قدم الكاتب إم. غيسن قصة التحول السياسي التاريخي الذي شهدته المجر بسقوط حكم الزعيم القومي اليميني فيكتور أوربان، الذي هيمن على الحياة السياسية في البلاد لمدة 16 عاما، باعتبارها نموذجا قد يحمل دروسا مهمة للولايات المتحدة في مواجهة الشعبوية والسلطوية، خصوصا فيما يتعلق بظاهرة دونالد ترمب.

وينطلق الكاتب -في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز- من مشهد احتفالي ضخم في العاصمة بودابست، حيث تجمع عشرات الآلاف أمام مبنى البرلمان المجري احتفالا بتنصيب بيتر ماجار رئيسا للوزراء، في حدث اعتُبر إعلانا رسميا لنهاية "عصر أوربان".

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2روسيا تنزف في أوكرانيا والحرب تدخل مرحلة إعادة تشكيل طويلة المدىlist 2 of 2صحف صينية: ناتو آسيوي قيد التشكل وبكين تحذرend of list

وعادت الساحة التي شهدت لحظات تاريخية في المجر، من الاحتجاج ضد الاحتلال السوفيتي إلى التظاهرات ضد الحكومات السابقة، لتصبح مسرحا لتحول سياسي جذري، رغم أن نظام أوربان كان قد أعاد تصميمها هندسيا بطريقة هدفت ضمنيا إلى منع أي تجمع جماهيري واسع.

ووصف المقال أجواء الاحتفال باعتبارها مزيجا من الدهشة والانفعال الوطني، إذ شارك شباب لم يعرفوا بلدهم إلا تحت حكم أوربان، ومثقفون فقدوا الأمل منذ سنوات، وعائلات جاءت من القرى والأقاليم بعدما شاهدت ماجار خلال جولاته الانتخابية المكثفة التي شملت نحو 700 مدينة وبلدة وقرية.

ماجار يشارك مع نشطاء ومؤيدين في مسيرة بوسط بودابست (الفرنسية-أرشيف)معادلة النجاح

ويؤكد الكاتب أن صعود ماجار بدا للوهلة الأولى مستحيلا، لأن أوربان لم يكن مجرد رئيس وزراء عادي، بل كان زعيما بنى نظاما متكاملا للهيمنة السياسية والإعلامية والقانونية، وسيطر على وسائل الإعلام، وأضعف المعارضة، وعدّل قوانين الانتخابات لصالح حزبه حزب "فيدس"، وحوّل الدولة تدريجيا إلى ما يشبه النظام السلطوي المقنّع بواجهة ديمقراطية.

حتى اليمين العالمي المحافظ كان ينظر إلى أوربان باعتباره نموذجا ناجحا، وبالفعل زارت شخصيات أمريكية يمينية بارزة بودابست، وعقد مؤتمر المحافظين الأمريكيين فعالياته هناك، كما أبدى مسؤولون أمريكيون من معسكر ترمب إعجابهم بتجربته.

إعلان

لكن المفاجأة جاءت عندما تمكن حزب "تيسا" بقيادة بيتر ماجار من تحقيق فوز كاسح وأغلبية دستورية، بما يكفي لإلغاء كثير من التعديلات التي فرضها أوربان على النظام السياسي والقضائي والإعلامي.

أي محاولة لهزيمة ترمب في الولايات المتحدة قد تحتاج إلى شخصية جديدة من خارج المؤسسة السياسية الديمقراطية التقليدية

وركز المقال بشكل كبير على "معادلة النجاح" التي استخدمها ماجار، واعتبرها قابلة للتكرار في دول أخرى، خصوصا في الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن أول عنصر في هذه الوصفة كان التنظيم الشعبي الواسع، إذ لم يعتمد ماجار في حملته على الإعلانات والإعلام وحدهما، بل على شبكة ضخمة من المتطوعين والمجموعات المحلية، عُرفت باسم "جزر تيسا".

وأشار المقال إلى أن ماجار استخدم السياسة المباشرة وجها لوجه كسلاح مضاد للدعاية والخوف، وبينما كان أوربان يعتمد على حملات التخويف من المهاجرين والأقليات والاتحاد الأوروبي، كان ماجار يلتقي الناس في الساحات والقرى والمقاهي، مما خلق علاقة ثقة مباشرة بينه وبين المواطنين، وكشف ضعف "سياسة التخويف".

شخصية من خارج المؤسسة السياسية

وكان العنصر الثاني من الوصفة لغة ماجار السياسية الحادة والواضحة، فبينما اكتفت المعارضة القديمة بوصف نظام أوربان بأنه "فاسد"، وصفه ماجار بأنه "دولة مافيا"، أي نظام قائم على الجريمة المنظمة واستغلال الدولة لمصلحة شبكة ضيقة من المنتفعين.

ولم يتجنب ماجار -حسب الكاتب- المواجهة المباشرة، بل استعد لها مسبقا، إذ حصل على عضوية البرلمان الأوروبي لضمان الحصانة السياسية، وتعامل هجوميا مع حملات التشهير والابتزاز التي استهدفته.

أحد المحتفلين بفوز ماجار يحمل علم الاتحاد الأوروبي (غيتي)

ومن النقاط الأساسية التي شدد عليها المقال أن ماجار لم ينجح لأنه "منشق" عن حزب أوربان فقط، بل لأنه لم يكن جزءا من المعارضة التقليدية التي فقدت ثقة الشارع، لأن كثيرين كانوا يعتبرون أن ضعف المعارضة القديمة وترددها ساعد أوربان على ترسيخ حكمه.

لذلك يرى الكاتب أن أي محاولة لهزيمة ترمب في الولايات المتحدة قد تحتاج إلى شخصية جديدة من خارج المؤسسة السياسية الديمقراطية التقليدية، شخص يستطيع مخاطبة الناخبين الغاضبين دون أن يكون مرتبطا بالنخب القديمة.

وكذلك يولي المقال أهمية كبيرة لدور الحركات الاجتماعية غير الحزبية، لأن مجموعات متنوعة شاركت في إسقاط أوربان، بينها معلمون احتجوا على سيطرة الدولة على التعليم، وناشطون كشفوا الانتهاكات في دور رعاية الأطفال، وطلاب، ومنظمات حقوقية، إضافة إلى ناشطين من مجتمعات أخرى.

قضية الفساد

وركز المقال على قضية الفساد، باعتبارها أهم المحاور، موضحا أن الناخب المجري لم يصوت فقط بسبب الأزمة الاقتصادية، بل لأن الناس شعروا بأن النظام الحاكم نهب الدولة وأهان الكرامة العامة، وبالفعل أظهرت استطلاعات الرأي بعد الانتخابات أن الفساد كان السبب الأول لسقوط أوربان، متقدما حتى على التضخم وغلاء المعيشة.

ماجار استخدم لغة سياسية "حادة وواضحة" (رويترز)

وناقش المقال دور الاتحاد الأوروبي في إضعاف نظام أوربان، إذ بدأ الاتحاد، بعد سنوات من التساهل، بتجميد أموال ومساعدات مخصصة للمجر بسبب انتهاكات سيادة القانون والفساد، مما جعل الناخبين يشعرون بأن سياسات أوربان القومية أضرت بمصالحهم اليومية.

إعلان

ولذلك جعل ماجار من إعادة بناء العلاقة مع أوروبا جزءا أساسيا من حملته، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحفاظ على الهوية الوطنية المجرية، وقد أعاد رفع علم الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان، لكنه أبقى أيضا على رموز قومية مجرية، للجمع بين الوطنية والانفتاح بدل وضعهما في مواجهة.

وفي النهاية، يطرح المقال سؤالا مفتوحا، هل يستطيع بيتر ماجار الحفاظ على وعوده الديمقراطية فعلا؟ وهل هو إصلاحي حقيقي أم مجرد نسخة أكثر نعومة من القومية اليمينية؟

ورغم الشكوك، فإن الكاتب يرى أن التجربة المجرية أثبتت شيئا مهما: حتى الأنظمة السلطوية التي تبدو راسخة يمكن هزيمتها إذا توفرت قيادة جديدة، وتنظيم شعبي واسع، وخطاب أخلاقي واضح، وقدرة على استعادة فكرة الوطن من يد الشعبويين.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاتحاد الأوروبی

إقرأ أيضاً:

حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار

صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.

وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of list

وكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.

وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".

وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.

وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.

جماهير الأرجنتين في تايمز سكوير بنيوورك خلال نهائي مونديال 2026 بين التانغو وإسانيا (الفرنسية)مصادرات عدة في مدن أمريكية

وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.

وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".

إعلان

وأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.

وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".

حيلة "المناشف"

وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.

وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.

وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.

مصادرة أقمصة مقلدة خاصة بمنتخبات كأس العالم 2026 (مواقع تواصل)

وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.

وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.

مقالات مشابهة

  • المرحلة الثانية من صولة الفجر: هل تكسر الحماية السياسية عن شخصيات بارزة؟
  • «نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • فايننشال تايمز : هل تستطيع واشنطن فتح مضيق هرمز بالقوة؟
  • خوري تبحث مع ممثلي فزان العملية السياسية وأولويات التنمية والاستقرار
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • هل يملك ممداني صلاحية اعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك؟
  • مستشار لـ ترامب: صنعاء هزمت كل خصومها.. وتتحدون بثقة مطلقة
  • تجمع الأشراف يرفض «المتاجرة السياسية» بإقليم فزان وأهله