عام من الاقتتال.. كيف قاد جنرالان متناحران السودان إلى حافة المجاعة؟
تاريخ النشر: 15th, April 2024 GMT
مع دخول الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الثاني، تفاقمت أزمة إنسانية، وخاصة الأطفال والنساء، بينما أضحت البلاد التي تتمتع بأراض زراعية شاسعة، على حافة المجاعة، وفق وكالات الأمم المتحدة.
ويعاني ملايين السودانيين من مشكلات متعلقة بالحصول على الغذاء، في وقت تواجه فيه جهود الحل السلمي التفاوضي التي تقودها السعودية بدعم من الولايات المتحدة، تحديات تتعلق بإصرار قادة الطرفين على الحسم العسكري بدلا من الحل السياسي.
وأوردت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، شهادات ميدانية لعدد من السودانيين الذي يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والعلاج والمأوى.
وتحدثت الصحيفة إلى سوداني يدعى حسن طه، يعمل في مهنة إصلاح السيارات في أم درمان، ويعاني في توفير الغذاء لأسرته، قبل أن يتضاعف ألمه ووجه بسبب عجزه عن توفير العلاج لأبنه، بداعي توقُّف معظم المسشتفيات في المدينة التي يفصلها نهر النيل عن العاصمة السودانية، الخرطوم.
وبعد مرور عام على الصراع على السلطة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق محمد حمدان "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع، أصبح السودان في خضم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، بحسب الصحيفة.
وقُتل عشرات الآلاف في القتال بين الطرفين، ونزح أكثر من 8.5 مليون سوداني من ديارهم، بما في ذلك مليوني شخص فروا إلى البلدان المجاورة.
ويعيش الكثير من السودانيين في مخيمات النزوح التي لا تتلقى سوى القليل من المساعدة الخارجية.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود، في فبراير الماضي، إنه في مخيم واحد فقط في ولاية شمال دارفور، يموت طفل كل ساعتين بسبب آثار سوء التغذية ومياه الشرب غير الآمنة.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن أكثر من 220 ألف طفل سوداني قد يموتون جوعا في الأسابيع والأشهر المقبلة. وبحلول نهاية العام، قد يرتفع هذا العدد إلى 700 ألف، وهو عدد يمكن أن ينافس عدد المجاعة الإثيوبية في الثمانينيات، وفق الصحيفة.
وتعاون البرهان وحميدتي في عام 2019 للإطاحة بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، لكن شراكتهما غير المستقرة انهارت وتحولت إلى حرب مفتوحة في 15 أبريل 2023، وذلك بعد أشهر من التوترات بخصوص دمج قوات الدعم السريع في الجيش.
وأسهمت الاحتجاجات التي أطاحت نظام الرئيس السابق، عمر البشير، في إعادة السودان إلى الأسرة الدولية، إذ نسج السودان، علاقات مع الولايات المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، لكن الحرب بددت تلك الجهود، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.
وأدى الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حدوث مجازر وفظائع وانتهاكات ضد المدنيين، وصفت بأنها جرائم حرب.
وأسفرت جولات من محادثات السلام، عقدتها حكومات عربية، عن هدن مؤقتة، دون أن يتلزم الطرفان بالوقف الكامل والصارم لإطلاق النار.
ومع تصاعد الدمار والموت، تضاءل الوعي الدولي والاهتمام ببؤس السودان، وفق الصحيفة.
ولاتزال قوات الدعم السريع تسيطر جزء كبير من الخرطوم، بجانب 4 من أصل 5 ولايات في دارفور، بيتم جرى اتهام عناصرها، ومعظمهم من القبائل العربية، بارتكاب جرائم ضد مجتمعات القبائل غير العربية، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
لكن في الأسابيع الأخيرة، حقق الجيش، بعد استحواذه على طائرات بدون طيار إيرانية، وانضمام جماعات مسلحة جديدة إلى صفوفه، مكاسب ميدانية، خاصة في مدينة أم درمان.
أزمة اقتصاديةالمشكلات المتعلقة بالغذاء والعلاج لا تنحصر فقط في المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، إذ تتكرر المعاناة بصورة من الصور في مناطق آمنة، وبعيدة عن الصراع.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن سيندي ماكين، المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، قولها "إن هناك مشكلة ضخمة تلوح في الأفق، والسودانيون قريبون جدا من المجاعة، والأطفال يموتون جوعا في دارفور وأجزاء أخرى من البلاد."
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من ثلث السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وهناك نحو 19 مليون طفل خارج المدرسة، ويعاني ما يقدر بنحو 3 ملايين طفل سوداني من سوء التغذية.
وتواجه المنظمات الدولية مشكلات في إيصال المساعدات إلى جزء كبير من البلاد.
وأشار تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن "القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية تعيق تقديم المساعدة المنقذة للحياة، إذ لم تتم تلبية احتياجات التمويل الإنساني إلى حد كبير"، وفق الصحيفة ذاتها.
وبحسب وول ستريت جورنال فقد أدت الحرب إلى انهيار اقتصاد السودان الهش، وأثرت في عمليات إنتاج الغذاء.
وقدر جبريل إبراهيم، وزير المالية، وهو جزء من الحكومة العسكرية المتمركزة في مدينة بورتسودان الساحلية بشرق السودان، أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد انخفض بنحو 40 في المئة عن العام السابق.
أما الحقول في قلب الأراضي الزراعية بولاية الجزيرة، والتي كانت تنتج قبل الحرب نصف إنتاج السودان من الذرة الرفيعة والقمح، فقد تحولت إلى أرض بور.
وتخشى وكالات الأمم المتحدة من أن تصبح عواقب الانهيار أكثر وضوحا في الأسابيع والأشهر المقبلة، وتحديدا عندما يدخل السودان موسم العجاف السنوي الذي يستمر عادة من مايو إلى أكتوبر.
ويقول الخبراء إنه من المحتمل أن تنزلق أجزاء من البلاد، بما في ذلك النازحون في دارفور والخرطوم، إلى المجاعة، ما بين مايو وأكتوبر.
وقال عمال الإغاثة ونشطاء حقوق الإنسان الذين أجرت صحيفة وول ستريت جورنال مقابلات معهم، إن قوات الدعم السريع، التي سيطرت على جزء كبير من الجزيرة في ديسمبر الماضي، دمرت قنوات الري لمنع الجيش من استخدامها كخنادق في هجومه المضاد الحالي.
وتركزت بعض أعنف المعارك في الحرب في العاصمة، الخرطوم، ما أدى إلى تحويل الأسواق والمباني الحكومية التي كانت تعج بالحركة إلى أنقاض، وتفاقم الاضطرابات في بقية أنحاء البلاد.
وبحسب الصحيفة نفسها، فإن البنوك تواجه صعوبة في الوصول إلى خوادمها في البنك المركزي ومقرها الرئيسي في الخرطوم، ما يجعل من الصعب على العديد من المواطنين والشركات السحب من مدخراتهم أو الحصول على النقد.
وعلى مدار الشهرين الماضيين، شهدت معظم أنحاء السودان انقطاعا شبه كامل للاتصالات السلكية واللاسلكية، ما أدى إلى شل تطبيقات تحويل الأموال التي أصبح الكثيرون يعتمدون عليها في التحويلات المالية من الخارج.
ونقلت وول ستريت جورنال عن أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأميركية، الذي أجرى أبحاثا في تاريخ المجاعات، قوله "ما نراه في السودان مزيج من عدة أنواع مختلفة من الأزمات".
وبالإضافة إلى انهيار الزراعة الآلية المحلية، أدت الحرب إلى إفلاس الشركات التي كانت تستورد المواد الغذائية وغيرها من الضروريات.
وما يزيد المشكلات تعقيدا، وفق الصحيفة، أن العديد من جيران السودان، مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، يواجهون أزمات غذائية محلية، بالإضافة إلى التعامل مع تدفق أعداد كبيرة من لاجئي الحرب السودانية.
وتضاعفت أسعار المواد الغذائية الرئيسية، مثل الذرة الرفيعة والقمح والذرة، ثلاث مرات في العديد من المدن مقارنة بالعام الماضي، بحسب شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة، وهي مبادرة أسستها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بعد أزمات الجوع في الثمانينات.
وتركز لجان الأحياء التي كانت تنسق الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية ضد نظام البشير ثم ضد البرهان وحميدتي، على جمع الأموال من المغتربين لإطعام الجياع.
ونقلت وول ستريت جورنال عن عاصم مختار، المتطوع في أحد المطاعم المخصصة لإطعام المحتاجين في الخرطوم، قوله "إن الحياة لا تطاق، ولم يعد بإمكاننا الحصول على الإمدادات، والأسعار لا يمكن تحملها، بينما انعدم الأمن".
وأوضح تقرير واشنطن بوست أن أسعار المواد الغذائية في السودان ارتفعت بأكثر من 110 في المائة منذ بدء الحرب. بينما تواجه المنظمات مشكلات في توزيع المساعدات في مخيمات اللاجئين السودانيين في تشاد وجنوب السودان التي انفصلت حديثا عن السودان، وذلك بسبب ندرة التمويل.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن "جذور مشكلة الجوع ذات شقين، هما الوصول والتمويل"، إذ تعرضت شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي للحظر والاختطاف والهجوم والنهب والاحتجاز.
ونقلت الصحيفة عن سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، قولها، "بينما تتجه المجتمعات نحو المجاعة، ومع انتشار الكوليرا والحصبة، ومع استمرار العنف في حصد الأرواح، ظل العالم صامتا إلى حد كبير تجاه أزمة السودان".
وأضافت "يجب على المجتمع الدولي أن يقدم المزيد، وعليه أن يهتم أكثر".
وبحسب وول ستربت جورنال، انتقدت الأمم المتحدة والولايات المتحدة وآخرون الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتعمدهم منع وصول المساعدات الغذائية إلى المحتاجين.
ويقوم المقاتلون بشكل روتيني باختطاف ونهب الشاحنات والمستودعات المحملة بالأغذية ومنع المساعدات من دخول المناطق التي يسيطر عليها خصومهم.
ويقول شهود وناشطون محليون إن المسلحين الذين يحرسون نقاط التفتيش يطلبون أموالاً من ناقلي الأغذية أو يسرقونهم.
وفي أم درمان، حيث يعيش حسن طه الذي روى معاناته إلى صحيفة وول ستريت جورنال يبلغ سعر كيس دقيق الدخن الذي يزن 12 رطلا حوالي 20 دولارا، أي أكثر من خمسة أضعاف سعره قبل الصراع. وهو الحال ذاته مع أسعار البنزين والديزل التي تضاعفت أربع مرات.
وكانت أسرة طه فرت إلى مخيم للنازحين في ولاية الجزيرة، لكنها عادت إلى أم درمان بعد أن استعاد الجيش معظم أنحاء المدينة في فبراير. وكان طه يأمل أن يتمكن من العمل في مهنته وهي إصلاح السيارات.
ولكن عندما تحدث إلى مراسل وول ستريت جورنا عبر الهاتف بعد ظهر، الجمعة، كانت الوجبة الأخيرة للعائلة عبارة عن وجبة محلية مكونة من الدخن والماء، صُنعت قبل يومين.
وقال طه للصحيفة: "نحن لا نجد أي شيء نأكله، وننام على بطون فارغة".
وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، في وقت توسعت فيه رقعة القتال بين الطرفين إلى ولايات جديدة بوسط السودان.
في المقابل، يكتنف الغموض جولة محادثات مرتقبة في 18 أبريل، بمدينة جدة، إذ لم يصدر من الطرفين أي تأكيد على حضورهما هذه الجولة.
المصدر
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: بین الجیش وقوات الدعم السریع صحیفة وول ستریت جورنال قوات الدعم السریع الولایات المتحدة الأمم المتحدة وفق الصحیفة فی السودان فی دارفور التی کانت الحرب فی أم درمان أکثر من
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح