في ظلمة الليل البهيم، في غابات العصر الطباشيري الكثيفة، حيث غربت الشمس، وتلبدت السماء بالغيوم، وارتفعت الأشجار السامقة فوق كل شيء، كانت ومضات خضراء صغيرة تتلألأ بين السرخسيات، كاسرة عتمة ذلك العالم القديم.

اليوم، تعود تلك الومضات إلى اليراعات، وهي خنافس تنتمي إلى فصيلة لامبيرادي، المعروفة تحديدا بقدرتها على إنتاج الإشارات الضوئية عبر أعضاء متخصصة في البطن، لكن هل يُعقل أن تكون مثل هذه "الفوانيس الطبيعية" قد أضاءت الأرض فعلا في زمن كانت فيه الديناصورات لا تزال تهيمن على الكوكب؟

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة "بروسيدنغز أوف ذا رويال سوسيتي بي" (Proceedings of the Royal Society B)، كشف العلماء أن أحفورة خنفساء صغيرة الحجم عُثر عليها في شمال ميانمار تعود بالفعل إلى يراعة حقيقية محفوظة بصورة استثنائية داخل كهرمان منذ 99 مليون عام، ما يدفع بأصل اليراعات المضيئة إلى عصر الديناصورات.

البنية التشريحية للأحفورة المتحجرة تشبه إلى حد كبير أفراد عائلة اليراعات المعاصرة (بروسيدنغز أوف ذا رويال سوسيتي بي)يراعة من العصر الطباشيري

اكتُشف هذا الكائن الجديد، الذي يعود إلى منتصف العصر الطباشيري قبل نحو 98–99 مليون سنة، داخل كهرمان بورمي نشأ من غابات قديمة كانت تغطي أجزاء مما يُعرف اليوم بميانمار، وكانت تلك الغابات تنتج كميات كبيرة من الراتنج، وهو إفراز عضوي صمغي قادر على احتجاز الحشرات والنباتات والريش والكائنات الصغيرة الأخرى بتفاصيل استثنائية.

وتقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، يوشيا يانغ، الباحثة في مختبر علم تصنيف الحيوان وتطبيقاته بكلية علوم الحياة في جامعة خبي بالصين "من خلال استخدام تحليل مقارن موسع شمل أكثر من 400 سمة شكلية، إضافة إلى بيانات جينية مستخلصة من أنواع معاصرة من اليراعات، تمكنا من تصنيف الأحفورة ضمن فصيلة لوسيوليناي (Luciolinae)، وهي إحدى أهم الفصائل الفرعية لعائلة لامبيرادي، التي تعد أكثر المجموعات الأرضية ثراء بالكائنات القادرة على إنتاج التلألؤ الحيوي".

إعلان

وتوضح يانغ في حديثها للجزيرة نت أن "اليراعات الحديثة تولد ذلك الضوء الصغير عبر تفاعل كيميائي داخلي يشمل الأكسجين ومركبات اللوسيفيرين وإنزيم اللوسيفيراز، من دون الحاجة إلى مصابيح أو أسلاك أو بطاريات، وتسمح هذه العملية للحشرات بإنتاج ومضاتها الضوئية الشهيرة بكفاءة عالية للغاية، مع فقدان حراري محدود جدا".

وتمثل هذه العينة أول أحفورة مؤكدة ليراعة من فصيلة لوسيوليناي تعود إلى العصر الطباشيري، ما يعني أن السلالة التي تنتمي إليها العديد من اليراعات الحديثة كانت موجودة بالفعل قبل ما لا يقل عن 99 مليون عام، ما يكشف أن هذه الخنافس المضيئة كانت قد طورت بالفعل قدرات متقدمة لإنتاج الضوء في الوقت الذي كانت فيه الديناصورات، مثل التيرانوصور وغيره، لا تزال تجوب الأرض.

دلائل على التلألؤ الحيوي

أطلقت يانغ وفريقها على هذا النوع الجديد اسم كريتولوسيولا بيرمانا (Cretoluciola birmana)، وهو اسم يجمع بين انتمائه إلى فصيلة اليراعات الفرعية لوسيوليناي، التي يعني اسمها "الضوء الصغير".

وعلى الرغم من أن طول الأحفورة حوالي 6.6 مليمتر فقط، فإنها محفوظة بتفاصيل مدهشة، وتكمن أكثر تفاصيلها إثارة في بنيتها التشريحية التي تشبه إلى حد كبير أفراد عائلة اليراعات الحديثة، إذ تمتلك عينين كبيرتين، وقرون استشعار خيطية الشكل، و6 حلقات بطنية سفلية واضحة، إضافة إلى عضو ضوئي ثنائي الأجزاء لدى الذكور يقع في منطقة البطن.

ورغم أن هذا التفصيل قد يبدو بسيطا ظاهريا، إلا أنه يحتفظ في داخله بجزء هائل من تاريخ اليراعات، كما يعزز الأدلة التي تشير إلى أن التلألؤ الحيوي اكتسب أدوارا بيئية متعددة عبر الزمن، ليصبح أحد أبرز التكيفات المعروفة في عالم الحشرات.

وبذلك تحمل الأحفورة -التي حددها العلماء على أنها تعود لذكر يراعة استنادا إلى خصائصها الجسدية وسمات منطقة البطن- السمات النموذجية الحديثة بشكل لافت ليراعات لوسيوليناي، ما يضع هذه المجموعة في مرحلة أعمق بكثير من تاريخ الأرض مما كان يتوقعه كثير من الباحثين سابقا، ويعزز الفرضية القائلة إن السمات الأساسية لليراعات تكيفت في وقت مبكر على نحو مدهش.

وتشير هذه السمات إلى أن اليراعات ربما استخدمت توهجها آنذاك للتودد أو التواصل أو التحذير، تماما كما تفعل اليوم، إذ تبعث إشارات ضوئية إلى المفترسات في غابات العصر الطباشيري المظلمة، بأن افتراس هذا الكائن قد يكون فكرة سيئة للغاية. أما لدى البالغات، فقد أصبح التوهج، عبر خطوط تاريخية عديدة، إشارة جنسية أيضا، ونداء يُطلق في الظلام.

وتقترح يانغ أن "اليراعات المبكرة كانت على الأرجح ليلية النشاط، واعتمدت على الإشارات الضوئية، وجمعت بين إستراتيجيات متعددة، تشمل التعرف على الأفراد، واختيار الشريك المناسب، وردع المفترسات داخل بيئات طبيعية خالية من أي مصادر إضاءة اصطناعية".

وتقول "إذا حاولنا تخيل المشهد، فسنرى أنه خلال العصر الطباشيري، وبين الغابات الرطبة والراتنج والكائنات القديمة، كانت هذه الخنافس الصغيرة على الأرجح تطلق ومضات ضوئية بنمط قريب جدا مما نراه لدى اليراعات الحديثة، ما يشير إلى استقرار هذا النظام عبر عشرات ملايين السنين".

تمثل هذه العينة أول أحفورة مؤكدة من فصيلة الخنافس المضيئة من العصر الطباشيري (بروسيدنغز أوف ذا رويال سوسيتي بي)أكثر من مجرد وهج قديم

وهنا تحديدا تكتسب الأحفورة أهميتها. فقد ظل التاريخ المبكر لليراعات والزمن الذي ظهرت فيه ظاهرة التلألؤ الحيوي لأول مرة لغزا لفترة طويلة، بسبب ندرة الأحافير المفيدة وغالبا عدم اكتمالها. لكن وجود حشرة محفوظة بهذه الجودة داخل الكهرمان يغير ثقل الفرضيات العلمية، لأنه يقدم أقدم دليل معروف حتى الآن على وجود تقنية بيولوجية متناهية الصغر بعد ما يقرب من مئة مليون سنة.

إعلان

ويفتح هذا الاكتشاف أيضا نافذة جديدة على فهم تنوع اليراعات القديمة. إذ باتت هوية أحافير خنافس متوهجة تعود إلى الحقبة نفسها، مثل جنسي فلاماريونيلا وبروتولوسيولا، اللذين ارتبطا سابقا بمجموعة لوسيوليناي، موضع شك الآن.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن هذه العينات كانت تنتمي إلى سلالات مختلفة، وقد لا تكون في الواقع يراعات حقيقية من مجموعة لوسيوليناي، ما يعني أن صورة اليراعات في العصر الطباشيري قد تكون أكثر تنوعا وتعقيدا مما تصور العلماء سابقا، وأن الغابات القديمة ربما كانت مأهولة بحياة متوهجة أكثر ثراء بكثير مما كان يُعتقد.

وحول أهمية هذا الاكتشاف، تقول الباحثة إن "الأحفورة تسد فجوة علمية مهمة بين الخنافس القديمة وأنواع اليراعات الحالية، إذ أصبح بإمكاننا الآن القول بثقة إن هذه الحشرات كانت موجودة بالفعل قبل 99 مليون عام، وكانت تمتلك أعضاء تلألؤ حيوي شبيهة بتلك الموجودة لدى الأنواع الحديثة".

وتضيف أن "ذلك يعني أن هذه الفوانيس الحية كانت تضيء غابات العصر الطباشيري في وقت كانت فيه النظم البيئية تشهد تحولات كبرى مع ظهور النباتات المزهرة والطيور المبكرة وتنوع الزواحف العملاقة".

وتشير يانغ إلى أن أهمية اليراعات لا تقتصر على فهم الماضي، بل تمتد إلى الحاضر أيضا، موضحة أن "إنزيم اللوسيفيراز المسؤول عن إنتاج الضوء لدى اليراعات يُستخدم اليوم في مجالات التقنيات الحيوية وعلوم الأدلة الجنائية والأبحاث الطبية بوصفه مؤشرا حيويا لتتبع نشاط الخلايا ووظائفها".

في المجمل، يظهر هذا الاكتشاف أن كثيرا من الظواهر الطبيعية التي نراها اليوم تمتلك جذورا أعمق بكثير مما نتخيل، في تذكير بقدرة الطبيعة على الحفاظ على تكيفات ناجحة عبر عشرات الملايين من السنين حتى تستمر إلى يومنا هذا.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات العصر الطباشیری ملیون عام إلى أن

إقرأ أيضاً:

«مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط

في إطار إثراء المكتبة العربية بالدراسات الأكاديمية الرصينة التي تعيد قراءة الوعي التاريخي والمصدري للمشرق الإسلامي، صدر عن دار «أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع» بالقاهرة، كتاب جديد بعنوان «مصر والحروب الصليبية: دراسة في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي» للباحثة الأكاديمية لمياء شكر محمد شريف، وبتقديم متميز من الأستاذة الدكتورة زاهدة محمد طه المزوري أستاذ التاريخ بجامعة دهوك.

قراءة في منهج «مؤرخ النيل» ابن تغري بردي

 

تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا الكتاب من كونه لا يقف عند حدود الرصد التقليدي للحملات الصليبية، بل يتخذ زاوية تحليلية ومصدرية تقوم على استقراء دور مصر عبر عيون أحد أبرز مؤرخي العصر المملوكي المتأخر، وهو المؤرخ الشهير ابن تغري بردي في موسوعته الخالدة «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة».

يكشف الكتاب بكفاءة منهجية عن كيفية توظيف هذا المؤرخ لمصادره المتنوعة ورؤيته التركيبية التي جمعت بين السرد والتحليل والتفسير لصياغة الوعي التاريخي للدولة في العصر الوسيط.

جاء الكتاب متبوعاً بتمهيد تاريخي وأربعة فصول رئيسة مكثفة وخاتمة، تتناول بالتفصيل دور مصر كقوة سياسية وعسكرية وحضارية مركزية ومحورية شكلت "القلب النابض" وحائط الصد الدفاعي عن العالم الإسلامي بأسره، وذلك عبر الحقب التاريخية المتواصلة للدول الثلاث.

يستعرض الكتاب أوضاع العالم الإسلامي قبيل الحروب، والدوافع الغربية لإطلاق الحملات الصليبية، ويتناول سيرة ابن تغري بردي، معطيات عصره، شيوخه، ومنهجه ودوافع تأليفه لكتاب "النجوم الزاهرة"، كما يناقش موقف مصر من الغزو الصليبي في العصر الفاطمي (حملة بلدوين الأول، وأزمة الوزارة وتداعيات سقوط الدولة).

ويدرس الكتاب دور مصر في مواجهة الصليبيين وتوحيد الجبهة الإسلامية في العصر الأيوبي، بدءاً من معارك الناصر صلاح الدين وحطين، وصولاً للحملتين الخامسة والسابعة وسقوط الدولة الأيوبية، ويبحث جهود السلاطين المماليك (الظاهر بيبرس، المنصور قلاوون، والأشرف خليل) في تقويض الكيانات الصليبية وإنهاء وجودها ببلاد الشام.

التفاتة علمية لـ "حركات القرصنة البحرية"

ومما يمنح الكتاب تفرداً بحثياً ملموساً، هو تسليطه الضوء على جانب بالغ الأهمية كثيراً ما يغفل في الكتابات التقليدية؛ وهو دراسة استمرار الخطر الصليبي بعد طردهم من بلاد الشام ولجوء فلولهم المنهزمة إلى جزيرتي قبرص و رودس، حيث تحول نشاطهم إلى أعمال بحرية وعمليات قرصنة هددت الاقتصاد المصري والتجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكيف جابهت الأساطيل المصرية في العصر المملوكي تلك التحركات والتصدي لها بحملات السلاطين (مثل برسباي وجقمق).

وتكتسب هذه المرحلة قيمة توثيقية عالية لأن ابن تغري بردي كان شاهداً قريباً على بعض تطوراتها المعاصرة لعصره.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بالصور: من هي جيلان الجباس زوجة عمر مرموش وكم عمرها؟
  • هل تنجح «المكملات الغذائية» في كبح أخطر أمراض العصر؟
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • «مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
  • موعد أذان الفجر.. مواقيت الصلاة غدا الأربعاء بالقاهرة والمحافظات
  • سيارة عمرها 54 عامًا.. عودة أسطورة فورد تشعل مزادات السيارات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • خبير يحذر من عادة شائعة تُتلف المقالي غير اللاصقة وتقلص عمرها