من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته
تاريخ النشر: 2nd, June 2026 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
المرحلة الثانوية عند أغلب الطلاب تعني دروسا وامتحانات وأحلام كلية، لكن عند "إبراهيم وليد"، 16 سنة، طالب بالصف الأول الثانوي بمحافظة بني سويف، المعادلة مختلفة، الظروف جبرته يشيل مسؤولية أكبر من سنة ويبدل الكتاب بمقبض الدراجة البخارية.
الدراجة لإعالة الأسرةتعرض والد إبراهيم لأزمة صحية منعته من العمل،وتوقفت معها موارد الأسرة الوحيدة، وقتها وقف الابن قدام خيارين: يترك التعليم، أو يترك إخواته الصغار للظروف، لكن إبراهيم اختار الطريق الثالث، وقرر يكون هو المعيل الأساسي لأسرته،ونزل يشتغل عامل توصيل طلبات "ديلفري" بدراجته البخارية.
"اختار التعب على الذل" زي ما بيقول، من الصبح لآخر اليوم بيلف شوارع بني سويف يوصل أوردرات، ويرجع يذاكر عشان حلمه ما يضيعش، المشقة باينة في عينيه، لكن الإصرار باين أكتر.
رغم إنه لسه 16 سنة، إلا إن إبراهيم حمل على كاهله أعباء كثيرة، إشتغل قبل كده في مطاعم وصالات ألعاب رياضية، لحد ما استقر على شغل الديلفري عشان دخله، بيشتغل يوميًا عشان يغطي مصروفاته الدراسية ويساعد أمه في مصاريف البيت والعلاج.
إبراهيم وجه رسالة شكر لكل أبناء بني سويف اللي تداولوا صورته على السوشيال ميديا برقم تليفونه، وخص بالشكر الشاب السويفي أيمن سلامة على تشجيعه ودعمه،متمنيا دعمه حتى يقدر على تحمل أعباء المعيشة لأسرته.
حلمه بسيط بس كبير: "نفسي أكسب رزق حلال كل يوم، لحد ما أوصل لحلمي وأبقى دكتور في يوم من الأيام".
إبراهيم هو الطفل بحكم السن، والراجل بحكم قراراته. نموذج بيقول إن المسؤولية مش بالعمر، وإن الشغل الحلال عمره ما كان عيب، حتى لو كان على حساب الراحة.
IMG-20260602-WA0012 IMG-20260602-WA0008 IMG-20260602-WA0009
المصدر
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: ابراهيم الصف الأول الثانوي توصيل طلبات محافظة بني سويف طالب عامل ديلفري دراجة بخارية
إقرأ أيضاً:
هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
صراحة نيوز – د عبدالله السرور الزعبي
ليست المشكلة دائمًا في الكلمات، بل في ما تخفيه خلفها من معانٍ. لذلك لم أرغب بدايةً أن يكون عنوان المقال “هل سئم الأردنيون تكاليف الحياة؟”، كما أشار صديقي، خلال نقاشٍ معه، استُحضر فيه بيت الشعر الخالد من معلقة زهير بن أبي سلمى:
“سَئِمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْ … ثمانينَ حولًا – لا أبا لك – يسأمِ”.
فزهير لم يكن يشكو تعب العمر فقط، بل ذلك الثقل الوجودي حين تتحول الحياة إلى تراكمٍ من الانتظار والخذلان والأسئلة المؤجلة. وكأن صوته القادم من الصحراء القديمة ما يزال يصف الحاضر، المثقل بالقلق الاقتصادي والخوف من المستقبل وتآكل اليقين.
لكن الفرق بين السأم والإرهاق، ليس فرقًا لغويًا عابرًا، كما ظن صديقي، بل فرقٌ نفسي واجتماعي وسياسي عميق. فالسأم يبدأ حين يتعب المعنى نفسه، لا الجسد وحده، وحين يفقد الإنسان إيمانه بأن الغد قد يكون أفضل. أما الإرهاق فهو إنهاك القدرة على الاحتمال تحت ضغط المعيشة وتراكم الأعباء. ولهذا، يبدو القول إن الأردنيين “أرهقتهم” تكاليف الحياة أكثر دقة وإنصافًا من القول إنهم “سئموها”.
ومن هنا يبرز السؤال الأخطر: هل وصلت الضغوط المعيشية إلى مرحلة تهدد المعنويات الوطنية أكثر مما تهدد الاقتصاد نفسه؟
في الأردن، لا تُقاس الدول بحجم الموارد، بل بقدرتها على البقاء واقفة في وجه التاريخ والجغرافيا معًا. فهذه البلاد لم تكن يومًا دولة رخاء سهل، بل دولة فكرة وإرادة وصبر. ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن، عاش الأردنيون فوق أرضٍ تعرف القلق أكثر مما تعرف الطمأنينة، لكنهم امتلكوا دائمًا قدرة نادرة على التماسك والإيمان بالدولة والقيادة الهاشمية، وكأنهم تعلموا من الصحراء أن البقاء ليس للأغنى، بل للأصلب إرادةً والأعمق انتماءً.
لقد واجه الأردن حروب المنطقة، ونزوح الشعوب، وانهيارات الجوار، وأزمات الاقتصاد العالمي، وندرة المياه والطاقة، ومع ذلك بقي واقفًا. لا لأن الظروف كانت سهلة، بل لأن في بنية الدولة عناصر تماسكٍ تجاوزت الحسابات التقليدية، قيادة هاشمية صاحبة شرعية تاريخية ودينية، امتلكت قدرة طويلة على إدارة التوازن بين العقل والشجاعة، ومؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وشعب صلب في الشدائد.
ولهذا، لم يفقد الأردني حب الحياة ولا انتماءه لوطنه، لكنه أُنهك من ثقل المعيشة وتراكم الضغوط، وكأن الشارع الأردني يردد بصمت معنى قوله تعالى “وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ”؛ لا لأن الأرض ضاقت فعلًا، بل لأن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية جعلت الروح نفسها تضيق.
فالقرآن لا يقدم الحياة بوصفها طريقًا للراحة المطلقة، بل ميدانًا للمكابدة الإنسانية “لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ”. والكبد هنا ليس تعب العمل فقط، بل الصراع الطويل بين الحاجة والكرامة، وبين الخوف على الغد والرغبة في البقاء متماسكًا. لذلك لا تسأم الشعوب الحياة ذاتها، بل تسأم طول الامتحان حين يتحول العيش إلى عبءٍ يومي على الكرامة والمعنى.
ومنذ عام 2012 تقريبًا، دخل الأردن مرحلة طويلة من الوعود الكبرى؛ إصلاح اقتصادي، واستثمارات عملاقة، ومدن تنموية، وثروات من الغاز والنحاس واليورانيوم والصخر الزيتي والسيليكا والمعادن النادرة، حتى بدا وكأن الأرض تخفي مستقبلًا قادرًا على تغيير شكل الدولة والمنطقة.
وقيل للأردنيين إن البطالة ستتراجع، والمديونية ستنخفض، وإن التعليم سيُعاد بناؤه، وإن الإصلاح السياسي سيفتح أبواب المشاركة، فيما ستقود مشاريع النفط والغاز والتعدين والطاقة والمياه والاستثمار البلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو.
لكن السنوات كشفت فجوةً مؤلمة بين الخطاب والواقع؛ فالمديونية واصلت الارتفاع، والطبقة الوسطى تعرضت لاستنزاف قاسٍ، والبطالة اتسعت، فيما ارتفعت كلفة التعليم والسكن والطاقة والمياه والحياة اليومية. وبعض المشاريع التي قُدمت بوصفها منقذة للاقتصاد اصطدمت بالبيروقراطية، او ضعف التمويل، او بطء التنفيذ، أو بحقيقة أن بعض الثروات لم تكن اقتصاديًا بالحجم الذي رُوّج له. وربما تكشف السنوات المقبلة، (عام 2029)، حقيقة الكثير من تلك الوعود.
وهكذا، لم تعد الأزمة في نقص الوعود، بل في تآكل الثقة العامة، حين يتحول المستقبل من مشروعٍ وطني يُبنى إلى وعدٍ مؤجل يتكرر كل عام بلا أثرٍ ملموس في حياة الناس.
وعندها، يتحول الإرهاق من حالة اقتصادية إلى حالة حضارية؛ إذ تبدأ الطبقة الوسطى، وهي العمود الأخلاقي والاجتماعي للدولة، بالشعور بأنها تنحدر نحو قلقٍ مزمن يفقد المجتمع شيئًا من توازنه النفسي والثقافي والسياسي. فالمجتمعات لا يرهقها الفقر وحده، بل أن يقود الفقر إلى الانكسار الداخلي، وان تصبح الحياة سباقًا يوميًا للبقاء لا مساحةً للحلم أو التقدم.
ولعلّ ما أوصل الأردنيين إلى هذا المستوى من الإرهاق الاقتصادي، وما دفع المديونية إلى أرقامٍ مقلقة، ليس فقر الدولة وحده، بل سياسات نخبةٍ اقتصاديةٍ بعضها طارئة تعاملت مع الاقتصاد الأردني كحقل تجارب مفتوح. فقد جُرِّبت على الأردن معظم النظريات الاقتصادية؛ باستثناء الوصفة الأردنية الحقيقية. لا بل، المؤلم أن كثيرًا من تلك النخب لم تنقل بجدية تجارب الدول التي نهضت من أزماتٍ كانت أشد قسوة من الحالة الأردنية. فلم نرَ مشروعًا وطنيًا حقيقيًا يستلهم نماذج التحول في سنغافورة أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا، بقدر ما رأينا إدارةً للأزمة او ترحيلها، أكثر من صناعةٍ للخروج منها.
أما التعليم، أخطر ملفات الدولة، فلم تعد أزمته إدارية فقط، بل أصبحت تمسّ فكرة بناء الإنسان نفسها. فالجامعات التي كانت تصنع النخب والكفاءات دخلت أزمات مالية وإدارية، وغياب في القيادة، وأصبح كثير من الشباب يتساءلون بقلق: هل ما تزال الشهادة طريقًا للحياة الكريمة، أم مجرد ورقة مؤجلة الخيبة؟
ومع ذلك، فإن اختزال قصة الأردن بالإحباط وحده سيكون ظلمًا للتاريخ والحقيقة معًا. فهذه الدولة نجت مما لم تنجُ منه دول أكبر وأكثر ثراءً، وحين احترقت المنطقة بالحروب والانقسامات بقي الأردن محافظًا على تماسكه ومؤسساته وأمنه الاجتماعي بدرجات معقولة مقارنة بمحيطه المضطرب.
لقد بذل الملك عبدالله الثاني جهودًا كبيرة لحماية الأردن سياسيًا واستراتيجيًا، وكانت الرؤية الملكية في ملفات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي أكثر تقدمًا من أداء الحكومات. لكن الرؤية، ووضوح الأفكار وحدها لا تكفي؛ بل بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى أثرٍ ملموس في حياة الناس. وهنا تكمن العقدة الأردنية الكبرى، فجوة مزمنة بين الرؤية الملكية، والتشخيص الدقيق، وبطء التنفيذ.
فالأردني اليوم لا يطلب المعجزات، بل يريد فرصة عمل تحفظ الكرامة، وتعليمًا منافسًا، وخدمات عادلة، وإحساسًا حقيقيًا بأن التضحيات تقود فعلًا إلى مستقبل أفضل. لقد أتعب الانتظار الأردنيين أكثر مما أتعبهم الفقر نفسه، لأن الشعوب تستطيع احتمال الشدة حين ترى أفقًا واضحًا للخروج منها، لكنها تُستنزف نفسيًا حين تتحول الوعود إلى روتين سياسي متكرر بلا نتائج ملموسة.
ويبقى السؤال الذي يتسلل اليوم إلى وجدان الأردنيين بصمتٍ ثقيل، ليس سؤال البقاء، بل سؤال الكلفة، إلى متى يستطيع الناس احتمال أثمان الحياة المتصاعدة؟ وإلى أي حد يمكن للمجتمعات أن تستمر في التضحية حين تصبح الوعود أكثر حضورًا من النتائج؟
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ أن يتحول التعب فيها إلى شعورٍ جماعي بفقدان المعنى، ويتسلل الانسحاب الوطني بصمتٍ إلى داخل النفوس.
ومع ذلك، ما يزال الأردن يمتلك عناصر النجاة الأساسية، قيادة حكيمة، ومؤسسات سيادية متماسكة، وموقعًا جيوسياسيًا يجعل استقرار المملكة مصلحة إقليمية ودولية، وشعبًا لم يكن يومًا سهل الاقتلاع من أرضه أو هويته. فالأردنيون يشبهون صخور البترا، وقلاع الشوبك والكرك وعمّان وعجلون، وأعمدة جرش، ثابتون في وجه الريح والتاريخ، تحمل حجارتهم آثار الزمن لكنها لا تنهار. ومن أذرح الأردنية كانت بداية الدولة الأموية، ومن الحميمة الأردنية كانت بداية الدولة العباسية، وهما دول وصلت المغرب مع المشرق، والدولة الأردنية الحديثة منذ تأسيسها، لم تكن دولة فصل في يوماً من الايام؛ بل دولة وصلٍ عربية، لا بل الدولة العربية الوحيدة، التي لجأ إليها كل من ضاقت به أرض قريته الصغيرة، قبل وطنه، فصار ملاذًا للامن والاستقرار في منطقةٍ نادرة الاستقرار.
ولهذا، فإن الأردن لا يحتاج إلى إعادة تعريف، او اختراع من جديد، بل إلى مشروعٍ وطني يعيد ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحوّل الأردنيين من جيلٍ قلق إلى جيلٍ شريك في البناء، على أساس الكفاءة والعدالة والصراحة. فالدول الصغيرة لا تنجو بحجم مواردها فقط، بل بجودة إنسانها وذكاء إدارتها وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص.
واليوم، فيما تدخل المنطقة مرحلة تحولات متسارعة وعنيفة أحيانًا، قد تكون فرصة الأردن الحقيقية في أن يتحول من دولة تستهلك الأزمات إلى دولة تُنتج المعرفة والقيمة والتكنولوجيا والتعليم النوعي والطاقة الحديثة.
أما الأردنيون، فعلى الرغم من التعب، فما يزالون يؤمنون بأن الأوطان لا تُقاس بالأزمات التي مرت بها، بل بقدرتها على النهوض.
ويبقى السؤال معلقًا فوق عمّان: هل نمتلك الشجاعة الكافية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟