إسطنبول ـ "العُمانية": في وقت ينتظر فيه قراؤه عملاً روائياً جديداً، اختار الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموق أن يعود إلى جمهوره من بوابة مختلفة؛ بوابة الذاكرة والصورة والتأمل الشخصي، عبر كتابه الجديد "الكلمات والصور.. مختارات من الذكريات والمقالات، وقصة واحدة"، والصادر عن دار "يابي كريدي" للنشر في تركيا.

ولا يندرج الكتاب ضمن الرواية التقليدية التي ارتبط بها اسم باموق، بل يأتي كعمل أدبي ــ بصري يجمع بين المقالات والسيرة الذاتية والذكريات والنصوص الفكرية، إلى جانب صور ورسومات من أرشيفه الشخصي، في محاولة لصياغة حوار بين الكلمة والصورة، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الثقافية.

ويضم الكتاب أكثر من 340 صفحة، تتوزع على مجموعة من النصوص التي كتبها الكاتب على امتداد سنوات، بعضها ينشر للمرة الأولى، فيما يعيد بعضها الآخر تقديم أفكار وتأملات ارتبطت بمسيرته الأدبية الطويلة.

ويقول الناقد الأدبي التركي مراد يلدرم في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن إسطنبول تحضر بوصفها أكثر من مجرد مكان كما في معظم أعماله، فالمدينة التي شكّلت خلفية رواياته الشهيرة، من "اسمي أحمر" إلى "متحف البراءة" و "ثلج" تظهر هنا باعتبارها ذاكرة حيّة وشريكاً في تشكيل وعي الكاتب.

وأضاف: "يتوقف باموق عند تفاصيل الحياة اليومية في المدينة، والتحولات التي عاشتها خلال العقود الماضية، وكيف انعكس ذلك على تجربته الإنسانية والكتابية". كما أشار إلى أن المؤلف يستعيد مشاهد من طفولته وشبابه، متأملاً العلاقة المعقدة بين المدينة وسكانها، وبين الحداثة والحنين، وهي ثنائية لطالما شكّلت محوراً أساسياً في أدبه.

وقال يلدرم إن أحد أبرز محاور الكتاب يتمثل في العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي، فالمؤلف الذي بدأ حياته شغوفاً بالرسم قبل أن يتجه إلى الرواية، يعود في هذا العمل إلى تلك العلاقة القديمة بين اللوحة والنص وتأثير الرسم في طريقته السردية. ولهذا يضم الكتاب رسومات وصوراً من أرشيفه الشخصي، بعضها يرتبط بمراحل الكتابة وأماكنها، وبعضها الآخر يعكس لحظات خاصة ظلّت بعيدة عن أعين القراء.

ويكشف باموق في "الكلمات والصور" عن جوانب شخصية من حياته الأدبية، متوقفاً عند بداياته الأولى والصعوبات التي واجهها في نشر أعماله. ويستعيد ذكريات سنوات الشباب والخدمة العسكرية، والقلق الذي رافق خطواته الأولى في عالم الكتابة، فضلاً عن علاقته بالناشرين والنقاد، وما رافق صعوده الأدبي من جدل واهتمام عالمي، خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 2006.

ولا يتعامل الكاتب مع هذه التجارب باعتبارها سردًا ذاتيًّا خالصًا، بل يحولها إلى تأملات أوسع حول معنى الكتابة والعزلة والنجاح ومسؤولية الكاتب في المجتمع. ويخصص مساحة مهمة للحديث عن مشروع متحف البراءة الذي لم يكن بالنسبة إليه رواية فقط، بل تجربة ثقافية متكاملة جمعت بين الأدب والمتحف والذاكرة المادية.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • «حضوره لا يغيب».. عمرو محمود ياسين يحيى ذكرى ميلاد والده بهذه الكلمات
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • الفري يفتتح معرض الكتاب 52 في الرابطة الثقاقية  من طرابلس الى الوطن: الكتاب رسالة صمود
  • تورم العين والكبد.. طبيب يكشف طبيعة العلاقة بين الاثنين
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • مكالمات مشتعلة بين ترامب ونتنياهو ،،!!
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟