ضغوط الوقت: قيود مناورة ماكرون لمنع تشكيل اليسار الحكومة الجديدة
تاريخ النشر: 11th, September 2024 GMT
يواصل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مشاوراته السياسية من أجل التوصل إلى توافق لاختيار رئيس الوزراء القادم، وذلك بعدما أعلن ماكرون، يوم 26 أغسطس الماضي، عن رفضه لاختيار لوسي كاستيه، مرشحة تحالف “الجبهة الشعبية الجديدة” اليساري، المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية المبكرة الماضية، لتشكيل الحكومة المقبلة، مبرراً هذا الموقف بأنه محاولة لتجنب تعرض هذه المرشحة لتصويت بسحب الثقة في ظل رفض باقي الكتل السياسية لها، ومؤكداً أن هذا يتماشى مع دوره الخاص بحفظ وضمان الاستقرار المؤسسي.
موقف ماكرون:
يأتي موقف ماكرون ليُظهر حجم الأزمة الخاصة بتشكيل الحكومة الفرنسية المقبلة بعد الانتخابات الأخيرة، والتي لم يتمكن أي تكتل فيها من الحصول على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة بمفرده (289 مقعداً من إجمالي 577)؛ إذ توزعت مقاعد البرلمان على ثلاث كتل رئيسية، وحصل التكتل اليساري “الجبهة الشعبية الجديدة” على 182 معقداً، في حين حصل تكتل الوسط “معاً” الذي يتزعمه ماكرون على 168 مقعداً، وحصل تكتل اليمين المتطرف والذي يضم “التجمع الوطني” وحلفاءه من المحافظين على 143 مقعداً. وتوزعت بقية المقاعد على أحزاب أخرى، أبرزها حزب الجمهوريين (يمين وسط) الذي حصل على 45 مقعداً.
ويتمسك تحالف “الجبهة الشعبية الجديدة” بما يعتبره حقه في ترشيح رئيس الوزراء الجديد، باعتبار أنه حصل على أكبر عدد من المقاعد مقارنةً بغيره من التحالفات والأحزاب. فيما يرى ماكرون أن اختيارات هذا التحالف اليساري سوف تتم الإطاحة بها بمجرد توليها عبر أول اقتراع لحجب الثقة عن الحكومة؛ نظراً لرفض كتلتي الوسط التي يرأسها ماكرون، واليمين المتطرف، لهذه الاختيارات؛ ومن ثم فمن غير المنطقي المُضي قُدماً في تبني اختيارات “الجبهة الشعبية الجديدة”.
واقترحت هذه الجبهة تولي كاستيه منصب رئيس الوزراء؛ ما استدعى انتقادات أخرى بجانب المواقف السياسية لكتلتي الوسط واليمين؛ إذ رأى العديد من رموز الكتلتين أن مرشحة تكتل اليسار تنقصها الخبرة السياسية، وأنها لم تتول مناصب مؤثرة بالعمل العام؛ مما يجعلها مرشحاً غير مناسب.
غضب اليسار:
أثار رفض ماكرون تولي لوسي كاستيه، مرشحة “الجبهة الشعبية الجديدة”، رئاسة الحكومة الجديدة، ردود فعل سلبية عديدة، وخاصةً من التكتل اليساري؛ إذ رفضت “الجبهة الشعبية الجديدة” موقف ماكرون، ودعا حزب “فرنسا الأبية” أنصاره إلى النزول إلى الشارع يوم 7 سبتمبر الجاري، احتجاجاً على عدم موافقة الرئيس الفرنسي على اختيار رئيس وزراء من تحالف اليسار. وبالمثل، قال قادة الأحزاب الاشتراكية والشيوعية إنهم سيلجأون إلى الشارع.
كما دعا حزب “فرنسا الأبية”، يوم 31 أغسطس الماضي، المجموعات البرلمانية الأخرى إلى عزل ماكرون بسبب “إخفاقات خطرة” في أداء واجباته الدستورية، حسبما جاء في مشروع قرار كتبه نواب الحزب المتحالف مع الخضر والاشتراكيين والشيوعيين ضمن “الجبهة الشعبية الجديدة”. جدير بالذكر أن ثمة عقبات تواجه محاولة عزل ماكرون من خلال المادة 68 من الدستور الفرنسي؛ إذ إنها تستدعي موافقة ثُلثي أعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.
أيضاً، رفض الحزب “الاشتراكي” موقف ماكرون، كما رفض دعوته للحزب بالتعاون مع قوى سياسية أخرى (والتي تعني بالضرورة تفتيت الجبهة الشعبية اليسارية والانضمام إلى تكتل الوسط)؛ إذ صرح رئيس الحزب، أوليفر فور، بأنه لن يكون جزءاً من مسرحية باسم الديمقراطية، معتبراً أن ماكرون يرغب في إطالة سياساته بالرغم من أن نتائج الانتخابات تشير إلى عكس ذلك. فيما عبّر حزب “الخضر” عن رفضه لموقف ماكرون، وصرحت رئيسة الحزب مارين تونديلير بأن “الانتخابات تُسرق من اليسار”.
وعلى صعيد اليمين المتطرف، يمارس حزب “التجمع الوطني” لعبة مزدوجة، ففي الوقت الذي يحرص فيه على عدم تولي رئيس وزراء يساري الحكومة الفرنسية، ويشارك تكتل ماكرون موقفه؛ فإنه من ناحية أخرى يستغل الموقف لانتقاد الرئيس الفرنسي باعتبار أنه تسبب في كل هذه الفوضى بقراره حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، على حد وصفه.
الوضع القانوني:
إذا نظرنا إلى الدستور الفرنسي والذي ينظم العلاقة بين مؤسستي البرلمان والحكومة، واختيار رئيس الوزراء، نجد ما يلي:
1- لا يوجد قانونياً ما يلزم الرئيس الفرنسي باختيار رئيس الوزراء من الحزب أو الائتلاف صاحب أكثرية المقاعد في الانتخابات. فوفقاً للمادة الثامنة من الدستور، يمتلك الرئيس قوة كاملة في اختيار رئيس الوزراء، إلا أنه جرت العادة على المواءمة بين اختيار الرئيس والائتلاف صاحب الأكثرية، حتى لا تتعرض الحكومة لاقتراح بسحب الثقة؛ إذ يملك البرلمان ذلك في ضوء نظام “الكوابح والتوازنات” الفرنسي.
2- لا يوجد موعد قانوني محدد يلزم الرئيس الفرنسي باختيار رئيس الوزراء الجديد، غير أن هناك عدداً من الاعتبارات السياسية، أبرزها عرض مقترح موازنة العام الجديد، الذي من المفترض أن يتم بحلول بداية أكتوبر 2024؛ وهو ما يتطلب وجود حكومة بصلاحيات كاملة وليس مجرد حكومة تسيير أعمال وفقاً للوضع الحالي.
3- لا توجد سوابق تاريخية يمكن القياس عليها قانونياً في الموقف الحالي، إذ يتسم هذا الموقف بالتقارب النسبي لعدد مقاعد الكتل الثلاث الرئيسية. في حين أنه، على سبيل المثال، خلال انتخابات 2022 وإن لم يتمكن فيها التكتل الذي ترأسه ماكرون من تحقيق الأغلبية المطلوبة (289 مقعداً)، إلا أنه كان التكتل الرئيسي وبفارق مريح عن باقي التحالفات؛ إذ حصل على 250 مقعداً؛ مما جعل مسألة اختياره لرئيس الوزراء حينها محسومة.
مسار مُحتمل:
يمكن تفسير موقف ماكرون بعدم الموافقة على تعيين رئيس وزراء جديد من ناحيتين: أولاهما، أن بقاء الوضع الحالي يعني استمرار الحكومة المؤقتة برئاسة غابرييل أتال في تسيير الأعمال، وهو أمر إيجابي بالنسبة لماكرون. وثانيتهما، أن التمسك بعدم اختيار مرشحي “الجبهة الشعبية الجديدة” هو مراهنة على احتمالية انهيار هذا التحالف اليساري وتخلي بعض أو كل أعضائه عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري المتطرف، الذي يمثل الكتلة الأكبر داخل هذا التحالف؛ وهو ما عبّر عنه ماكرون بشكل واضح عندما دعا أحزاب الخضر والاشتراكيين إلى التعاون مع القوى السياسية الأخرى.
ويدرك ماكرون أن اختيار رئيس وزراء من التكتل اليساري الفائز في الانتخابات، سيمثل تحدياً كبيراً لسياساته؛ بل وانتكاسة لبعضها؛ ولاسيما تلك الخاصة بسن المعاش والإجراءات التقشفية التي اتخذها؛ إذ تختلف أجندة هذا التكتل وبرنامجه الانتخابي بشكل جذري عن اتجاهات تكتل “معاً” الذي يرأسه ماكرون. غير أن ماكرون في الوقت ذاته يبدو مقيداً بأمرين يحدان من هامش مناورته؛ الأول، هو الإطار الزمني الخاص بتشكيل الحكومة؛ إذ لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على حكومة تسيير أعمال في ظل الحاجة إلى تقديم قانون الموازنة العامة بحلول أكتوبر المقبل، بالإضافة إلى ضغوط الشارع الفرنسي. والأمر الثاني، أنه وعلى الرغم من اختلاف ماكرون مع سياسات تكتل اليسار؛ فإن بديل ذلك هو التكتل اليميني المتطرف؛ وهو اختيار مستبعد تماماً بالنسبة لتكتل الوسط الذي يرأسه ماكرون.
وتجدر الإشارة إلى أن الموقف الراهن يُعد مفصلياً بالنسبة لحزب “فرنسا الأبية”؛ إذ إنه لا يتعلق فقط بمشاركته في الحكومة القادمة من عدمها؛ بل بتوصيفه كحزب مقبول من الأحزاب الوسطية أو لفظه ومساواته بحزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان.
بناءً على ما سبق، قد يضطر ماكرون إلى اختيار رئيس وزراء جديد من تكتل اليسار الفائز في الانتخابات الماضية؛ خصوصاً إذا فشلت محاولة ماكرون لتفتيت هذا التكتل، واستمر الأخير في تماسكه وإصراره على ترجمة مكاسبه الانتخابية. ففي هذه الحالة، من الممكن أن يتم التوصل إلى اتفاق يشمل اختيار تحالف اليسار لشخصية مقبولة نسبياً بالنسبة لكتلة الوسط “معا”، مع تقليص عدد وزراء حزب “فرنسا الأبية” في الحكومة إلى الحد الأدنى. وأيضاً، وفي ظل الموقف الراهن، قد تطرح بعض القوى السياسية مسألة العلاقة بين المؤسسات الفرنسية للنقاش؛ نظراً لما كشفت عنه الأزمة الحالية من عدم استقرار العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وما يرتبط بذلك من عدم استقرار سياسي عام.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
رحيل أوكاموتو ببيروت.. المناضل الياباني منفذ عملية مطار اللد
في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعيدا بآلاف الكيلومترات عن مسقط رأسه في "كوماموتو" جنوبي اليابان، يرحل -اليوم الخميس- المناضل كوزو أوكاموتو، أو "أحمد الياباني" كما يُلقب، عن عمر ناهز 78 عاما، مسدلا الستار على مسيرة حافلة في الكفاح دفاعاً عن القضية الفلسطينية.
ونعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -في بيان- أوكاموتو، الذي انضم إلى صفوفها، وارتبط اسمه بـ"عملية مطار اللد"، مشيرة إلى تضحياته التي "امتدت لعقود طوال في ميادين النضال إلى جانب القضية الفلسطينية".
كما نعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) المناضل الياباني، مشيدة بمسيرته التي جسّدت المبادئ والقيم الإنسانية، والعمل المخلص والدؤوب لنصرة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدة أنه سيبقى عنوانا للحرية، ورمزا لمقاومة قوى الظلم والاستبداد.
وفي بيانها، ذكرت الجبهة الشعبية جملة من السمات الشخصية التي ميّزت "المناضل الأممي"، ومحطات من حياته، وقالت إنه تفرّد بذكاء حاد وقدرات استثنائية، مشيرة إلى أنه درس علم النبات، وأتقن ببراعة منقطعة النظير لغات عدة، من بينها العربية والإنجليزية والعبرية والصينية والروسية، في زمن يسير، مسخرا رصيده المعرفي والعلمي في خدمة القضية التي أحبها.
لكن لم تحل الآفاق الأكاديمية بينه والانضمام طوعا في بداية شبابه إلى الجيش الأحمر الياباني عام 1966، حيث كان يضم فرعا يهتم بالقضية الفلسطينية، قبل أن يلتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي يوم 30 مايو/أيار من عام 1972، أصبح "أحمد الياباني" رمزا لنمط جديد من العمليات الفدائية التي تبنتها الجبهة الشعبية ضد إسرائيل، إذ وُصفت العملية التي نفذها بأجرأ عمليات المقاومة وأكثرها إبداعا.
إعلانوفي ذلك اليوم، غادر أوكاموتو ضمن فريق ضم 3 يابانيين مدينة روما الإيطالية، على متن الطيران الفرنسي، متجهين إلى مطار اللّد (بن غوريون حاليا)، لتنفيذ عملية باسم الجيش الأحمر بالتعاون مع الجبهة الشعبية، بهدف الانتقام لعملية تدمير أسطول طائرات الشرق الأوسط في مطار بيروت عام 1968.
وبعد هبوط الطائرة، توجه أوكاموتو ورفاقه إلى منطقة استلام الأمتعة، وأخرجوا أسلحة رشاشة وقنابل يدوية، وبدأوا إطلاق النيران على المسافرين، فقُتل 26 شخصا وجُرح أكثر من 71 معظمهم من المسيحيين حملة الجنسية الأميركية من جزيرة بورتوريكو.
وفيما قُتل رفيقاه أثناء العملية، حاول أوكاموتو الفرار، قبل أن يُلقى القبض عليه بسبب جروحه، حيث قضى في السجون الإسرائيلية 13 عاما، معظمها في الحبس الانفرادي، الذي استهدف تحطيم إرادته وعقله وجسده، وروى بعد خروجه أن الإسرائيليين كانوا يجبرونه على تناول الطعام بفمه ويداه مكبلتان من الخلف مثل الكلاب.
وأثناء التحقيق معه وعده ضباط التحقيق الإسرائيليون بأن يمكنوه من مسدس لينهي حياته إذا تعاون معهم خلال استجوابه، فوافق لأن ثقافته النضالية وثقافة تنظيمه تفضل الموت على السجن، إلا أن الإسرائيليين لم يمكنوه مما وعدوه به، وظل في السجن.
وفي 20 مايو/أيار 1985، تحرر المناضل الياباني، ضمن صفقة تبادل للأسرى بين الجبهة الشعبية وإسرائيل، عرفت آنذاك باسم عملية الجليل، وشملت الصفقة أوكاموتو وعددا كبيرا من الأسرى العرب والفلسطينيين.
وبعد إطلاق سراحه، توجّه إلى لبنان حيث اعتُقل وحكم عليه في العام 1997 بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة الدخول غير القانوني إلى البلاد، وتزوير وثائق رسمية وحيازة جوازات سفر مزوّرة.
وبعد انتهاء محكوميته عام 2000، جددت الحكومة اليابانية مطالبة السلطات اللبنانية بتسليمه، فيما انتفض الشارع اللبناني داعما له، لأنه من أنصار القضية الفلسطينية.
وزادت آنذاك ضغوط الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية، تزامنا مع انتفاضة الشارع اللبناني والحقوقيين العرب، ليُطلق سراح أوكاموتو، ويُمنح اللجوء السياسي في بلد لا يعترف بهذا الحق، واشتُرط عليه ألا يمارس أي نشاط سياسي وألا يظهر في وسائل الإعلام، وظل مكان إقامته غير معروف ويعيش رفقة زوجته مي شيغنوبو وولديهما.