الحرب وتغير المناخ يفاقمان الأزمات الصحية والإنسانية في غزة
تاريخ النشر: 29th, May 2026 GMT
يقول الدكتور فريدريك أوتو-لاربي من "جامعة لانكستر" و"جامعة الطاقة والموارد الطبيعية" في غانا: "إن فهم الآثار البيئية للنزاعات أمر أساسي إذا أردنا أن نُحصي بالكامل العوامل المحرِّكة لتغير المناخ".
يُفاقم تغير المناخ الأزمات الإنسانية في غزة وخارجها، إذ تدفع موجات الحر الشديد والبنى التحتية المدمَّرة وتفشي الأمراض الأنظمة الهشّة أصلا نحو "حافة الانهيار".
تقدّر دراسة جديدة قادتها "جامعة كوين ماري في لندن" أن الحرب بين إسرائيل وغزة تسببت حتى الآن في انبعاث نحو 33 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO₂e).
وهو ما يعادل تقريبا الانبعاثات السنوية للأردن، أو تشغيل 7.6 مليون سيارة تعمل بالبنزين على الطرق.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة العلوم "وان إيرث" في أبريل، أن الانبعاثات الناجمة عن العمليات العسكرية الجارية وحدها، مثل القصف المدفعي والصواريخ وغيرها من العتاد العسكري، تجاوزت 1.3 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
وترتبط انبعاثات أخرى ببناء التحصينات والبنى التحتية الدفاعية وبـ"البصمة الكربونية الكبيرة" المترتبة على إعادة بناء الطرق والمباني وغيرها من البنى التحتية الأساسية المتضررة.
الأثر البيئي "المتجاهَل" للحربيقول الدكتور فريدريك أوتو-لاربي من "جامعة لانكستر" و"جامعة الطاقة والموارد الطبيعية" في غانا: "إن فهم الآثار البيئية للنزاعات أمر أساسي إذا أردنا أن نُحصي بالكامل العوامل المحرِّكة لتغير المناخ".
ويضيف: "إن قدرًا أكبر من الشفافية بشأن الانبعاثات العسكرية سيساعد على ضمان ألا تُهمَل هذه الآثار بعد الآن".
وتتعالى في السنوات الأخيرة الدعوات إلى إدراج الانبعاثات العسكرية ضمن البصمة الكربونية للدول، والاعتراف بتأثير الحروب في المناخ.
وطالبت أوكرانيا العام الماضي روسيا بدفع مبلغ هائل قدره 37 مليار يورو، في ما سيكون أول قضية في العالم لـتعويضات مناخية عن الحرب، بسبب الأثر الذي خلّفه غزوها الشامل في البيئة العالمية.
الطقس المتطرف المدفوع بتغير المناخ في غزةلكن الاحترار العالمي نفسه يزيد تعقيد أزمات مثل تلك التي تشهدها غزة، في وقت يدعو فيه خبراء العمل الإنساني إلى جعل التكيّف مع المناخ جزءًا متكاملا من جهود الإغاثة.
في صيف العام الماضي، شهدت غزة موجة حر قاتلة تجاوزت خلالها درجات الحرارة 40 درجة مئوية، ما زاد خطر الجفاف وإتلاف الإمدادات الغذائية الأساسية. واضطر سكان القطاع لتحمّل هذه الحرارة المرتفعة، فيما تُرك آلاف الأشخاص من دون حماية من الحر الشديد بسبب النزوح القسري وشح الكهرباء.
ومع استمرار الغازات الدفيئة المحتبِسة للحرارة في تسخين الكوكب، من المتوقع أن تزداد وتيرة موجات الحر وحدّتها سوءًا.
ووفقًا لـ"المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" (WMO)، هناك احتمال بنسبة 91 في المئة أن يتجاوز واحد على الأقل من الأعوام الخمسة المقبلة عتبة 1.5 درجة مئوية، واحتمال بنسبة 86 في المئة أن يحطم أحد تلك الأعوام الرقم القياسي لـأشد عام حرارة على الأرض والمسجَّل في 2024.
Related وزير فرنسي: تقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية ليس عدوانيا بل طبيعيومع كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في حرارة الهواء، يمكن للغلاف الجوي أن يحتفظ بنحو سبعة في المئة من الرطوبة الإضافية، ما قد يؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة وشدة.
وفي مارس، حوّلت العواصف المطرية العنيفة الشوارع إلى بحيرات راكدة، وتسببت في إلحاق أضرار بملاجئ أكثر من 3.000 نازح من غزة.
وبحسب "اليونيسف"، توفي ما لا يقل عن 11 طفلًا، بينهم عدد من حديثي الولادة، بسبب انخفاض حرارة الجسم بحلول أوائل فبراير، نتيجة التعرض المطوّل لظروف باردة ورطبة وعاصفة.
ويقول مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) إن نحو 800.000 شخص، أي ما يقرب من 40 في المئة من سكان غزة، يعيشون اليوم في مناطق معرّضة لخطر الفيضانات.
تغير المناخ يزيد مخاطر الصحة العامة سوءًاإن ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ندرة المياه، والاكتظاظ، وتسرّب مياه الصرف الصحي، وتضرّر شبكات الصرف والنظافة، يخلق أخطارًا جسيمة على الصحة العامة.
ويقول عاصف حسين، الرئيس التنفيذي لمنظمة الإغاثة البريطانية "إس كيه تي وِلفير" (SKT Welfare)، لـ"Euronews Earth": "لقد حذّرت الوكالات الإنسانية مرارًا من أن الحرارة والمياه غير المأمونة تسهمان في انتشار أمراض الإسهال والتهاب الكبد A والالتهابات الجلدية وغيرها من الأمراض المعدية".
ويشرح حسين أن تفشّي القوارض والحشرات يُبلَّغ عنه الآن أيضًا باعتباره جزءًا من الأزمة البيئية في غزة.
ويضيف: "عندما تتراكم النفايات، وتنهار أنظمة الصرف الصحي، وترتفع درجات الحرارة، ويُهجَّر أعداد كبيرة من الناس إلى مناطق مكتظّة، تتفاقم بسرعة الظروف المواتية لانتقال الأمراض".
وهذه المشكلة لا تقتصر على فلسطين. إذ يشير حسين إلى أنه في أجزاء من اليمن وباكستان وغيرها من "البيئات الهشّة"، لم تعد التغيرات المناخية في أنماط هطول الأمطار، وفترات الجفاف الطويلة، وارتفاع درجات الحرارة، أحداثًا استثنائية عابرة.
ويحذّر: "إنها تتحول إلى أوضاع بنيوية تؤثر مباشرة في الحصول على المياه، وإنتاج الغذاء، وسبل العيش، والاقتصادات المحلية".
ويتابع: "على السلطات والجهات الفاعلة في المجال الإنساني أن تتوقف عن التعامل مع التكيّف مع المناخ بوصفه أمرًا منفصلًا عن الاستجابة لحالات الطوارئ".
الصدمات المناخية تتداخل مع الأزمات الإنسانيةوتحض منظمة "إس كيه تي وِلفير" صانعي السياسات على الاستثمار في نظم مياه وصرف صحي قادرة على الصمود، وتعزيز أنظمة رصد الأمراض، وتوسيع الوصول إلى الطاقة المستدامة عبر تقنيات مثل الطاقة الشمسية.
ويحذّر حسين: "ما إن تنهار البنية التحتية تحت وطأة الضغوط المشتركة للنزاع وتغير المناخ، حتى تتفاقم تبعات ذلك على الصحة العامة بسرعة كبيرة".
ويخشى الخبير الإنساني أن تصبح الأزمات أكثر تعقيدًا واستمرارية، مع اقتراب العالم من واقع تتداخل فيه الحروب وانعدام الأمن الغذائي والنزوح وتدهور البيئة والصدمات المناخية.
ويضيف: "ستواجه المجتمعات حالات طوارئ متكررة، مع وقت أقل وموارد أقل للتعافي بينها".
ويقول: "عندما تُضعَف أنظمة الرعاية الصحية، وتتضرر البنية التحتية للصرف الصحي، وترتفع درجات الحرارة، ويُهجَّر السكان إلى بيئات مكتظّة، يصبح احتواء التفشيات أصعب بكثير".
ويختتم: "لذلك لم يعد من الممكن النظر إلى بناء القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ باعتباره عنصرًا مكمِّلًا للاستجابة الإنسانية. ففي كثير من السياقات، يغدو شرطًا أساسيًا لاستدامة تلك الاستجابة نفسها".
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إسبانيا فرنسا إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إسبانيا فرنسا إيران غرينلاند تغير المناخ أخبار المساعدات الإنسانية ـ إغاثة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إسبانيا فرنسا إيران تغير المناخ غزة الذكاء الاصطناعي الاتحاد الأوروبي الصحة درجات الحرارة وغیرها من فی المئة فی غزة
إقرأ أيضاً:
دراسة: الاحتلال دمّر البنية التحتية بغزة لإنتاج بيئة موت مستدامة
غزة - صفا
أكدت دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية دراسة تحليلية جديدة للباحث أحمد أبو كميل، أن الاحتلال تعمد خلال حرب الابادة بغزة، انتاج بيئة موت مستدامة.
وجاءت الدراسة بعنوان: "هندسة الإبادة في قطاع غزة: آليات إنتاج بيئة الموت المستدام – قراءة موثقة في تدمير شروط الحياة".
وتناولت الدراسة بالأرقام والبيانات الموثقة تجاوز الحرب نطاق العمليات العسكرية المباشرة لتستهدف مقومات الحياة الأساسية للسكان.
وأوضحت الدراسة أن التدمير الواسع الذي طال قطاعات المياه والكهرباء والصحة والإسكان والتعليم والغذاء يشكل نمطاً متراكماً يهدف لإنتاج بيئة تجعل استمرار الحياة أكثر صعوبة، مستندة في ذلك إلى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى وثائق قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
واستعرضت الأبعاد القانونية لمفهوم "هندسة الإبادة" والعلاقة بين تدمير البنية التحتية وتدهور شروط الحياة، مؤكدة أثر ذلك على الأمن الغذائي والصحة العامة والبيئة والتعليم والحالة النفسية والاجتماعية.
وأوصت الدراسة المؤسسات الدولية والحقوقية بتوثيق الآثار طويلة المدى، وتعزيز المساءلة القانونية، وربط إعادة الإعمار بمعالجة التداعيات الإنسانية والبيئية المستمرة.