لم تعد الحروب في عصر التكنولوجيا تقتصر على النفوذ السياسي أو القدرات العسكرية المتطورة، بل امتدت لتشمل توظيف الذكاء الاصطناعي لخوض معارك في الفضاء الرقمي أيضا، معتمدة بذلك على الصور والمحتوى البصري لفرض هيمنتها وإضفاء شرعية على روايتها عبر الإنترنت.

هذه الظاهرة -التي باتت تُعرف أكاديميا باسم "السلوباغندا" (Slopaganda)- تطورت مؤخرا مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، حيث أصبح حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصته "تروث سوشيال" مساحة لنشر صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تحاكي مشاهد انتصار وهمية أو عمليات قصف افتراضية لمواقع داخل إيران.

وخلال الأشهر الأخيرة، نشر ترمب سلسلة من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي والمرتبطة بإيران والحرب الدائرة معها، تراوحت بين صور لضربات عسكرية أمريكية، وخرائط لإيران مغطاة بالعلم الأمريكي، وصولا إلى صور رمزية تتعلق بمضيق هرمز الذي غير ترمب تسميته ساخرا إلى "مضيق ترمب".

قد تبدو هذه الصور ظاهريا مجرد امتداد لأسلوب ترمب المعهود في السخرية والتهكم، إلا أنها في جوهرها تعكس إستراتيجية دعائية ممنهجة، تُحوّل المحتوى البصري الرقمي إلى سلاح سياسي ونفسي يساند خطابه حول مجريات الحرب، والذي تبين في عدة مواضع أنه لا يتسق مع الحقائق الميدانية على الأرض.

ترمب نشر صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لمقاتلة تقصف سفينة إيرانية مع عبارة "وادعا" (حساب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال")حرب الصور

ونشر ترمب -أمس الأحد- على منصته "تروث سوشيال" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مسيّرة أمريكية تقصف سفينة إيرانية، مرفقا التصميم بكلمة "أديوس" (أي وداعا باللغة الإسبانية).

وقبل ذلك بيوم واحد فقط، نشر الرئيس الأمريكي أيضا خريطة تُظهر إيران وهي مغطاة بالعلم الأمريكي، وهو ما اعتبرته تقارير إعلامية مؤشرا على احتمال تجدد التصعيد العسكري ضد إيران، في وقت تتواصل فيه جهود الوساطة الباكستانية حثيثة لنزع فتيل الأزمة والتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.

إعلان

وفي أبريل/نيسان الماضي، أثار ترمب جدلا واسعا بعد نشره صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي غير فيها تسمية مضيق هرمز إلى "مضيق ترمب"، في محاولة لرسم خريطة جيوسياسية للمنطقة تحت نفوذ الولايات المتحدة.

وتكشف هذه الصور وغيرها -رغم اختلاف مضمونها البصري- رسائل سياسية مشتركة تقوم على تقديم الولايات المتحدة في الفضاء الرقمي، باعتبارها القوة المهيمنة حاليا في المعركة والقادرة على إعادة تشكيل المنطقة عسكريا وسياسيا.

رسائل القوة

إحدى أبرز الرسائل التي يحاول ترمب نقلها إلى الجمهور -وبالأخص الشارع الأمريكي- عبر نشره المتكرر للصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، تتمثل في استعراض فائض القوة العسكرية الأمريكية، وإظهار إيران بوصفها الطرف الخاسر في الصراع الحالي.

فالصور التي تُظهر انفجارات أو سفنا حربية أو ضربات ضد أهداف إيرانية لا تهدف فقط إلى إثارة اهتمام الجمهور، بل تسعى أيضا إلى تعزيز صورة الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الأقوى، والأكثر قدرة على إنهاء الحرب وفقا لمصالحها ورؤيتها.

كما تعد الصور امتدادا لنهج ترمب القائم على منطلق "الردع بالقوة"، إذ تُستخدم كأداة لصناعة محاكاة بصرية للحرب، وتكريس سردية تقوم على إظهار التفوق العسكري الأمريكي، حتى لو لم يكن ذلك موجودا على أرض الواقع.

ويحاول ترمب أيضا تعزيز سردية "النصر الأمريكي" عن طريق هذه الصور، حتى لو أُثبت العكس عبر معطيات الميدان، أو فنّدت إيران تلك الادعاءات عبر وقائع ملموسة على الأرض.

وبناء على ذلك، يمنح الذكاء الاصطناعي ترمب قدرة فائقة على تصميم مشاهد مثالية للحرب، وهو ما يمكنه بكل سهولة من فرض سردية بصرية عن مجريات الحرب مع إيران بضغطة زر، وإدارة المعركة رقميا بمعزل عن مسارها الفعلي.

ترمب نشر خريطة تُظهر إيران وهي مغطاة بالعلم الأمريكي مع عبارة "الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟" (حساب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال")توقيت الصور

ومن اللافت أيضا أن ترمب يتعمد نشر هذه الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في توقيتات بالغة الحساسية، مرتبطة إما باقتراب موعد انتهاء الهدنة مع إيران أو عند تقدم فرص التوصل لاتفاق خلال المفاوضات.

لذلك، يمكن فهم أن ترمب يحاول مخاطبة قاعدته الشعبية من خلال هذه الصور، خاصة أن قرار الحرب على إيران يواجه معارضة داخلية شديدة، عبر إظهار نفسه بصورة الزعيم القوي والحاسم، القادر على فرض شروطه في نهاية المطاف وانتزاع ما يريده من إيران، وإقناع الشارع الأمريكي بأن هذه المواجهة كانت -ولا تزال- ضرورية لحماية البلاد من الخطر الإيراني.

وفي أوقات الحروب والأزمات، تصبح "صورة القائد" عنصرا أساسيا في المعركة السياسية الداخلية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية أو تصاعد الجدل حول إدارة الحرب. ولهذا، تبدو صور الذكاء الاصطناعي جزءا من عملية تسويق سياسي تهدف إلى إظهار ترمب باعتباره ممسكا بزمام الأمور، وقادرا على التحكم في مخرجات الحرب.

وتعكس هذه الظاهرة تحولا أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المعارك تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضا بالصور والخوارزميات والمحتوى الرقمي. وفي سياق الحرب على إيران، تمنح صور الذكاء الاصطناعي ترمب قدرة على تجاوز تعقيدات الواقع العسكري والسياسي، وتجسيد رؤيته الخاصة القائمة على ثلاث ركائز:

إعلان إظهار الولايات المتحدة بوصفها "الطرف المنتصر". تقديم إيران على أنها خاضعة للضغط والهيمنة الأمريكية. ترسيخ صورة ترمب باعتباره قائدا قادرا على إدارة الصراع.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات بالذکاء الاصطناعی الذکاء الاصطناعی الولایات المتحدة الرئیس الأمریکی تروث سوشیال على منصته هذه الصور

إقرأ أيضاً:

وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا

افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع طفيف، بعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الأسابيع الماضية، بينما عززت التطورات الإيجابية في قطاع الذكاء الاصطناعي ثقة المستثمرين بأسهم التكنولوجيا، وفق ما أوردته وكالة رويترز.

وتراجع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنحو 166 نقطة، ما يعادل 0.33 بالمئة، ليصل إلى 50,912 نقطة، بينما انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.06 بالمئة إلى 7,595 نقطة، وتراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بنسبة 0.21 بالمئة إلى 27,030 نقطة.

ورغم الأداء السلبي للمؤشرات، تلقى قطاع الذكاء الاصطناعي دفعة قوية بعد إعلان شركة "هيوليت باكارد إنتربرايز" نتائج مالية فاقت توقعات الأسواق، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقفز سهم الشركة بنسبة تراوحت بين 25 و29 بالمئة، بعدما رفعت توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026 إلى ما بين 29 و33 بالمئة، كما أعلنت تقديم أهدافها المالية المقررة لعام 2028 إلى العام الجاري، مستفيدة من الطلب المتنامي على تقنيات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وتوسعات مراكز البيانات.

كما كشفت الشركة عن إطلاق خوادم جديدة تعتمد على معالجات "فيرا" من شركة إنفيديا، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.


في المقابل، أعلنت شركة "ألفابت"، المالكة لمحرك البحث "غوغل"، خطة لجمع 80 مليار دولار بهدف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها، بحسب تقارير اقتصادية أمريكية.

وتشمل الخطة استثمارا خاصا بقيمة 10 مليارات دولار من شركة "بيركشاير هاثاواي" التابعة للملياردير الأمريكي الشهير وارن بافيت، فيما تسعى ألفابت إلى رفع إنفاقها الرأسمالي خلال عام 2026 إلى ما بين 180 و190 مليار دولار.

ورغم ضخامة المشروع، تراجع سهم "ألفابت" بنحو 2.3 بالمئة، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الطرح الجديد للأسهم على قيمة حصصهم الحالية.

وامتدت موجة التفاؤل إلى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سوبر ميكرو كمبيوتر" بنسبة 5.6 بالمئة، بينما صعد سهم "ديل" بنحو 3 بالمئة.

كما واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها، إذ ارتفع سهم "إنفيديا" بنسبة 2.6 بالمئة، في حين قفز سهم "برودكوم" بنسبة 4.5 بالمئة، في ظل استمرار الرهانات على النمو السريع لسوق الذكاء الاصطناعي عالميا.

ويرى محللون أن الأداء القوي للشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعكس تحولا متزايدا في توجهات المستثمرين نحو القطاعات التكنولوجية القادرة على الاستفادة من الطفرة الحالية، رغم الضغوط التي تواجه الأسواق نتيجة ارتفاع التقييمات وجني الأرباح بعد المكاسب القياسية الأخيرة.

مقالات مشابهة

  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • ترمب ينفي توقف المحادثات مع إيران: مستمرة يومياً
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • «يوتيوب» تضيف أدوات وميزات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي