سودانايل:
2026-07-24@07:26:28 GMT

الحزب الشيوعي السوداني … مخترق أم مختطف (10)

تاريخ النشر: 26th, September 2024 GMT

المعالجات المقترحة

لم ينصبني أحداً، ولم أنصب نفسي، وصياً على الحزب الشيوعي، ولست أكثر عضويته حكمة أو خبرة أو ثقافة وإلمام ومعرفة بالشيوعية، بل على العكس معظم قيادته هم أساتذتي فعلًا لا قولاً أو مجازاً، على يدهم تعلمت الكثير، العديد منهم، حتى ممّن لم ألتقيهم مباشرة اعتبرهم كذلك أساتذتي، بالاستفادة من اطلاعي على إنتاجهم الفكري والثقافي وأجمل ما تعلمته منهم، واستشفيته خلال وجودي في هذا الحزب هو تنمية روح وحس المبادرة، والقدرة على رؤية الأمور والسعي إلى تصويبها وتقويمها واتخاذ القرار المناسب دون انتظار إذن أو أمر من أحد أو هيئة ما دامت المبادرة تصب في مصلحة الحزب والوطن .

.. هذا ما رسخه الحزب في أعضاءه كافة، فيض البذل والعفة عند المغنم ... وبروح المبادرة يسير الحزب ويمضي من نجاح لنجاح... هذا ما نشأنا عليه وهذا ديدننا ... لذا فكل ما أقدمه من مقترحات يجب النظر فيها بتلك الروح وعلى اعتبار أنها مبادرة لا أكثر ولا أقل وأنا على ثقة بأنها مجرد بداية ونواة لعمل كبير قادم، وسيضاف إليها الكثير تعديلا وتصويبا وتبديلا والمهم والأهم هو أن تؤت أكلها في النهاية وتحقق أهدافها وتصل لمراميها حزب صحيح معافى.
لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية وجود الحزب الشيوعي في الحياة السودانية، وما قدمه من توعية بالحقوق وبث للوعي السياسي وسط الجماهير منذ تأسيسه، وفي تنظيم الجماهير وبناء التحالفات لمقاومة الاستعمار والأنظمة العسكرية والدكتاتورية، والتضحيات الجسام التي قدمها، والبطولات والملاحم التي سطرها له التاريخ بمداد من نور.
لذا أعتقد أن المحافظة على هذا الكيان والعودة به لسيرته الأولي يجب أن يكون هم وواجب مقدم لكافة الشيوعيين والوطنيين الثوريين والديمقراطيين ... ولا يمكن أن تتم عودة الحزب الشيوعي معافى إلى سيرته الأولى دون مراجعة المنهج وعلاج الأخطاء التي أقعدت به وجعلته غثاء أحوى وسط أحزاب ومنظمات المجتمع المدني السياسية السودانية التي تجاوزه بعضها جماهيريا وثقلاً سياسياً على الرغْم من حداثتها في الساحة.
المعالجات المقترحة سهلة التطبيق لكنها تحتاج لشجاعة وقوة إرادة وعزيمة صادقة من الشيوعيين كافة وأعضاء اللجنة المركزية على وجه الخصوص، وضربة البداية تنطلق من الدعوة العاجلة لعقد اجتماع أسفيري للجنة المركزية عبر وسائل التواصل الحديثة، وهناك العديد من المنصات الآمنة مثل تطبيق قوقل ميت (Google Meet) الذي يسمح بعقد اجتماعات افتراضية على البعد لحوالي 250 مشاركاً بالصوت والصورة -الفيديو – بواسطة الهاتف المحمول أو اللحوات الالكترونية أو اللابتوب. وكذلك يمكن استخدام تطبيق الزووم ميتنج (Zoom meeting) أو مايكروسفت تيمس (Microsoft teems).
التذرع بعدم القدرة على تأمين الاجتماع من الاختراق عذر أقبح من ذنب عدم انعقاد اجتماعات اللجنة المركزية، مع الوضع في الاعتبار أنه خلال جائحة كورونا كانت الحكومات وكبريات الشركات، وأهم مراكز القرار في العالم تعقد اجتماعاتها الدورية عبر وسائل التواصل والخطوط التي أشرنا إليها أعلاه، بل نجد حتى الآن العديد من الشركات والمؤسسات تسير أعمالها من على البعد وهي تحافظ على خصوصية وسرية أعمالها. ولا أظن هذا الأمر سيُعجز الشيوعيين، خاصة أن الحزب الآن يستخدم تلك التكنولوجيا لإيصال المطبوعات، والخطابات والوثائق لفروع ومكاتب الحزب في الداخل والخارج.
أول أجندة اجتماع اللجنة المركزية هو ممارسة النقد الذاتي من قبل القيادة الحالية، لخرقها دستور الحزب بعدم دعوة اللجنة المركزية للاجتماع لقرابة الخمس دورات حيث من المفترض أن تعقد دورتها كل لأربعة أشهر لتقييم أداء المكتب السياسي والمكاتب ووضع السياسات العامة للحزب. كما يجب أن تقدم نقدها للأخطاء والممارسات التي أعقبت المؤتمر السادس، التي أدت لخروج عدد كبير من فروع الحزب عن الخدمة في الداخل والخارج، على أن يتم النقد على رؤوس الأشهاد ويعلن على الملأ، نقد ذاتي واضح ومحدد ومباشر ومحاسبة أي مسئول ساهم أو شارك في تلك الأخطاء.
النقد كما نعلم جميعاً يجب أن تسبقه قناعة بارتكاب الأخطاء ولا أعتقد أن القيادة الراهنة، (أعني اللوبي المتحكم في زمام الحزب) وهي غارقة في الخطأ من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها ستقر بأنها مخطئة. وهذا ليس حكم قيمة جزافي، بل حكم مؤسس على سوابق عدّة موثقة في الوسائط المختلفة صوت وصورة، قولا وفعلاً، أخطاء لا يمكن لفرع حزب أن يقع فيها، تمر دون نقد ذاتي وتصحيح صارم لها، نراها يتم تجازوها ببرود و(طناش) غير مسبوق ... لذا سأبدأ بطرح مقترحات المعالجات بطرق إجرائية وإدارية لإصلاح الخلل وعودة الحزب كمركز إشعاع ثقافي وسياسي وثوري، الوضع السياسي السوداني الراهن في أمسِ الحاجة له. وفي البدء يجب الإقرار بأن ذلك لن يتم إلا بعودة الشيوعيين والمثقفين الثوريين يصطفون من جديد في هيئاته ومكاتبه وفروعه. لذا لا أرى أي أفق للحل في وجود اللوبي المتكتل ممن يمكن تسميتهم بالكهنة وحراس المعبد الذي يسيطر على مركز القرار في الحزب. وعليه أرى أن تتقدم سكرتارية اللجنة المركزية والمكتب السياسي باستقالة للجنة المركزية أو تتم إقالتهم في حالة رفض الاستقالة، وتسليم كافة ما بحوزتهم من وثائق وعهد للجنة تُشكّل من حكماء الحزب وفق الإجراءات التالية:
أولاً: تشكيل لجنة من حكماء الحزب على رأسها المهندس صديق يوسف والأستاذ صالح محمود، بصفتهما الأكثر حصاداً للأصوات في انتخابات اللجنة المركزية في المؤتمر السادس (على أن يختارا من يرياه مناسباً من أعضاء الحزب للعمل معهما) وواجبات تلك اللجنة تتلخص في القيام بمهام سكرتارية اللجنة المركزية، والمكتب السياسي ومهمتها الأولى إعادة البناء وجمع شتات الحزب والإعداد لاجتماع كادر موسع (في حالة تعذر قيام المؤتمر العام)، وحتى ينجز الاجتماع الموسع أو يقوم المؤتمر العام، تتولى مهام المكتب السياسي بين دورات اللجنة المركزية، وإدارة إصدار صحيفة الميدان.
ثانياً: مادام السؤال الملح مخترق أم مختطف؟ لا يزال قائماً، والشك يساور ليس فقط رجل الشارع العادي وأصدقاء الحزب والديمقراطيين، بل كثير من أعضاء الحزب أنفسهم. فمن واجب الحزب القيام عاجلاً وليس آجلاً بإعادة فحص لكافة أعضاء الهيئات والمكاتب والمناطق القائدة بدءاً من أعضاء اللجنة المركزية انتهاءاً بقيادات الفروع في الداخل والخارج، فحص للكادر منذ التحاقه بالحزب إلى آخر فرع أو هيئة أو مكتب حزبي عمل به العضو، وحيثيات ترشحه لقيادة المنطقة أو للمؤتمر العام أو للجنة المركزية، وسكرتاريتها والمكتب السياسي. كما يجب فحص الذمة المالية ومصادر الدخل لكافة أعضاء اللجنة المركزية، ويجب التركيز على أعضاء السكرتارية والمكتب السياسي ولا يستثنى من ذلك أحد.
ثالثاً: تُشكل لجنة لمناقشة الزملاء الذين تم فصلهم أو قدموا استقالات مسببة لم يرد عليها. في البدء يتم رد الاعتبار لهم ثم استعادة عضويتهم، إلا من تثبت خيانته أو عمل عملاً أو مارس نشاطاً تضرر منه الحزب. وعلى رأس هؤلاء الدكتور مصطفى خوجلي الدكتور الشفيع خضر، الأستاذ حاتم قطان والأستاذ هاشم تلب ... إلى آخر ضحايا المؤتمر السادس والبلاغات الكيدية، الذين استأنفوا والذين لم يكتبوا.
رابعاً: تشكيل لجان لمناقشة الزملاء المتوقفين والموقوفين منذ سقوط جدار برلين، ومناقشتهم للعودة واستعادة عضويتهم الحزبية.
خامساً: تجميد العمل بدستور الحزب الحالي والعمل بدستور 2009 المجاز من المؤتمر الخامس وذلك حتى تسمح الظروف بانعقاد المؤتمر السابع للحزب وإجازة دستور دائم للحزب.
سادساً: تشكيل لجنة محايدة للنظر في بلاغ الأطباء بخصوص التكتل الذي عن طريقه تم تشكيل المكاتب والهيئات القيادية الحالية.
سابعاً: إعادة تلخيص المناقشة العامة من لجنة يمثل فيها أصحاب التيارات المختلفة الآراء، حتى لو كان بعضهم قد غادر الحزب، غاضباً أو مغضوب عليه، مع إضافة الأطروحات والمساهمات الفكرية التي نشرت بعد المؤتمر الخامس، حتى يتبلور موقف يمثل الرأي الحقيقي لعضوية الحزب بدءً من خط الحزب الراهن إلى اسم الحزب والماركسية والبرنامج دون اشتراطات مسبقة، أو تهديدات بالانقسام ... حتى لو خرجت مجموعة من الأقلية رافضة لتوجهات ورأي الأغلبية فلا بأس في ذلك فساحة النضال فيها متسع للجميع على أن يكون معلوم لديهم انهم ليسوا الوارث الشرعي للحزب وإرثه ... المهم أن نتلئم... نتفق أو نختلف وفق قانون وحدة وصراع الأضداد، ونمضي قدماً للأمام يجمعنا برنامج ودستور الحزب الذي سيعود بكل ألقه الذي عهدناه كما نتمناه ونشتهيه.
ينتظر من اللجنة الجديدة مراجعة الطريقة التي أُدير بها المؤتمر السادس والأخطاء التي صاحبته سواء في انتخاب اللجنة المركزية، أو عمليات الإقصاء المجحف الذي طال قيادات حزبية أمثال دكتور الشفيع خضر وآخرين استنادا على بلاغات كيدية أتضح من لجان التحقيق عدم صحتها. وكذلك النظر في وضع زملاء كل جرمهم أنهم لم يوافقوا هوى المجموعة المسيطرة على مقاليد الحزب. زملاء أفنوا زهرة عمرهم في خدمة الحزب ضحوا بالغالي والنفيس، من أجل الحزب، أعطوا ولم يستبقوا شيئاً تم تهميشهم، أو فصلهم، أو إنهاء تفرغهم بعد أن تقدم بهم العمر، وإيقاف المعاش، الفتات، الذي كان يصرف لهم. وبالتأكيد لم تصرف لهم مكافأة نهاية خدمة أو معاش، في سلوك لا يشبه الشيوعيين ولا فيه شيء من القيم والأخلاق السودانية التي تربينا عليها.
كذلك اللجنة منوط بها أعادة النظر في الطريقة التي تم التعامل بها في استقالات الأطباء وعلى رأسهم الدكتور مصطفى خوجلي. والأهم من كل ذلك يتناول السياسات التي تبناها الحزب منذ الثورة تجاه تحالفات القوى المدنية الديمقراطية ... والسياسات التي ساهمت في انهيار التحول المدني الديمقراطي مثل خروجه عن تحالف الحرية والتغيير بحجج واهية مثل تبني الأخير سياسة اقتصادية تخضع لشروط مؤسسات التمويل الإمبريالية، وأحيانا يصرح قادة الحزب أن خروجه بسبب تبني الحرية والتغيير خيار الهبوط الناعم. تلك مسوغات غير مقبولة في ظل تطورات وضع سياسي حرج، خاصة بعد الحرب، يحتاج لتكاتف كافة القوى المدنية الديمقراطية التي أسهمت في الثورة الديسمبرية في جبهة عريضة لمواجهة التحديات الكبيرة، والعقبات المهولة، في ظل محيط إقليمي يستكثر علينا المدنية والديمقراطية، وتهديدات يمثلها اصطفاف فلول الإنقاذ، ومرتزقة الحركات المسلحة، والرأسمالية الطفيلية، خلف اللجنة الأمنية من اجل وقف المَدّ الثوري، وقطع الطريق المؤدي إلى التحول المدني الديمقراطي.
وللحديث بقية ...

في اللقاء القادم (11) رسالة إلى الرفاق


atifgassim@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: اللجنة المرکزیة للجنة المرکزیة المؤتمر السادس الحزب الشیوعی

إقرأ أيضاً:

العراق: الأوهام والسياق السياسي!

في أيلول/ سبتمبر 2004 زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي واشنطن، وألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي، شكرهم فيها «بالنيابة عن الشعب العراقي» على احتلالهم العراق، ثم ختم كلمته بالقول: «لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين تجاه الأمريكيين»! وفي تموز 2006، زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي واشنطن أيضا، وألقى كلمته أمام جلسة مشتركة بين مجلسي الشيوخ والنواب، عبر فيها عن شكره وامتنانه لجهود الإدارة الأمريكية في العراق، قال فيها «إن مصير بلادنا وبلادكم مترابط»!

وبعيدا عن خطابات الشكر والامتنان، كانت الأخبار تتوالى عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم تُوقع بين العراق وشركات أمريكية، بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 2008 التي نصت على علاقة «صداقة وتعاون طويلة الأمد» بين البلدين، وكانت الفقرة المتعلقة بـ «التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة» هي الفقرة الأطول في الاتفاقية، وتحدثت عن «تسهيل انسياب الاستثمار المباشر إلى العراق»!

وفي نيسان 2015 زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واشنطن والتقى مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في مختلف القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والنفطية والتقنية، كما قال بيان صادر عن مكتبه يومها، وأبدى لهم رغبة العراق «بدخول الشركات العالمية للاستثمار في البلد»! وكان من بين رؤساء الشركات الذين التقاهم العبادي حينها، رئيسا شركتي أوكسدنتال بتروليوم واكسون موبيل الذين عبروا للعبادي عن «رغبتهم في الاستمرار في العمل في العراق». لكن الشركة الأولى انسحبت من العراق في العام نفسه وتخلت عن حصتها في حقل الزبير النفطي، فيما أتمت الشركة الثانية انسحابها الكامل من حقل غرب القرنة عام 2024!

في نيسان 2024، زار رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واشنطن، والتقى عددا من رؤساء وممثلي الشركات الأمريكية الكبرى في غرفة التجارة الأمريكية، ووقع خلالها 18 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والنفط والدواء والاقتصاد، وفقا لبيان المكتب الإعلامي للسوداني.

كما حضر السوداني في شباط 2026 ، وبحضور المبعوث الأمريكي توم براك، مراسيم توقيع اتفاق مبادئ أولية مع شركة شيفرون الأمريكية بشأن حقلي غرب القرنة/ 2 وحقل الناصرية وحقل بلد في صلاح الدين!

بعد هذا يطرحُ السؤال؛ لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع على الأرض؟
فمنذ 2004 والعراق يوقع دوريا على اتفاقات وعقود مثلا مع شركة جنرال أليكتريك الأمريكية بشكل رئيسي، ومع شركة سيمنز الألمانية أحيانا أخرى، لكن قطاع الكهرباء في العراق يعاني من مشكلات عميقة على مستوى الإنتاج والتجهيز!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية
ورغم توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية كبرى، كانت هذه الشركات تنسحب الواحدة تلو الأخرى من العراق (انسحبت شركات واكسون موبيل وأوكسدنتال بتروليوم الأمريكية كما انسحبت شركات شيل وبريتش بتروليوم ولوك اويل، وأخيرا أعلنت شركتا، بعد توقيع اتفاقيات الزيدي مباشرة، HKN Energy و Gulf Keystone العاملتان في إقليم كردستان وقف جميع عملياتهما في العراق بسبب الوضع الأمني)!

لا يمكن التعاطي مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدى في زيارته الأخيرة لواشنطن بجدية دون، تقديم إجابة على السؤال أعلاه. خاصة أن الغالبية العظمى من مذكرات التفاهم هذه مجرد إعلان نوايا، بحاجة إلى كثير من الدراسة والعمل قبل أن تتحول إلى واقع حقيقي.

وأذكر في هذا السياق، الحديث المتفائل عن مد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية، أو عن إحياء خط كركوك بانياس القديم، وهو تفاؤل ساذج سذاجة ما طرحه توم براك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، حين تحدث عن «برنامج إقليمي» العراق طرف فيه، «يجعل مضيق هرمز أمرا ثانويا وغير ذي أهمية» خلال عامين، وكأن المسألة مجرد مسألة «فنية» بحت!

لا يمكن بهذه البساطة القفز على تاريخ طويل من الصراع بين العراق وسوريا، كان سببا في إيقاف العمل بخط كركوك بانياس عام 1982 في سياق الحرب العراقية الإيرانية! وهو ما أجبر العراق على بناء خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع عبر المملكة العربية السعودية في العام 1986، وهذا الخط تمت مصادرته، واستخدام الأنابيب المارة في الجانب السعودي ليربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع! كما لا يمكن القفز على حقيقة الخلافات العراقية التركية حول خط الأنابيب الرابط بين كركوك وميناء جيهان، وهو ما منع تصدير النفط عبره في السنوات الأخيرة!

أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وبالتالي من السذاجة التوهم بأن مجرد توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن، يعني أن الخطة قابلة للتحقق! فلن تسمح إيران، ما دامت لم تخسر حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت محافظة على تغولها السياسي في العراق عبر الفاعلين السياسيين الشيعة الموالين لها، بأي تحرك بهذا الاتجاه، تماما كما وقفت ضد فكرة طريق التنمية وأجهضته! هذا فضلا عن موقف الفاعلين السياسيين الجماعي ضد التغيير في سوريا، فهم لا يزالون يعتقدون أن هذا التغيير يشكِل خطرا وجوديا يمكنه أن يقوِض احتكارهم للدولة العراقية، ولا يمكن أن يتغير موقفهم هذا باتجاه مزيد من الترابط مع سوريا!

لا يمكن التعويل على أية اتفاقيات أو مذكرات تفاهم توقع في واشنطن أو في بغداد، مادام العراق لم يحسم خياراته كدولة، ومادام الفاعل السياسي الشيعي مصرّ على عدم فك الارتباط مع إيران، بسبب شعوره أنها تشكل الضامن الوحيد لاحتكاره الدولة والسلطة في العراق، ومادامت الولايات المتحدة نفسها لا تزال إلى اليوم، تمارس لعبتها المزدوجة (بين خطاب رافض لأي دور إيراني في العراق وبين ممارسة براغماتية تتعامل معها كشريك في العراق)

فإيران غير مستعدة للتخلي عن غنيمتها / العراق، والأمريكان غير جادين في حسم موقفهم من العراق، والطبقة السياسية العراقية لا تملك الإرادة لتجاوز دور التابع، ما دامت ضمنت استمرارها في السلطة، وبالتالي استمرار استثماراتها في المال العام، لأجل ذلك كلّه ليس ثمة مؤشر على أن العراق سيخرج من حلقة الفشل هذه قريبا!

القدس العربي

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • العراق: الأوهام والسياق السياسي!
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • عاجل | القيادة المركزية الأمريكية: بدأنا جولة جديدة من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية
  • عتب على شخصية درزية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • تكليف أبو ماهر حلس مفوضا للتعبئة والتنظيم في غزة.. مركزية فتح تتخذ سلسلة إجراءات داخلية
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
  • انفو…| خارطة أدوات الحرب الناعمة ومجالات الاستهداف