أوروبا تعيد فتح ملف الديون المشتركة تحت ضغط الأزمات
تاريخ النشر: 29th, May 2026 GMT
تتجدد داخل الاتحاد الأوروبي الدعوات إلى توسيع الاعتماد على "الديون المشتركة"، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة ناجمة عن تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة، إلى جانب المنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة والصين.
ويقصد بالديون المشتركة قيام الاتحاد الأوروبي أو مؤسساته بالاقتراض الجماعي من الأسواق المالية نيابة عن الدول الأعضاء، بدلا من اعتماد كل دولة على الاقتراض منفردة، بما يتيح تمويلا بتكاليف أقل وتقاسم أعباء الأزمات.
ويأتي إحياء هذا النقاش مع استعداد دول الاتحاد لمناقشة أولويات ميزانية الاتحاد للفترة بين 2028 و2034، وسط انقسامات تقليدية بين فرنسا الداعمة لتوسيع الاقتراض المشترك، وألمانيا التي تبدي تحفظا على تحمل مخاطر ديون دول تعتبرها أقل انضباطا ماليا.
ضغوط اقتصاديةوتواجه الحكومات الأوروبية ضغوطا مالية متزايدة بفعل شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات وضعف النمو الاقتصادي، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاقتراض بعد موجات التضخم الأخيرة.
كما استنزفت جائحة كورونا وأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية جزءا كبيرا من الموارد المالية التي كانت مخصصة لتطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة التنافسية أمام الولايات المتحدة والصين.
ويرى مؤيدو الاقتراض المشترك أن هذه الآلية قد تساعد أوروبا على تمويل مشاريع الدفاع والطاقة والبنية التحتية، مع تخفيف الضغوط على الموازنات الوطنية والحفاظ على مستويات الدين ضمن حدود قابلة للإدارة.
وتشير بيانات "يوروستات" إلى أن فرنسا سجلت أكبر عجز في الموازنة بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى خلال 2025، ما يعزز الضغوط على باريس للدفع نحو حلول تمويل أوروبية مشتركة.
مزايا الاقتراض المشترك
ويقول مؤيدو الفكرة إن السندات الأوروبية المشتركة قد تتمتع بتكاليف اقتراض أقل مقارنة بالسندات الوطنية، بفضل التصنيف الائتماني القوي للاتحاد الأوروبي وتقاسم مخاطر التعثر بين الدول الأعضاء.
إعلانكما قد يسهم توسيع إصدار الديون المشتركة في إنشاء أصول مالية أوروبية موحدة وعميقة السيولة، ما يعزز مكانة اليورو عالميا ويزيد الطلب عليه كبديل جزئي للدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
ويعتقد بعض المسؤولين الأوروبيين أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الحرب مع إيران، دفعت مستثمرين إلى البحث عن بدائل أقل تقلبا من الأصول الأمريكية.
انقسامات أوروبيةورغم توسع التأييد للفكرة داخل بعض العواصم الأوروبية، لا تزال ألمانيا وهولندا من أبرز المعارضين لتحويل الاقتراض المشترك إلى أداة دائمة.
وتخشى برلين من أن يؤدي ضمان ديون الدول الأخرى إلى تحميل دافعي الضرائب الألمان أعباء إضافية، خاصة مع تصاعد شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المعارض للتوسع المالي الأوروبي.
لكن بعض صناع القرار الاقتصادي في ألمانيا بدأوا يبدون انفتاحا حذرا على الفكرة، إذ قال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل إن جزءا من القدرة الوطنية على الاقتراض قد ينقل مستقبلا إلى المستوى الأوروبي.
في المقابل، تدعم فرنسا وإسبانيا واليونان توسيع الاقتراض المشترك، بينما أيدت بولندا مؤخرا استخدامه لتمويل الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
ويستخدم الاتحاد الأوروبي بالفعل شكلا محدودا من الديون المشتركة منذ جائحة كورونا، عندما اقترض أكثر من 800 مليار يورو (نحو 929 مليار دولار) لتمويل صندوق التعافي الأوروبي ومساعدة الدول الأعضاء على مواجهة تداعيات الأزمة.
كما أطلق الاتحاد خلال 2025 برنامجا لتمويل مشاريع دفاعية عبر قروض مشتركة تستخدم لتمويل الطائرات المسيّرة والصواريخ وحماية البنية التحتية الحيوية.
وتناقش المفوضية الأوروبية حاليا أدوات جديدة قد تشمل إنشاء صندوق أزمات بقيمة تصل إلى 400 مليار يورو (نحو 465 مليار دولار)، إضافة إلى مقترحات لتأجيل سداد ديون مرحلة الجائحة بهدف توفير مساحة مالية للاستثمار في الأولويات المشتركة.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة قد تشهد مواجهة سياسية ومالية حاسمة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل الديون المشتركة، مع تزايد الحاجة إلى تمويل مشاريع الدفاع والطاقة والتحول الصناعي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاتحاد الأوروبی
إقرأ أيضاً:
المواطن شريك في المصنع.. مصر تطلق أول صندوق استثمار صناعي لتمويل الإنتاج والنمو
في وقت تبحث فيه الاقتصادات عن أدوات تمويل أكثر قدرة على دعم الإنتاج الحقيقي، تتجه الحكومة المصرية إلى إطلاق أول صندوق استثمار صناعي خلال يوليو المقبل، وفقا لما نشره مجلس الوزراء على صفحته الرسمية، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة تمويل الصناعة، عبر إشراك المواطنين ورؤوس الأموال في دعم المشروعات الصناعية ذات الجدوى الاقتصادية والقدرة على التوسع والتصدير.
تمويل الصناعة بمنطق جديدإطلاق أول صندوق استثماري للصناعة لا يمثل مجرد أداة مالية جديدة، بل يعكس توجهًا اقتصاديًا يقوم على توجيه التمويل إلى القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.
ويستهدف الصندوق دعم المشروعات التي تسهم في تعميق التصنيع المحلي، وزيادة المكون المحلي في الإنتاج، مع التركيز على الصناعات التي تمتلك فرصًا للنمو والتوسع في الأسواق الخارجية.
نقلة في آليات التمويلاعتمدت الصناعة لسنوات بصورة رئيسية على التمويل البنكي أو رؤوس الأموال المباشرة، لكن الصندوق الصناعي يفتح قناة مختلفة تعتمد على تجميع الاستثمارات وتوجيهها بصورة أكثر تنظيمًا نحو المشروعات الواعدة.
هذه الآلية قد تمنح القطاع الصناعي مرونة أكبر في الحصول على التمويل، خاصة للمشروعات التي تمتلك جدوى اقتصادية لكنها تحتاج إلى مصادر تمويل طويلة الأجل تساعدها على التوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية.
تعميق التصنيع وتقليل الاعتماد على الواردات
اقتصاديًا، يحمل القرار رسالة واضحة بأن الأولوية تتجه نحو بناء قاعدة صناعية أكثر قوة وتكاملًا. فتمويل الصناعات المحلية يعني زيادة الإنتاج داخل السوق المصرية وتقليل الاعتماد على الواردات في عدد من القطاعات، وهو ما ينعكس على رفع القيمة المضافة وتقوية سلاسل الإمداد المحلية.
كما أن توجيه التمويل نحو التصنيع المحلي يدعم مستهدفات الدولة المتعلقة بزيادة الإنتاج والتشغيل وتعزيز مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
الصادرات في قلب المعادلةالتركيز على المشروعات التصديرية يمنح الصندوق بعدًا استراتيجيًا يتجاوز التمويل المحلي، إذ يرتبط مباشرة بزيادة تنافسية المنتج المصري خارجيًا.
فكل توسع في الصناعات القادرة على التصدير يعني فرصًا أكبر لتدفقات النقد الأجنبي وتوسيع حضور المنتجات المصرية في الأسواق الدولية، وهو ما يجعل التمويل الصناعي أداة مرتبطة بالنمو والاستقرار الاقتصادي معًا.
مشاركة المواطنين في الاقتصاد الحقيقي
أحد أبرز أبعاد الصندوق الجديد أنه يفتح المجال أمام المواطنين للمشاركة بصورة غير مباشرة في الاستثمار الصناعي، بما يحول جزءًا من المدخرات إلى استثمارات إنتاجية تدعم المصانع وفرص العمل.
وفي هذا السياق، لا تبدو الخطوة مجرد إطلاق صندوق استثماري جديد، بل محاولة لبناء نموذج تمويلي يربط بين المدخرات المحلية والتنمية الصناعية، ويضع الصناعة في قلب دورة الاستثمار والنمو خلال المرحلة المقبلة.
في إطار حرص الدولة على توجيه الأدوات التمويلية نحو المشروعات التي تتمتع بالجدوى الاقتصادية والقدرة على تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة، بالإضافة إلى المشروعات التصديرية ودعم تنافسية المنتج المصري في الأسواق الخارجية، اتخذت الدولة خطوات لإطلاق صناديق استثمارية تتيح للمواطنين فرصة توجيه استثماراتهم نحو القطاع الصناعي.
ومن المقرر أن يتم إطلاق أول صندوق استثماري خلال شهر يوليو المقبل، وهو ما يمثل نقلة نوعية في آليات تمويل الصناعة، ويعزز من قدرة الدولة على دعم المشروعات الصناعية المحلية وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية في الاستثمار الصناعي.