتاج إلى إرادة سياسية، ووحدة داخلية، وإدارة اقتصادية فاعلة، ومؤسسات قادرة على العمل.
وبينما تؤكد الحكومة أن الوقت قد حان لإنهاء معاناة اليمنيين وطي صفحة الانقلاب، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على تحويل هذا الموقف إلى واقع ملموس.
فاليمن أمام لحظة فاصلة: إما أن تتحول دعوات استعادة الدولة إلى مشروع حقيقي يعيد بناء مؤسساتها وسيادتها، أو تستمر الأزمة في الدوران داخل دائرة مفتوحة من الصراع وإدارة الأزمات.