هل كان الحديث عن دور المسيّرات في حرب أوكرانيا مجرد دعاية؟
تاريخ النشر: 29th, May 2026 GMT
مع تصاعد الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا وصولا إلى عمق البلدين، طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من نظيره الأمريكي دونالد ترمب دعما دفاعيا، وهو ما يراه محللون دليلا على أن الصواريخ هي التي ستحسم هذه الحرب وليست المسيّرات كما يقال.
ففي ظل النقص المتزايد بأنظمة الدفاع الجوي وجّه زيلينسكي الثلاثاء الماضي رسالة إلى ترمب وأعضاء الكونغرس، طلب فيها المساعدة، ودعا الولايات المتحدة إلى الإصغاء لأوكرانيا.
وجاءت رسالة زيلينسكي في ظل وضع قال الرئيس الأوكراني إنه "يستدعي التحرك بسرعة وفعالية". وقد تزامنت مع نقاش القيادة العسكرية الأوكرانية خططا لتنفيذ ضربات مضادة إضافية داخل روسيا، وسط تحذيرات أوروبية من الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع موسكو.
وقبل أيام، وجّهت موسكو تحذيرا شديد اللهجة للرعايا الأجانب والبعثات الدبلوماسية بضرورة مغادرة العاصمة الأوكرانية في أسرع وقت ممكن، وذلك بالتزامن مع إعلان عزمها شن "سلسلة من الضربات الممنهجة والمنسقة" بتوجيهات من الرئيس فلاديمير بوتين.
ومن المقرر أن تستهدف هذه الضربات ما وصفتها الخارجية الروسية بـ"مراكز صنع القرار" ومقار القيادة، إضافة إلى منشآت الصناعات الدفاعية التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية في العاصمة ومحيطها.
ورغم محاولة الأوروبيين تصوير الحرب على أنها "حرب مسيّرات"، إلا أن الطلب الأوكراني يكشف أن منظومات الدفاع الجوي هي التي ستحسم المعركة في نهاية المطاف، برأي المحلل السياسي والإستراتيجي الروسي رولاند بيجاموف.
فأوكرانيا -كما قال بيجاموف في برنامج "ما وراء الخبر"- تعرف أن صواريخ توماهوك الأمريكية "هي الوحيدة القادرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية الروسية التي استخدمت بكثرة وبأنواع متعددة خلال الأيام الأخيرة، كما أكدت أن أوروبا لم تقدم الدعم العسكري الكافي لأوكرانيا خلال هذه الحرب".
إعلانأما الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف، فيرى أن الطلب الأوكراني جاء بعد شن موسكو هجمات على العاصمة كييف، ردا على ما وصفها بالخسائر الكبيرة التي منيت بها روسيا بسبب المسيّرات الأوكرانية.
ولا يستبعد شوماكوف تزويد واشنطن للأوكرانيين بمنظومات "توماهوك" خلال وقت قريب، وذلك رغم الحديث عن النقص الذي تعانيه الولايات المتحدة في هذه الذخائر، وتأكيده "فقدان ترمب الاهتمام بالملف الأوكراني بسبب غرقه في المستنقع الإيراني".
فالمطلوب حاليا، حتى من الدول الأوروبية، هو تزويد الأوكرانيين بما يحتاجونه من دفاعات جوية وصواريخ مجنحة بعيدة المدى، لأن روسيا ستعاود ضرب العاصمة كييف قريبا، باعتقاد شوماكوف، الذي قال إن بلاده "لا تحصل على دعم أمريكي حقيقي في الوقت الراهن بسبب انشغال واشنطن بالدفاع عن قواتها وقواعدها في منطقة الخليج".
ويرى المحلل السياسي والباحث بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن الدكتور حسن منيمنة، أن المطلب الأوكراني يأتي في ظل التهديدات الروسية بضرب كييف بشكل واسع، لكنه يعتقد أنه يصطدم باعتبارات في مقدمتها "النقص الفادح الذي تعانيه الولايات المتحدة في صواريخ توماهوك، لدرجة أنها سحبت بعضها من مواقع متقدمة على نحو يغير طبيعة التوازن الأمني عالميا".
كما يصطدم الطلب الأوكراني بتعويل أوكرانيا نفسها على صفقة محتملة مع الولايات المتحدة استنادا على تعاظم قدرتها في صناعة المسيّرات، لكنه اعتبار "قد لا يكون حاسما"، برأي منيمنة، الذي يرى أن واشنطن تعتقد أن احتمالات الحل في أوكرانيا قد تراجعت بعدما تحولت حكومتها إلى اقتصاد الحرب، ناهيك عن شبهات الفساد.
ولا يعني هذا انتقال أمريكا تلقائيا إلى التفاهمات التي يطالب بها الروس، لأن إدارة ترمب منشغلة بما يجري في إيران، وليس لديها وقت للاستماع حتى لموسكو، كما يقول منيمنة.
وحتى لو تحملت أوروبا عبء أوكرانيا ماليا وعسكريا فإن هذا لا يضمن انتصارا في النهاية، وحتى الاستنزاف المتبادل بين روسيا وأوروبا "يمثل صفقة خاسرة من وجهة النظر الأمريكية"، وفق المحلل السياسي الذي يرى أن روسيا "لا تريد وقف الحرب في الوقت الراهن لأنها تحقق تقدما رغم ما تتكبده من خسائر".
وربما تقبل الولايات المتحدة بسيناريو الاستنزاف المتبادل لو طلب منها الأوروبيون شراء أسلحة لاستخدامها في هذه الحرب، ومع ذلك لا يجب التعامل مع ترمب على أنه العامل الحاسم في هذه الأزمة، وفق منيمنة "لأن روسيا مقبلة على مزيد من التصعيد، ولا تقبل إلا باتفاق يضمن عدم حصول الأوروبيين على المكاسب التي وعدهم بها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن".
كما أن ترمب ليس مواليا لروسيا كما يقول البعض، ولكنه "يبحث عن انتصاره هو، وليس انتصار أوكرانيا، وهذا ما يتعامل معه الروس على أساسه بذكاء أكبر من الأوكرانيين"، كما يقول منيمنة، الذي يعتقد أن أمريكا منشغلة بإيران حاليا، وأن ترمب عندما يعود لأوكرانيا فإنه "سيبحث عن انتصارات آنية لتعويض ما خسره في طهران".
إعلانبيد أن شوماكوف، ينفي وجود تقدم روسي على الأرض، ويقول إن الجيش الروسي "تحطم بقوة المسيّرات الأوكرانية، ومن ثم فإننا قد نشهد تجميدا للصراع على نقاط التماس، لأن مفاتيح وقف الحرب بيد فلاديمير بوتين، الذي لا يريد وقف الحرب".
في المقابل، يقول بيجاموف إن روسيا "بحاجة ماسة لوقف الحرب، لكنها تعتقد أن أوروبا تسعى لصدام مباشر معها، وبالتالي ستواصل توجيه الضربات الانتقامية بالأسلحة الباليستية".
فتجميد الصراع جزئيا عند نقاط التماس يكون عندما تقتصر المعارك على الجبهات فقط، بينما الحاصل حاليا أن البلدين "يستهدفان العمق"، وفق بيجاموف، الذي قال إن الروس "لهم اليد العليا، ويمتلكون العامل الأهم في الحرب والمتمثل في الدفاعات الجوية".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة المسی رات
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026