هل تنجح أكبر خمسة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي بتحقيق أهداف المناخ لعام 2030؟
تاريخ النشر: 28th, May 2026 GMT
ينفد الوقت أمام القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي لتعديل سياساتها، وإلا فإنها قد تفشل في الوفاء بالتزاماتها القانونية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
مرّت ست سنوات منذ أن اتفق الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بما لا يقل عن 55 في المئة بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
هذا الهدف على مستوى التكتل، الذي أصبح ملزما قانونا في عام 2021، يشكل جزءا من خطة الاتحاد الأوروبي طويلة الأمد لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050. وفي مارس الماضي، اعتمد المجلس الأوروبي أيضا هدفا مرحليا يلزم الدول الأعضاء السبع والعشرين بخفض صافي انبعاثاتها من الغازات الدفيئة بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2040 مقارنة بعام 1990.
ومع ذلك، يمكن اعتبارا من عام 2036 استخدام "أرصدة دولية عالية الجودة" بما يصل إلى حد أقصاه خمسة في المئة من صافي انبعاثات الاتحاد الأوروبي لعام 1990 للمساهمة في تحقيق هدف 2040. وسيسمح ذلك للدول الأعضاء بشراء أرصدة ناتجة عن مشروعات خفض الانبعاثات في دول أخرى واحتساب هذه التخفيضات ضمن أهدافها الخاصة.
ويرى المنتقدون أن هذه الثغرة قد تؤدي إلى تأجيل "التخفيضات الحقيقية والطموحة داخل الاتحاد الأوروبي". وتقول سارة هِك من منظمة "Climate Action Tracker" لموقع "Euronews Earth": "إنها خطوة تراجعية تنطوي على مخاطر، وتقوض المبدأ القائل إن أهداف المناخ ينبغي أن تدفع إلى خفض فعلي للانبعاثات على الصعيد الوطني".
لكن هل ستتعثر أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي عند أول اختبار؟
هل تقوض ألمانيا أهدافها لخفض الانبعاثات؟أهداف خفض الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي تُحتسب على مستوى التكتل، ما يعني أن ليس كل دولة على حدة مطالبة بخفض انبعاثاتها بنسبة 55 في المئة بالكامل حتى يتحقق الهدف العام. وقد حددت دول عديدة أهدافا وطنية خاصة بها.
ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، ذهبت إلى أبعد من ذلك خطوة، وتعهدت بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة لديها بنسبة لا تقل عن 65 في المئة بحلول عام 2030.
وينص على ذلك قانون حماية المناخ الاتحادي، وهو أول قانون وطني رئيسي للمناخ في البلاد. وفي مارس، كشف المستشار فريدريش ميرتس عن برنامج من 67 بندا لمعالجة المخاوف من احتمال عدم تحقيق الهدف.
ويشمل البرنامج تعزيز الطاقة المتجددة عبر إضافة 12 غيغاواط من قدرات توربينات الرياح على البر، وتطبيق برامج لدعم مبيعات المركبات الكهربائية ("EV")، فضلا عن خطوات لحماية الغابات وصحة التربة.
على الرغم من هذه الجهود، يحذر تقرير جديد لمجلس خبراء تغير المناخ من أن ألمانيا قد تتجاوز توقعاتها لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يصل إلى 100 مليون طن متري. فقد ظلت انبعاثات الغازات الدفيئة في عام 2025 شبه مستقرة، إذ إن التراجع في قطاعي الصناعة والطاقة قابله ارتفاع في قطاعي البناء والنقل.
وجاء في تقرير المجلس: "لم يعد قطاع استخدام الأراضي وتغيير استخدام الأراضي والغابات ("LULUCF") يظهر في بيانات التوقعات كمصرف للكربون، بل كمصدر للانبعاثات، وهو اتجاه يُتوقع أن يستمر حتى عام 2045 وما بعده".
وعلى الرغم من أن ألمانيا حققت حتى الآن خفضا قدره 48 في المئة فقط في انبعاثات الغازات الدفيئة، فقد خففت الحكومة مؤخرا مسودة قانون كان سيفرض على الأسر استبدال الغلايات العاملة بالوقود الأحفوري ببدائل صديقة للمناخ.
وقالت زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر كاترينا دروجه، وهو الحزب الذي قدم مشروع القانون الأصلي في عام 2023، إن ما حدث يمثل "تخليا كاملا عن أهداف ألمانيا المناخية".
فرنسا تحتاج إلى تسريع وتيرتها لبلوغ هدف خفض الانبعاثاتتمتلك فرنسا هدفا أقل طموحا بقليل، إذ تسعى إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 50 في المئة بحلول عام 2030.
وبحسب مركز الأبحاث في الطاقة "Ember"، كانت فرنسا أكبر مورّد للطاقة النظيفة في الاتحاد الأوروبي عام 2025، مع تصدر الطاقة النووية للمشهد. ولم يسهم الوقود الأحفوري سوى في 5.2 في المئة من إنتاج الكهرباء في البلاد العام الماضي، في حين ساعد نمو طاقة الرياح والشمس على خفض انبعاثات قطاع الكهرباء بشكل كبير.
وتُظهر بيانات المنظمة غير الحكومية "Citepa" أن منحى الانخفاض في الانبعاثات مستمر، وإن كان "بوتيرة بطيئة". فقد قدّر مرصد الانبعاثات الشهرية للغازات الدفيئة في أبريل تراجعا بنسبة 1.5 في المئة في عام 2025، بعد انخفاض قدره 1.8 في المئة في 2024، و6.8 في المئة في 2023.
ويقف خلف هذا التراجع في الانبعاثات المحلية أساسا تباطؤ النشاط الصناعي، إذ انخفض قطاعا التصنيع والبناء بنسبة 3.4 في المئة على أساس سنوي.
غير أن تحقيق هدف 2030 يقتضي من فرنسا خفض انبعاثاتها بنسبة 4.6 في المئة سنويا، ما يعني أنها بحاجة إلى التحرك بسرعة تفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف وتيرتها الحالية.
Related أوروبا تحت وطأة الحر الشديد..هل تصبح المضخات الحرارية بديلا صديقا للبيئة؟من التدفئة إلى السيارات الكهربائية.. كيف يمكن للأسر الأوروبية توفير آلاف اليوروهات سنويًا؟ويُعد قطاع النقل العائق الرئيسي أمام فرنسا، إذ يسهم بما يقرب من ثلث الانبعاثات الوطنية. ومن المتوقع أن تكون انبعاثات هذا القطاع قد انخفضت بنسبة 1.4 في المئة فقط في عام 2025، مقابل هدف سنوي يبلغ خمسة في المئة.
لمواجهة هذا التباطؤ في خفض الانبعاثات، باتت فرنسا تركز بشكل متزايد على الكهربة. ففي مؤتمر سانتا مارتا حول انتقال الطاقة في أبريل، كشفت باريس عن خارطة طريق وطنية للخروج من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وتنص الخطة على وقف استخدام الفحم بحلول عام 2030، والنفط بحلول 2045، والغاز لإنتاج الطاقة بحلول 2050. كما توحد الإجراءات القائمة، بما فيها حظر الغلايات العاملة بالغاز في المباني الجديدة اعتبارا من عام 2026، والهدف القاضي بأن تكون ثلثا السيارات الجديدة كهربائية بحلول عام 2030، إضافة إلى تجديد التزام فرنسا بدعم الانتقال في دول أخرى.
ورغم الترحيب بهذه الخطوة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان تحديد أهداف بعيدة المدى إلى هذا الحد سيساعد البلاد على تحقيق هدفها لعام 2030.
إيطاليا لا تزال تتمسك بالفحم الملوثبموجب أهداف الاتحاد الأوروبي، يتعين على إيطاليا خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 43.7 في المئة بحلول عام 2030.
وشهدت البلاد "نموّا ملحوظا" في قطاع الطاقة المتجددة، إذ تُظهر بيانات مشغل نظام النقل الوطني "Terna" أن 41 في المئة من استهلاك الكهرباء في عام 2025 جاء من مصادر متجددة، تقودها طفرة كبيرة في الطاقة الشمسية التي وفرت 14.5 في المئة من مزيج الكهرباء.
مع ذلك، تحذر الوكالة الأوروبية للبيئة (EEA) من أن بلوغ هدف خفض الانبعاثات يتطلب "تسريعا كبيرا" في وتيرة نشر الطاقة المتجددة. ورغم هذه التحذيرات، لا تزال إيطاليا متمسكة بالوقود الأحفوري الملوث، حتى في الوقت الذي تُظهر فيه الحرب على إيران مخاطر الاعتماد على النفط والغاز.
وفي أبريل، أعلنت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني خططا لتأجيل الإغلاق الدائم لـمحطات الفحم في البلاد حتى عام 2038، أي بعد 13 عاما من الموعد النهائي الأولي، وبتأخير قدره ثماني سنوات عن هدف 2030.
وهاجمت منظمات بيئية والمعارضة المنتمية إلى يسار الوسط هذه الخطوة بشدة، واتهم أنجيلو بونيلّي، زعيم حزب "أوروبا فيردي" البيئي، الحكومة بـ"الإهمال المناخي".
ويحذر تقرير صدر عام 2026 عن المعهد الإيطالي لحماية البيئة والبحوث ("ISPRA") من أن "مشكلات حرجة" تعترض انتقال الطاقة في إيطاليا، وإزالة الكربون من قطاع النقل، وكفاءة نظم الإنتاج، ما يجعل من غير المرجح أن تحقق البلاد هدف خفض الانبعاثات المطلوب لعام 2030.
إسبانيا قد تكون الرابح الأكبر في الاتحاد الأوروبي على صعيد خفض الانبعاثاتغالبا ما تُعد إسبانيا من الاقتصادات الأفضل أداء في الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بانتقال الطاقة، مع هدف يقضي بخفض الانبعاثات بنسبة 32 في المئة بحلول عام 2030.
ويفوق مزيج الطاقة المتجددة لديها متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 30 في المئة، إذ شكلت المصادر النظيفة 75 في المئة من مزيج الكهرباء في عام 2025. وخلال العقدين الماضيين، تراجعت انبعاثات قطاع الكهرباء في إسبانيا بأكثر من ثلثيها، بفضل التوسع في طاقتي الشمس والرياح على حساب الوقود الأحفوري.
ومؤخرا، كشفت البلاد عن خطة انتقال طاقي بقيمة تسعة مليارات يورو لجعل المنازل أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وتشجيع المجتمعات على تقاسم الكهرباء. وتشمل الخطة أيضا توفير وسائل نقل عام شبه مجانية لذوي الدخل المنخفض.
ويؤكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن التحول الأخضر لن يكتب له النجاح إلا إذا كان "عادلا"، محذرا من أن الجهود الرامية إلى تحقيق الحياد المناخي قد تتباطأ بسبب "الخطاب الإنكاري".
وبحسب مرصد الحياد المناخي الأوروبي ("ECNO")، يمكن لإسبانيا أن تتجاوز هدفها، وأن تصل إلى خفض في الانبعاثات بنسبة 41.4 في المئة بحلول عام 2030، إذا واصلت تنفيذ السياسات الرامية إلى امتصاص الكربون من الغلاف الجوي وتعزيز الطاقة النظيفة.
لماذا تحتاج هولندا إلى "تدابير أكثر صرامة"؟رغم أن هولندا تُنظر إليها غالبا على أنها دولة خضراء، فإن بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة تكشف عن "حصيلة متباينة".
ففي وقت سابق من هذا العام، أصبحت أمستردام أول عاصمة في العالم تحظر الإعلانات المضرة بالمناخ في الفضاءات العامة، فاختفت من شوارعها اللوحات الإعلانية التي تروج للوقود الأحفوري واللحوم. وجاءت هذه الخطوة على خطى عدد من المدن الهولندية الأخرى التي فرضت حظرا مشابها، مثل أوترخت ولاهاي وزفوله ودلفت ونايميخن.
ووفقا لـEmber (المصدر باللغة الإنجليزية)، تنتج هولندا أكبر قدر من الطاقة الشمسية للفرد مقارنة بأي دولة أخرى في أوروبا، فيما تؤمن طاقتا الرياح والشمس وحدهما 46 في المئة من مزيج الكهرباء عام 2025. ورغم أن الطاقة النظيفة شكلت 54 في المئة من كهرباء هولندا العام الماضي، فإن البلاد لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، ولا سيما الغاز.
وتواجه هولندا أيضا تبعات انبعاثات النيتروجين منذ قرار مجلس الدولة عام 2019 الذي خلص إلى أن مستويات الانبعاثات مرتفعة للغاية وتلحق الضرر بالمناطق الطبيعية.
ولا يُسمح للقطاعين الزراعي والاقتصادي بالتوسع من دون التصاريح اللازمة، ما يعطل قطاع البناء، خصوصا في ما يتعلق بمشاريع الإسكان وبنية الطاقة المتجددة التحتية ومشاريع الدفاع.
وبالتالي، يرى تقرير صدر عام 2025 عن وكالة التقييم البيئي الهولندية "PBL" (المصدر باللغة الإنجليزية) أنه من "غير المرجح للغاية" أن تحقق هولندا هدف خفض الانبعاثات بنسبة 55 في المئة بحلول عام 2030.
ويشير التقرير إلى أن نشر مشروعات الاستدامة واسعة النطاق في البلاد يشهد "جمودا"، إذ تؤدي التأخيرات في مزارع الرياح البحرية إلى توليد طاقة نظيفة أقل من المتوقع.
وجاء فيه أيضا: "إن عدد المسارات السياسية المحتملة التي يمكن أن تقود إلى خفض الانبعاثات بنسبة 55 في المئة بحلول عام 2030، من دون أضرار اقتصادية جسيمة أو مقاومة مجتمعية واسعة، بات يتقلص أكثر فأكثر".
ويحذر التقرير من أنه "علاوة على ذلك، لا تكاد توجد أي تخفيضات في الانبعاثات قيد الإعداد لما بعد عام 2030. ومن ثم من بالغ الأهمية اتخاذ تدابير أكثر صرامة تدعم تحولا هيكليا نحو هولندا محايدة مناخيا على المدى الطويل".
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل دونالد ترامب إيران جنوب لبنان إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل دونالد ترامب إيران جنوب لبنان إيران غرينلاند الاتحاد الأوروبي غازات دفيئة تغير المناخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل دونالد ترامب إيران حزب الله جنوب لبنان حروب غزة الصحة وقف إطلاق النار لبنان خفض انبعاثات الغازات الدفیئة فی الاتحاد الأوروبی هدف خفض الانبعاثات الانبعاثات بنسبة الطاقة المتجددة الوقود الأحفوری فی الانبعاثات الکهرباء فی فی المئة من فی البلاد فی عام 2025 إلى خفض
إقرأ أيضاً:
5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام
أثبت النصف الأول من عام 2026 أن طابع قطاع البناء في دولة الإمارات لم يعد يقتصر على النمو فحسب. يشهد القطاع حالياً انتقالاً نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث باتت القدرة على إنجاز المشاريع بكفاءة واستدامة وعلى نطاق واسع تضاهي في أهميتها مرحلة إطلاق هذه المشاريع. وبحلول عام 2029، من المتوقع أن يصل حجم قطاع البناء في الإمارات إلى نحو 130.8 مليار دولار أمريكي، مما يعكس استمرار الثقة في البيئة العمرانية ومتانة مشاريع التطوير المرتقبة على المدى الطويل.
تدرك شركة “أكسس كونسلت”، بخبرتها التي تمتد لأكثر من 27 عام في قطاع العقارات بدولة الإمارات، أنّ السوق مقبل على مرحلة تتطلب معايير أعلى، إذ بات المطورون يولون اهتماماً متزايداً لطيف من العوامل تشمل: القدرة على الإنجاز، والامتثال للوائح التنظيمية، والاستدامة، والمرونة، والقيمة طويلة الأمد للأصول.
استناداً إلى المؤشرات والاتجاهات التي رُصدت خلال النصف الأول من عام 2026، يستعرض محمد صلاح سيجين، الرئيس التنفيذي لشركة “أكسس كونسلت”، خمسة دروس رئيسية ستحدد ملامح قطاع وأنشطة البناء خلال النصف الثاني من العام.
عدد المشاريع يرفع سقف متطلبات التنفيذ
يواصل قطاع البناء في دولة الإمارات نشاطه القوي، مدعوماً بقوة الطلب العقاري، والنمو السكاني، واهتمام المستثمرين المستمر. تشير بيانات دبي للربع الأول من العام إصدار 10,776 تصريح بناء، بزيادة قدرها 12% مقارنة بالربع الأول من عام 2025. وفي الوقت نفسه، بلغت قيمة التصرفات العقارية في دبي 252 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، مما يعكس ثقة المستثمرين الكبيرة في السوق.
يتمثل التحدي الأبرز للنصف الثاني من العام في القدرة على إنجاز المشاريع وتسليمها، فمع المضي قدماً في تنفيذ المزيد من المشاريع في آن واحد، تتزايد الضغوط على الاستشاريين والمقاولين.
لا يحقق العدد الكبير للمشاريع قيمة فعلية إلا إذا توفرت لدى السوق القدرات الفنية والتشغيلية اللازمة لإنجازها، وهذا يعني أن على المطورين إيلاء أهمية أكبر للتخطيط المبكر، ووضع جداول زمنية واقعية، وتحديد هياكل واضحة للمشاريع، فالمشاريع التي تبدأ بفرق عمل منسقة ونطاقات عمل محددة بدقة ستكون في وضع أفضل يتيح لها التقدم بكفاءة وفعالية.
المرونة جزءٌ لا يتجزأ من التخطيط الذكي للمشاريع
أكّد النصف الأول من عام 2026 أهمية المرونة في تخطيط عمليات البناء، ففي ظل سوق تتسم بالسرعة والترابط العالمي، تعني المرونة ضمان استمرار تقدم المشاريع بسلاسة حتى عند تغير الظروف الخارجية. وبالنسبة للمطورين، يقتضي ذلك إيلاء اهتمام أكبر لتخطيط عمليات الشراء، والتنسيق مع الموردين، وتحديد تسلسل مراحل البناء. كما يتطلب الأمر تحديد المواد أو الأنظمة التي قد تستغرق فترات توريد طويلة، ووضع خطط تراعي هذه الجوانب في مرحلة مبكرة من دورة حياة المشروع.
في النصف الثاني من العام، سيشكل التخطيط المرن لعمليات التسليم ميزة عملية، وسيتميز المطورون الذين يتبنون نهجاً استباقياً أكثر استعداداً بقدرتهم على الحفاظ على مسار المشاريع الصحيح، مع ضمان الجودة والحفاظ على القيمة طويلة الأمد.
الجودة والسلامة ركيزتان أساسيتان لتعزيز ثقة السوق
يشكّل صدور قانون دبي رقم (3) لسنة 2026 بشأن جودة وسلامة المباني أحد أبرز التطورات خلال النصف الأول من عام 2026. يرسّخ هذا التشريع إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً ويؤكد على أهمية المساءلة طوال مراحل دورة حياة المبنى بالكامل.
ومع استمرار توسّع البيئة العمرانية في دبي، بات من الضروري ترسيخ معايير الجودة بدءً من المراحل الأولية للتصميم والحصول على الموافقات إلى مراحل البناء والتسليم والتشغيل طويل الأمد. وبالنسبة للنصف الثاني من العام، يعني هذا أن الرقابة الأكثر وضوحاً والمراجعة الفنية المنضبطة ستصبح أموراً جوهرية.
سيكون للأدوات الرقمية دور مهم في دعم هذا التحول، فمع تزايد تعقيد المشاريع، تساهم التقنيات المختلفة – مثل نمذجة معلومات البناء، ومراقبة المشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية – في مساعدة الاستشاريين والمطورين على تعزيز الرؤية والشفافية خلال مراحل المشروع المختلفة. تتيح هذه الأدوات لفرق العمل تتبع سير العمل بدقة أكبر، وتحديد المشكلات في وقت مبكر، والاحتفاظ بسجل أكثر وضوحاً لأداء المبنى بمرور الوقت.
التصميم المستدام مطلب أساسي في السوق
أكد النصف الأول من عام 2026 أنّ الاستدامة أصبحت مطلباً محورياً في قطاع البناء. يدعم هذا التحول أولويات وطنية، مثل مبادرة الإمارات العربية المتحدة الاستراتيجية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية 2050، فضلاً عن أطر البناء الأخضر المحلية، بما في ذلك التقييم بدرجات اللؤلؤة من استدامة في أبوظبي وتقييم السعفات للمباني الخضراء في دبي.
في دبي، يفرض تقييم السعفات متطلبات إلزامية للمباني الخضراء الجديدة، بينما ساهم تقييم استدامة في صياغة معايير الاستدامة في أبوظبي من خلال تصنيف اللؤلؤة. يدفع هذا فرق المشاريع إلى التفكير مبكراً في المواد، واستهلاك الطاقة، والأثر الكربوني، والراحة الداخلية. كما باتت الاستدامة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برفاهية المستأجرين، لا سيما مع ازدياد تقدير شاغلي المباني والمستثمرين للمباني الصحية.
في النصف الثاني من العام، سيحظى المطورون الذين يدمجون الاستدامة منذ البداية بميزة تنافسية أكبر. يشمل ذلك اختيار مواد مناسبة منخفضة الكربون، وتخطيط أغلفة المباني بكفاءة، وضمان انعكاس متطلبات الاستدامة في المواصفات.
سهولة الوصول عنصرٌ أساسي في قيمة البناء
أحد الدروس الرئيسية الأخرى المستفادة من النصف الأول من عام 2026 هو أن سهولة الوصول قد باتت محوراً أساسياً في تخطيط المشاريع وتقييمها. تُساهم مشاريع النقل والبنية التحتية الكبرى، بما في ذلك قطار الاتحاد، والخط الأزرق لمترو دبي، والخط الذهبي الذي تمت الموافقة عليه مؤخراً، بتغيير نظرة المطورين والاستشاريين إلى النمو.
ينسجم هذا بشكل وثيق مع خطة دبي الحضرية 2040، والتي تضع رؤية طويلة الأجل لمدينة أكثر ترابطاً واستدامة وتركيزاً على الإنسان. تولي الخطة أهمية بالغة لسهولة المشي، ووسائل النقل العام، ومسارات الدراجات، والتنقل المستدام. بالنسبة للمطورين، يعني هذا ضرورة فهم المباني في سياق المدينة ككل. ستحتاج المشاريع المستقبلية إلى مراعاة سهولة الوصول إلى وسائل النقل، وحركة المشاة، والقرب من المراكز التجارية والترفيهية والمجتمعية الرئيسية.