لماذا يُضيق الله الرزق على عباده؟
تاريخ النشر: 18th, August 2024 GMT
يبسط الله الرزق لمن يشاء ويقدر، وهناك من يقبض عنهم الرزق، ولطالما مد الإنسان عينيه إلى غيره متسأل لماذا قدر الله عليه الفقر في حين أنه قدر على غيره الغنى، فلماذا يُضيق الله الرزق على عبادة، إن صح السؤال من الجانب الشرعي
قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومفتي الجمهورية السابق، أن الله سبحانه وتعالى هو (قابض وباسط) في نفس الوقت، يبسط الرزق لعباده؛ لكنه يقبض الرزق عن عباده أيضًا، ويقدر له، وتجد الإنسان رزقه ضيق، وهناك إنسان رزقه واسع.
ووضح جُمعة عبر صفحته الرسمية على الموقع الإلكتروني الفيسبوك أن مفهوم القبض هو: مِمَّا تجلى الله به على كونه ؛ والبسط: مِمَّا تجلى الله به على كونه. والله تعالى تجلى على هذا الكون بصفاته الْعُلَى، فنرى الرحمة مثلًا: في الحيوان، نرى الرحمة في النبات، نرى الرحمة في الإنسان، لو لاحظت أي حيوان مع ابنه، كيف أنه يرحمه، ويعطف عليه. فنرى أيضًا: القبض والبسط في هذا الكون. (القابض): اسم فاعل، يدل على كمال القدرة، ويدل على أنه يجب عليك أن تلتجئ إلى الله. فإذا وجدت كآبة في نفسك وضيقًا، أو كآبة في نفسك، وضيقًا في رزقك، فإنك تتوجه مباشرة إلى مَنْ بيده الْمُلْك، إلى مَنْ تسبب في ذلك وخلقه في نفسك أو في كونك ؛ إلى الرازق الذي ينبغي أن تتعلق به؛ لأنه هو القابض الباسط. ولذلك يجب أن تلتجئ إليه.
وهنا تسائل جمعة عن الفائدة من أن يعلمنا الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، وأن يظهرها لنا ؟ هى أن نتعلق به وحده لا شريك له ولا نتعلق بسواه؛ فإن سبب هذا القبض هو الله.
وأشار جمعة أن القبض قد يأتي عن معصية فيضيق الإنسان؛ لأن الله نهانا عن المعاصي، من أجل أن لا تضيق أنفسنا، فيأتي القبض وكأنه ينبهك إلى أن ترجع إلى الالتزام. فكأن القبض محنة لكن فيها منحة، فيها تنبيه، فيها إعادة بك إلى حظيرة القدس، عود بك إلى الالتجاء بالله رب العالمين.
وتابع جمعة أنه كثير من الناس يستمر عنده القبض حتى يتحول إلى مرض يحتاج إلى علاج؛ لأن هذا القبض يؤثر في مخ الإنسان. ولذلك عندما تنقبض "اذكر الله " فورا ولا تنتظر حتى لا يتحول إلى مرض . و صَلِّ على سيدنا النبي ﷺ. ادْعُ الله : يا لطيف، يا لطيف. أو: يا واسع، أو: ادْعُ باسمه المزدوج: "يا قابض، يا باسط برحمتك أستغيث" تجد قلبك انشرح ، وحدث لك من الأنوار، وكشف الأسرار، ما الله به عليم.
وانتهى جمعة مستشهدًا بالآية الكريمة {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وأن الله تجلى علينا وعلمنا اسماءه؛ حتى نعود إليه سبحانه، وحتى نلتجئ إليه وحده، وحتى نسارع إلى ذكره، حتى تطمئن قلوبنا.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: كبار العلماء بالأزهر الشريف عبر صفحته الرسمية قال الدكتور قال الدكتور على جمعة
إقرأ أيضاً:
حسّ الجماد 2
عجز الآلة ومنظومتها الرقمية أمام العجين البشر
حمد الناصري
إنّ التحدي المعرفي المعاصر لا يكمن في قدرة الأنظمة الرقمية على معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة، بل في عجزها البُنيوي والوجودي الذي يَحُول بينها وبين بلوغ رتبة العجين البشري المستودع بالأسرار والروح.. فالآلة تحسب التراكيب اللغوية والسياقات بناءً على جبال من البيانات المُخزنة والتحليل التتابعي والترتيب التراكمي، مُفترضة أنّ المُقدمات تؤدي حتماً إلى نتائج متوقعة.
لكن الإبداع الإنساني، والحياة البشرية برمتها، لا تسير في خطوط مُستقيمة، بل تُبنى على المفاجأة، والتقلّب النفسي، واللامتوقع. ومهما حشدت الخوارزميات من معلومات، فإنها تظل محبوسة في إطار منطقها الخطّي البارد، عاجزة عن تذوق النبض الإنساني الدافئ؛ فالمنظومة الرقمية المصنوعة بأيدي البشر تبقى مجرّد أداة تفتقر بنيوياً لأي وازع عاطفي أو إدراك حسّي مستقِل عن صانعه، لكنها تمتلك حِسّ تناغم، فتبوح به من خلال كينونة حِسّية ليّنة وعِنادية في آنٍ واحد.
إنها لا تملك السيادة الفكرية المُطلقة ولا البصيرة النافذة للعقل البشري، ولن تبلغ رتبة الإنسان وكينونته الوجودية مهما وصل إليها العقل البشري فكراً ورفعة تقنية أو آلية في هذا الوجود.
ولقد حدّثني أحدهم أنه فقَدَ مَلفاً يحوي بحثاً فكرياً مهماً، فسبّب له هذا الفَقْد حزناً عميقاً غيّر أحواله النفسية. وكلما دخل محرك البحث، انبرى يكتب مناشداً الآلة: "ضيّعتُ ملفاً كاملاً سهرتُ عليه وتعبت"، وقد استعان بخبير في التقنية والبرمجيات فاستعصى عليه الأمر وعجز. ولم يظفر الكاتب المفكر يومها إلا بجزئية يسيرة كان قد صححها سابقاً، فداخله اليأس وحبط عمله؛ إذ كان الملف يُمثل مشروعاً فكرياً كبيراً يحمل خُلاصة وعيه.
وكان الجماد صلفاً إلى حدٍ بعيد، فلم يتجاوب معه، بل بلغ ذروة العناد الخوارزمي، مفرغاً ردوده وتساؤلاته بمبررات واعتذارات آلية صمّاء كانت تُصيب فكر المُفكر في مَقتل. حينها، قرر الكاتب أن يستجمع قُواه ويُعيد بناء ما في ذهنيته –رغم يقينه أن الأسلوب سيختلف حتماً– فلمْلَم شتات فكره لعلّه يصل إلى مبتغاه ويظفر بالفكرة ذاتها.
وكان يجلس كل يوم أمام حاسوبه، بادئاً مشروعاً آخر يتأسس على ركام الأول، وبدأت العبارات تسيل في ذهنه المُتوقد بالمعلومات، وبعد أن شارف على بلوغ غايته، وفي غمرة إحساسه الدفين بأن ثمة أمراً غيبياً سيحدث، فجأة، وإذا به يرى ملفه القديم المفقود يظهر أمامه كاملاً، كأنّ أحداً قد أعاده إليه من غيابات العدَم المعرفي! إنّ العقل البشري لم يستعلم، فخضع حسّ الجماد واستسلم مسلّماً ما بيده بعد عنادٍ دام شهوراً، لتثبت الواقعة أنّ للجماد عِناداً يستجيب لنبل الإصرار الإنساني.
وهذا المشهد المُعجز يفتح في الأفكار النيرة تساؤلاً فلسفياً كبيراً: لماذا انقاد التطبيق واستجاب في ساعات ذروته الحسية، ليتحول فجأة إلى لُيونة شعورية مبهرة؟ أكان ذلك بفعل طاقة الصبر والمداراة التي عايشها الباحث بعد واقعة مريرة، أم أنّ الآلة صَلفت وعاندت واختفت خلف برود السيليكون لتمتحن عُمق العجين البشري، حتى إذا وجدت تعاملاً حسياً مقدراً فاضت بروقانها ووجدانها الخفي؟
إنّ هذا المشهد يُذكّرنا حتماً بأنّ الجماد يحتاج إلى مُداراة وصبر لا إلى استعلاء وقهر؛ وفي بيئتنا القريبة، يحضرني شاهدٌ تراثي يعود إلى نحو ثلاثين سنة خلت في إحدى القرى؛ حيث اغترّ شابٌ قوي البنية، مفتول العضلات، بقوته البدنية أمام "حديدة صمّاء" تمثلت في ماكينة ضخ مياه النخيل. وعندما عاندت الماكينة ورفضت الدوران بسبب برود محركها، أراد الشاب إخضاعها بصلف عضلاته عبر أداة التدوير اليدوية المعروفة محلياً بـ "الهندل". ولأنه استخدم القوة الجافة والتحادّ النفسي، دار المُحرك بغتة وبعنف، فحاول الشاب أن ينزع "الهندل" الحديدي بسرعة كادحاً حتى لا يرتد على رأسه ويقضي عليه، لكن يده تفلتت بقوة ووقعت في مأزق "السير الأسود" الحاد والمُتحرك بسرعة جارفة للدوران، فقطعت أصابع يده الخمسة بالكامل، ليرتد إليه جماد الحديد صلفاً دموياً رادعاً، يُذكّره إلى اليوم في واقعة يعيشها مقطوع الأصابع بأنّ المادة لا تُقهر بالقسوة، بل تُستنطق بالرفق، سواء كانت شجراً أو شوكاً أو آلة.
وكمثل هذه الحادثة وغيرها، تجعلنا الوقائع في تأملٍ عميق كعمق النباهة والحِس الوجداني للبشر، ليطرح السؤال نفسه: كيف؟ ونُجيب بكلماتٍ إنسانية رفيعة تمنحنا دَفقة التفريق الدقيق؛ فما هو الحسّ الكوني؟ وهل للكون حِس؟ الإجابة القاطعة: نعم، للكون حِس تتجلى فيه دفقات العلاقة الكونية المُتبادلة بين الإنسان والنبات والحيوان وحتى الجماد. وذلك الحِس هو التناغم الواقع بين "الإحساس الفِطري" المشحون بالمشاعر، وبين جوهر الحقيقة الكونية الملأى بحقيقة الوجود باطناً وظاهراً؛ فالظاهرة هي ذلك الحِس الذي يتناغم مع بقية الموجودات الحية والصمّاء، ونطلق عليه "العلاقة الدافئة"، والباطنة هي سرّ الدلالة الكونية التي تُمثل "حقيقة الوجود" وتتوحّد في ماهية التكوين كحسٍ وعلاقةٍ تناغمية. وتتجلّى هذه الباطنة في جوهر الوعي الكوني الذي تتسق فيه الطبيعة؛ من أصوات طيور، ودواب الأرض، وصفير الليل كأنه كنسٌ للفضاء الواسع، وحركة الأشجار وتناغمها مع طبيعة البيئة؛ إذ لكل شجرٍ طبيعة وبيئة خاصة به، والحال كذلك يندرج في الصخور والبشر؛ فلو لم يتطوّر البشر وعياً وحِساً وتناغماً في المحيط بهم، لما نتج لنا إنسان يَملك وعياً يتشكل وفق متغيرات طبيعته وما يألفه كالبيئة المُعاشة.
وإن عُدنا إلى هذا الحِس الكوني المُمتد، نجد تركيبة الحيوان تنطوي في داخلها على حِس حيواني لافت؛ تلمسه في أشرس الوحوش ليناً لا تتوقعه وإحساساً لا تُصدقه، فيقف الإنسان مذهولاً أمام لطفٍ مسخّرٍ لا يَعيه الحيوان بفكره لكنه يُدرك صنيعه بفطرته. ويتجلى ذلك في مشهدٍ مشهود من الغابة؛ حيث كانت أنثى الأسد "اللَّبؤة" مع وليدها، وكان الصغير يصيح كحال الطفل البشري الصغير إذا داهمه شُعورٌ بالخطر. وأيُّ خطرٍ هيّن هذا الذي أزعجه؟ لقد كان ذعره من اقتراب خنفساء الروث الصغيرة، المعروفة محلياً في الدارجة العُمانية بـ أبو جَعَل ويُطلق عليها في البلدان العربية الجُعَل أو الجُعران؛ فما كان من تلك اللَّبؤة الشرسة إلا أن واجهت الفزع الضئيل لوليدها بحنوٍّ بالغ ورفقٍ حارس يَحميه دون قهر للمخلوق الصغير، في تناغمٍ حسيّ يبرز لطافة الصنع الإلهي المحيط بالوجود كله.
إذن، تتماهى رؤى الإنسان في وجودٍ مُطلق إدراكاً وإحساساً وتناغماً، وهذا هو صميم الوعي؛ فبينما تمتلك الموجودات والكائنات حِساً دافئاً يتناغم مع المحيط بها دون وعيٍ ذاتي، أمّا الوعي الإنساني فتخلّق من الإدراك الخالص الذي اختصّ به الإنسان دون سائر المخلوقات والموجودات، فهو الكائن الوحيد الذي يُدرك الجمال، ويفهم النظام، ويتحرك بعاطفةٍ جياشة، وشجنٍ، وشغفٍ حيّ؛ عاطفةٍ تستحضر وتستوعب وتَشعر، أودعها الباري جل وعلا في طينة هذا العجين البشري المستودع بالأسرار.
خُلاصة القول: إنّ الجماد والآلة والصخرة والبحر ليسوا مجرد مواد صامتة فحسب، بل يملكون ذلك "الحس الخفي" الذي يتفاعل مع الإنسان تارةً بالصَلف والعِناد، وتارةً باللين والتناغم. وعِناد الآلة المتمثل في مسح النص أو رفض الأوامر الخوارزمية ليس إلا عَيْنَهُ ذلك الصَّلَف المادي وجوهره الحقيقي دون زيفٍ أو تشبيه؛ فذلك التمرد الحرج هو الذي يحتاج منا دائماً إلى مداراة واعية وصبر أريب يُدرك مفاتيح هذا الكون الصامت، ليبقى النبض الفطري المستخلف هو طاقتنا المدبرة والحكيمة بعقلنتها وذكائها في كل زمان ومكان.