لم يكن غبار الصحراء عند معبر "أرقين" الحدودي مجرد أتربة تثيرها الرياح، بل كان رائحة "الوطن" التي طال انتظارها، هنا تتجسد حكاية ملايين السودانيين الذين حزموا حقائبهم مجددا، لا هروبا من الموت هذه المرة، بل ركضا وراء أمل العيش في الديار.

صحيح أن التحديات الخدمية والمعيشية في الداخل لا تزال معقدة، وصحيح أن البنية التحتية منهكة، إلا أن قوة الجذب الخفية لـ"البيت القديم" والتحسن النسبي للأمن في بعض المناطق، كانا أقوى من مرارة اللجوء، ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 4 ملايين سوداني اختاروا العودة طوعا إلى مناطقهم، متحدين نقص الخدمات الأساسية في سبيل استعادة تفاصيل حياتهم المسلوبة.

ويذكر أن من أبرز المشاكل التي واجهت العائدين تكدس الحقائب والعائلات في محيط المعبر، في انتظار وسائل نقل تقلهم إلى وجهاتهم، في ظل ظروف ازدحام خانقة تزيد من معاناة العابرين وتعمق حالة الإرهاق التي يعيشها المسافرون منذ لحظة وصولهم إلى المنطقة الحدودية.

وأثارت هذه المشاهد موجة غضب واسعة في أوساط السودانيين، الذين عبروا عن استيائهم من الظروف الإنسانية القاسية التي يواجهها العالقون عند معبر أرقين، وسط مطالبات بتدخل عاجل لتحسين الخدمات وتخفيف معاناة المسافرين، وضمان تنظيم أكثر فاعلية لحركة العبور، خصوصا خلال مواسم الذروة.

وبين مبررات الشركات وغياب الرقابة الرسمية، يظل المواطن السوداني البسيط هو من يدفع الثمن من راحته وكرامته، منتظرا تحت أشعة الشمس فرصة ليقول لأهله "كل عام وأنتم بخير" من داخل بيته، وليس من وراء معبر حدودي.

أما عواطف محيي الدين فلم تخرج من بيتها قبل سنوات إلا بعد أن نهشت الحرب جدرانه، واقتحم المسلحون قريتها، ففرت بجسدها إلى مصر، لكن قلبها ظل معلقا هناك، اليوم تعود عواطف والابتسامة تسبق كلماتها "العودة منحتني شعورا بالاستقرار كان مفقودا، لست وحدي، لقد بدأ جيراني في القرية بالعودة فعليا، ونحن الآن نرمم ما دمرته الحرب يدا بيد".

إعلان

وقال المحامي مساعد عبد الرحمن، حتى القانونيين والمثقفين لم ترحمهم آلة الحرب؛ غادر مساعد عبد الرحمن المحامي القادم من عمق "أم درمان" التاريخية، مرغما على مغادرة بلده الذي يعشقه، وبعد ثلاث سنوات من الانتظار في مصر، يحمل عبد الرحمن اليوم حقيبته وقوانينه ويعود وعيناه ترنو نحو المستقبل، "نأمل أن تستقر الأوضاع الأمنية تماما، وأن يدور ترس الاقتصاد والخدمات من جديد.. نريد فقط أن نستأنف حياتنا الطبيعية".

رغم التحذيرات الأممية المستمرة من صعوبة العيش في المناطق المتضررة، ورغم أن الرحلة نحو الاستقرار التام لا تزال طويلة ومحفوفة بالمخاطر، إلا أن تدفق العائلات عبر معبر "أرقين" يثبت يوما بعد يوم أن إرادة الحياة وإعادة بناء الوطن أقوى من أي غربة، إنها رحلة البحث عن "الأمان" في المكان الوحيد الذي يسمونه الوطن.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • «أنا معرفكش ونتكلم بعدين».. وكيل أعمال «صلاح مصدق» يروي تفاصيل أزمته مع الزمالك
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الهلال الأحمر المصري يستقبل الدفعة 45 من المصابين الفلسطينيين
  • أسامح السارق إزاي .. عم شعبان يروي كواليس مفاجئة عن لص إيراد الجرايد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • أوقعته في شباكها ليسقط ضحية بين شركائها.. حكاية عشيقة رجل مهم
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • عرض الأهلي لا يكفي.. هيثم حسن يواصل الرحلة الأوروبية