الغاطس في معركة قانون الإجراءات الجنائية بمصر
تاريخ النشر: 15th, September 2024 GMT
يقال إن الغاطس في السياسة أضعاف أضعاف الظاهر منها، ينطبق هذا على أزمة قانون الإجراءات الجنائية في مصر، والتي بدت في ظاهرها معركة قانونية بين لجنة تشريعية تريد فرض المزيد من القيود دعما لسلطة أتت بها، ومنظمات نقابية وحقوقية وسياسية ترفض هذه القيود انتصارا لحرية تؤمن بها وتدافع عنها، لكن هذا جانب واحد من الصورة التي لها جوانب أخرى كثيرة "غاطسة".
بعيدا عن جدل النصوص وتعقيداتها، ومدى مخالفتها للدستور، والذي تكفلت به نقابتا الصحفيين والمحامين، وعدد من المنظمات الحقوقية، وأساتذة القانون، فإن من المهم التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها معركة سياسية قبل أن تكون قانونية، ذلك أنها تعكس إرادة سلطوية في استمرار القمع، وتقنينه، حتى وإن حاولت تغليف ذلك ببعض الإصلاحات الجزئية؛ مثل تخفيف قيود الحبس الاحتياطي التي تدرك أنها ستفرغها من مضمونها عند التنفيذ، كما فعلت ولا تزال تفعل مع القانون الحالي الذي يجعل المدة القصوى للحبس الاحتياطي سنتين في القضايا الكبرى، ومع ذلك هناك آلاف المحبوسين احتياطيا قضوا ضعف هذه المدة دون أن يروا النور، بل لفقت لهم قضايا جديدة من داخل محابسهم، وهو ما يتوقع أن يحصل مجددا بعد تعديل القانون، و"كأنك يا أبو زيد ما غزيت"!
من المهم التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها معركة سياسية قبل أن تكون قانونية، ذلك أنها تعكس إرادة سلطوية في استمرار القمع، وتقنينه، حتى وإن حاولت تغليف ذلك ببعض الإصلاحات الجزئية؛ مثل تخفيف قيود الحبس الاحتياطي التي تدرك أنها ستفرغها من مضمونها عند التنفيذ
المعركة الجديدة حول التعديلات المقترحة لقانون الإجراءات الجنائية تبرز خطرا حقيقيا لا يقتصر على الصحفيين أو المحامين أو الحقوقيين، بل يشمل عموم الشعب، ففي ظل حالة القمع والتخويف التي فرضها النظام على المصريين حتى لا يفكروا في الثورة ضده، فإن كل مواطن أصبح "مشروع متهم"، وقد تعززت هذه الفكرة لدى المواطنين مع استمرار القبض العشوائي عن الناس من الشوارع، وتوجيه اتهامات لهم لا علاقة لهم بها، بل لا يسمعون عنها إلا في وسائل الإعلام، مثل التجمهر، وتكدير الرأي العام، ودعم جماعة إرهابية، إن لم يكن الانتماء للجماعة ذاتها بشكل واضح. ويدخل المواطن في الثقب الأسود، بين حبس احتياطي على ذمة تلك الاتهامات التي لا يستطيع لها صدا، ثم تجديد متوالٍ لهذا الحبس تجاوزا للمدد القانونية، ثم يجد نفسه متهما في قضية جديدة ليبدأ دورة حبس احتياطي جديد بسببها.
هذه الأخبار يتم تناقلها بين المواطنين فيشعرون جميعا بالخوف من المصير ذاته، ومن هنا فإن مواجهة التعديلات الجديدة لقانون الإجراءات الجنائية تمثل الحد الأدنى من الطمأنة لهم، ذلك أنهم إذا لم يستطيعوا تجنب الاعتقال فعلى الأقل يمكنهم الدفاع عن أنفسهم، سواء أثناء مرحلة التحقيق أو في مرحلة التقاضي، وسواء بشكل مباشر أو عبر محاميهم، وهو ما تريد التعديلات الجديدة حرمانهم منه.
التعديلات الجديدة يجري طبخها منذ عامين في الخفاء في مطبخ إحدى الجهات الأمنية، ولأنها صعبة المضغ والهضم فقد تم الاحتيال على ذلك بوضع بعض البهارات عليها، وهي تخفيف قيود الحبس الاحتياطي، وتم إخراج تلك البهارات من مطبخ جهة أمنية أخرى، وكلتاهما جزء من النظام الحاكم وتعملان لصالح استمراره كلا حسب رؤيته وتقديره، ثم تم استدعاء مجموعة الحوار الوطني في جلستين استثنائيتين لتقديم بعض التوصيات بخصوص الحبس الاحتياطي، وقدمت المجموعة توصيات معقولة نظريا، وتم الدفع بها إلى اللجنة التشريعية في مجلس النواب لتزيين قانونها الجديد، وليس معلوما حتى الآن إن كانت قد أخذت بالتوصيات الواردة جميعا أو جزء منها، لكن هذه البهارات لم تفلح في تحسين طعم المنتج الذي ظل مرا، وعصيا على المضغ والهضم، فانبرى لهذه التعديلات من لم يستسيغوها، والذين شعروا بخطورتها.
نحن هنا أمام جهتين أو جهازين أمنيين يديران الأمور من خلف الستار (في الغاطس)، يتبنى أولهما منهج التشدد والتقييد وهو جهاز الأمن الوطني، انطلاقا من رؤيته الأمنية المتشددة، والتي ترى أن أي تنفيس سياسي سيفجر ثورة لا تحمد عقباها، ولا يستطيع الجهاز كبحها، في المقابل يتبنى جهاز المخابرات فكرة التنفيس الجزئي الكفيل بإطالة عمر النظام. كلتا النظريتين تنطلقان من نموذج واحد، وهو حكم مبارك الذي سمح بقدر من التنفيس فتسبب ذلك في الثورة عليه وفقا لنظرية الأمن الوطني، والذي سمح بقدر من التنفيس فنجح في إطالة عمره لمدة ثلاثين عاما وفقا لرؤية المخابرات.
نحن هنا أمام جهتين أو جهازين أمنيين يديران الأمور من خلف الستار (في الغاطس)، يتبنى أولهما منهج التشدد والتقييد وهو جهاز الأمن الوطني، انطلاقا من رؤيته الأمنية المتشددة، والتي ترى أن أي تنفيس سياسي سيفجر ثورة لا تحمد عقباها، ولا يستطيع الجهاز كبحها، في المقابل يتبنى جهاز المخابرات فكرة التنفيس الجزئي الكفيل بإطالة عمر النظام
ضمن هذا التجاذب (الغاطس) جرت وقائع معركة قانون الإجراءات الجنائية، الذي انتهت اللجنة التشريعية من مناقشته، وأحالته للبرلمان لمناقشته في جلساته العامة، لم تكتف اللجنة بتمرير المشروع بأقل قدر من التحسينات التي تمسكت بها نقابتا المحامين والصحفيين، والمنظمات الحقوقية، لكنها أصدرت بيانا شديد اللهجة ضد المعترضين على التعديلات، وركزت هجومها على نقيب الصحفيين خالد البلشي، رغم أنه لم يكن المعترض الوحيد.
هنا نستدعي "ما وراء الأكمة" لتفسير ما جرى، فالقانون يقف خلفه جهاز الأمن الوطني المختص أساسا بتعقب والقبض على المعارضين السياسيين، ويريد بالتالي إطلاق يده في هذا الأمر، وإزالة أي عوائق أمامه، مثل ضرورة وجود إذن بالتفتيش، أو إتمام القبض والتفتيش في حضور النيابة.. إلخ، وقد دفع هذا الجهاز رجاله في البرلمان لتبني المشروع والدفاع عن التعديلات المقترحة. وليس خافيا أن هذا البرلمان في معظمه تم تشكيله في مكاتب جهاز الأمن الوطني الذي حدد نسب وأسماء الفائزين قبل استكمال الشكل الديكوري عبر الانتخابات التي لم يكن لها أي قيمة، ويدرك النواب -الذين احتلوا مقاعدهم بناء على هذه الترشيحات الأمنية- طبيعة الدور والمهام المطلوبة منهم، كما يدركون تبعات الفشل في تلك المهام، لذا فإنهم "يستقتلون" في تمرير ما يطلب منهم.
في المقابل، يرى الجهاز الآخر (لمخابرات) أن هذه التعديلات ستزيد الغليان والاحتقان الشعبي، وبالتالي فمن الضروري تحسينها بالقدر الذي يسمح بهضمها، ومن هنا فإن هذا الجهاز بادر باستدعاء الحوار الوطني لتقديم توصيات خاصة بالحبس الاحتياطي.
من خلال هذا "الغاطس" أيضا ندرك الجهة الأصلية التي أعطت الضوء الأخضر، وربما التوجيهات المباشرة لتوجيه وتركيز الهجوم ضد نقيب الصحفيين خالد البلشي، بسبب موقفه القوي في رفض التعديلات، وربما ظنت هذه الجهة (الأمن الوطني) أن البلشي يمكن أن يكون لقمة سائغة، كونه معارضا يساريا يسهل تصنيفه "خطرا على الأمن القومي والسلم الأهلي" وفقا للوصفة الأمنية المكرورة، لكن المفاجأة كانت هي التفاف واسع خلف البلشي، شمل كل ألوان الطيف الصحفي والسياسي بمن في ذلك صحفيون وإعلاميون كبار يعملون في مواقع بارزة في الشركة المتحدة.
لقد انقلب السحر على الساحر إذن، فاضطرت السلطة في مستوياتها العليا للتدخل لتهدئة الاحتقان مرحليا عبر بيان لمجلس النواب، أكد فيه استمرار الحوار حول التعديلات، مرحّبا بأي ملاحظات عليها، فيما بدا أنه اعتذار ضمني عن بيان اللجنة التشريعية، وهجومها ضد البلشي.
نقابة الصحفيين وعبر نقيبها خالد البلشي اختارت الموقف الصحيح الذي يليق بها، دفاعا عن أعضائها الذين "يجرجرون" من نيابة إلى أخرى، ومن سجن إلى آخر، كما أنها واصلت دورها الوطني في الدفاع عن حرية الشعب المصري كله، والذي ذكرت من قبل أن كل فرد فيه هو "مشروع متهم" في الوقت الحالي. والنقابة تفعل ذلك كونها نقابة رأي بالأساس، ولطالما تبنت قضايا الحريات بشكل عام، والنقابة تستطيع القيام بهذا الدور حين تتحرر من قيود السلطة ولو جزئيا، وحين يكون على رأسها شخصية ذات تاريخ نضالي معروف، وليس من السهل تدجينه وترويضه، وقد خرجت النقابة من حالة الموات والأكفان التي فرضها عليها النقيب السابق ضياء رشوان عقب انتخاب البلشي ونصف المجلس، وها هي تستعيد زمام المبادرة دفاعا عن الحريات العامة، ويبقى أن تلحقها بقية النقابات المهنية والعمالية فالقانون سيطبق على جميع أعضائها أيضا.
x.com/kotbelaraby
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه مصر الحبس الاحتياطي الحريات مصر حقوق الإنسان حريات قوانين الحبس الاحتياطي مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة من هنا وهناك صحافة سياسة صحافة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإجراءات الجنائیة جهاز الأمن الوطنی الحبس الاحتیاطی
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.