التدافع لشراء الذهب يعكس مخاوف العالم
تاريخ النشر: 25th, August 2024 GMT
جون جابار
ترجمة: قاسم مكي
عندما أبحر الأسطول الهولندي إلى مصب نهر التايمز في عام 1667 وشن هجوما مباغتا على السفن البريطانية أصاب الذعر الإداري البحرية وكاتب اليوميات صموئيل بيبيس كتب «لقد قضي على المملكة». أخرج بيبيس زوجته ووالده من لندن وحمَّلهما قطعًا ذهبية أودع فيها ثروته لدفنها في حديقة.
اليوم الصينيون والهنود الذين يشترون المجوهرات والسبائك الذهبية ليسوا أوائل من وضعوا ثقتهم في الذهب لحماية أموالهم.
يقول جون ريد كبير إستراتيجي السوق بمجلس الذهب العالمي «عندما تحدث الأشياء السيئة يتجلَّى الذهب». لذلك عودة الذهب انعكاس مزعج للأوضاع الحالية بعدما اعتبره مستثمرون عديدون أصلا استثماريا عتيقا فات أوانه.
بلغ سعر الذهب 2531 دولارًا للأونصة (الأوقية) يوم الثلاثاء الماضي. وهذا مستوى قياسي يساوي بعد احتساب التضخم خمسة أضعاف السعر الذي حصلت عليه بريطانيا عندما باعت بعض احتياطيها من الذهب قبل ربع قرن (سويسرا أيضا باعت كميات كبيرة من الذهب وقتها).
عادت البنوك المركزية إلى شراء الذهب خصوصًا بنوك الصين وروسيا إلى جانب بلدان أخرى تريد تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي. كما تدافع المستثمرون الصينيون الأفراد الذين أربكتهم أزمة العقارات وأوضاع البلبلة الاقتصادية لشراء المعدن الأصفر. أيضا يشتري أثرياء العالم المزيد من الذهب. واتبعت صناديق التحوط في الولايات المتحدة اتجاه السوق.
إذ بدت في هذه الأيام ملامح تدافع نحو الذهب مع تراكض المشترين من كل شاكلة ولون حتى لا يفوتهم شراؤه إلا أن شركات التنقيب عن الذهب لم تتأثر بهذا الحماس. فخلافا لما حدث في كاليفورنيا عام 1848 وجنوب إفريقيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر تصارع شركات استكشاف وتعدين الذهب لتأمين الاستثمار. تداول الذهب والمشتقَّات في الواقع أيسر من استخراج وتنقية المزيد من الذهب.
«نحن لا نزال في حالة ركود» هذا ما قاله لي نيكولاس برودي الرئيس التنفيذي لشركة كندية صغيرة مدرجة تعمل في مجال التنقيب عن الذهب اسمها «جولكوندا جولد». في مايو بدأت جولكوندا إنتاج مسحوق خام الذهب من جزء من منجم جنوب إفريقي استحوذت عليه عندما كان غير مستخدم في عام 2015. وكان المنجم أصلا يسمى أغنيس نسبة إلى اسم زوجة مستكشف بريطاني عثر على الذهب هناك عام 1888.
مشكلة الشركات الصغيرة مثل جولكوندا أن تكلفة الإنتاج ارتفعت. أوضح برودي ذلك بقوله «كل بنس أحصل عليه أدفنه (أنفقه) مرة أخرى في المنجم». فمُرَكَّز خام الذهب يلزم شحنه إلى الصين لتنقيته. وفي حين أن ارتفاع الأسعار سيزيد الأرباح يومًا ما إلا أن المنجم لن يصل إلى الإنتاج الكامل إلا بعد ثلاث سنوات. فالتنقيب عن الذهب ليس استثمارًا للثراء السريع.
يوجد سلفا الكثير من الذهب. فخزائن البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تحوي 507 آلاف سبيكة ذهبية تبلغ قيمتها 510 بلايين دولار بأسعار هذا الأسبوع (يُحتفظ بهذا الذهب نسبة لثقله في خزائن على الأرض الصخرية لجزيرة مانهاتن عند عمق 15 مترًا تحت سطح البحر). كما تحوي خزائن لندن بما في ذلك تلك التابعة لبنك إنجلترا كمية أخرى تبلغ 6850 طنًا بقيمة 690 بليون دولار. فالكثير من الذهب يُستخرج ثم يُدفن مرة أخرى.
الذهب الذي يحرسه البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ليس مملوكًا له. فالكثير منه وصل بالطريقة نفسها التي نُقِلَت بها ثروة بيبيس إلى حديقة. أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية نقلت عدة بلدان ذهبها إلى ما اعتبرته ملاذًا آمنًا وراء البحار. كما فعل ذلك مستثمرون أيضًا. لقد حظي بحراسة جيدة ولم يَرَ عديدون أن ثمة حاجة إلى نقله مرة أخرى.
أصبح تخزين الذهب الآن أكثر قيمة. وهذا يعكس المخاوف العميقة وسط المستثمرين (مخاوفهم من الاستثمار في الأصول الأخرى).
يميل سعر الذهب إلى الارتفاع خلال الأزمات مثل غزو أوكرانيا بواسطة روسيا في عام 2022 مع هروب المستثمرين من الأصول الخطرة. استمر ذلك بعد رَدِّ مجموعة السبع على الغزو بتجميد احتياطيات روسيا من العملة الصعبة (الموجودة في بلدان أخرى). أما الذهب الذي تحتفظ به روسيا في الداخل فأقل تأثرًا بمثل هذا الإجراء.
ومع محاولة بلدان من بينها روسيا والصين والهند وكازاخستان التخلي عن «الدولرَة» زادت مشتريات الذهب بواسطة البنوك المركزية في العامين الماضيين. وتقول البنوك المركزية أيضًا إنها تشتري المزيد من الذهب لخشيتها من مخاطر ارتفاع التضخم في الأجل الطويل. هذا أيضا خبر لا يُطَمئِن لأن مهمة هذه البنوك السيطرة على التضخم.
مُغرَمو الاستثمار في الذهب يبالغون في التحذير من تآكل قيمة العملة والانهيار المالي. في أبريل الماضي كتب روبرت كيوساكي المؤلف والمستثمر «كل شيء يتحول إلى فقاعة. احموا أنفسكم. من فضلكم اشتروا المزيد من الذهب.. وأيضًا الفضة وعملة البيتكوين».
لمن ينتابهم القلق هنالك الكثير الذي يستدعي القلق هذا العام. فسعر البيتكوين ارتفع أيضًا، مدفوعًا بتجدد الثقة في العملات المشفرة والشكوك حول الدولار.
لكن الذاكرة قصيرة. فالذهب كان مفضلا بعد الأزمة المالية في 2008-2009 حينما قادت المخاوف من إشعال التيسير الكمي التضخمَ إلى ارتفاع سعره لأكثر من 1900 دولار للأونصة في عام 2011 (وهذا السعر أعلى بالقيمة الحقيقية من سعره اليوم) قبل أن يهبط مرة أخرى.
قد يتضح أن الحماس لشراء الذهب هذه الأيام مؤقت بنفس القدر. فالتضخم ربما يستمر في الهبوط والضغوط الجيوسياسية قد تخفّ.
مع ذلك تزداد قيمة الذهب في نظر الناس عندما تسوء أحوال العالم في أوقات الأزمات. كتب صموئيل بيبيس في يومياته بعد أيام قليلة من الغارة الهولندية «في الليل أنا وزوجتي نسير على أقدامنا ونتحدث مرة أخرى عن ذهبنا الذي ينتابني القلق من أنه ليس في مأمن»
لحسن حظه، صمدت بريطانيا أمام هجوم أسطول هولندا واستعاد بيبيس معظم الذهب.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المزید من الذهب مرة أخرى الذهب ی الذهب ا فی عام
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود