في الحلقة السابقة تعرضت الي بعض العقبات التي تواجه المهاجرين الي كندا قبل حوالي ثلاثين عاماً وما زال بعضها قائماً الي يومنا هذا وتتلخص فيما يُطلق عليه أصحاب العمل أو المُخدمين" الخبرة الكندية" . عندما حضرت الي هذه المدينة سبقني اليها بعض الأخوة السودانيين حيث كان عدد الشماليين أقل من أصابع اليدين بالأضافة الي مجموعة أخوة من جنوب السودان .
سوق العمل المهني في كندا بدأ يضيق خاصة بعد أن أستلمت حكومة المحافظين اليمينية أمر الحكم وبالمقابل بدأت تزداد الألتزامات المالية خاصة في وجود أسرة وطفل حديث الولادة . شراء العربة العتيقة كان الغرض منه المساعدة في تدبير سبل العيش ، لذا لجأت للأستفادة منها في توزيع فطاير البتزا هذا قبل ظهور سيارات الأوبر بفترة طويلة . وفي ذات الوقت وقبل ظهور الأنترنت بصورتها الحالية ، وحيث كان سعر جهاز الكومبيوتر بآلاف الدولارات والتي يعجز شخصي عن شرائه ، التحقت لفترة تدريبية بمركز يتبع للجالية اليهودية أُفتتح خصيصاً لمساعدة المهاجرين الجدد في كيفية كتابة السيرة الذاتية التي تتوافق مع سوق العمل الكندي وطباعتها وتصويرها بالمركز . تمت كتابة السيرة وتمت مراجعتها من قبل أخصائيين وتبقي أرسالها عن طريق البريد الي الأماكن التي يمكن أن تتاح بها فرص للعمل والتي عادة ما يتم نشرها في إعلانات في الصحف الورقية في ذلك الوقت . أرسال ما يعادل 500 طلب للعمل تتطلب ميزانية للطابع البريدي لذا لجأت لحيلة أخري في التوزيع من دون خوض تجربة البريد . في السابق كانت توجد بالمدينة صناديق تشبه صندوق البريد بالقرب من العمارات السكنية تُوضع بها يومياً صحيفة المدينة (ستزن) حيث كانت تباع بنصف دولار كندي . كل من يريد نسخة عليه أن يضع قيمة الصحيفة وبعد ذلك يمكنك أن تفتح القفل لكي تأخذ نسختك من الصحيفة . الحيلة كانت بسيطة بعد ان أضع المبلغ المحدد لشراء الصحيفة ، أفتح الصندوق وأجد الصحف مرصوصة بعضها فوق بعض ، أفتح كل صحيفة وأضع في كل منها نسخة من سيرتي الذاتية ليصبح كل من يشتري الصحيفة يجد في داخلها نسخة من الطلب والسيرة الذاتية وبهذه الصورة أكون نجحت في توزيع طلبات التوظيف بتكلفة سعر صحيفة واحدة . الحكمة السودانية المتوارثة تعبر بشكل مختلف عن هذه الحالة( الرايحة ليه حاجه يفتح خشم البقرة) . بكل أسف لم يصلني رد أيجابي بطلب معاينة . في ذلك الوقت كان هنالك من لجؤا الي وسيلة أخري في توزيع سيرتهم الذاتية ، تستدعي الوقوف في تقاطع السيارات عند (الأستوب) وحين تقف السيارة تطلب من السائق أن يتناول نسخة من سيرتك الذاتية . تجربة وضع السيرة الذاتية في الصناديق المخصصة لصحيفة (ستيزن) أستفدت منها لاحقاً في محاربة وتعرية نظام الجبهة القومية الأسلامية .
كانت تصلني نسخة واحدة من صحيفة الميدان السرية الناطقة بأسم الحزب الشيوعي حيث أقوم بتصويرها و أشرع في توزيعها في المكتبات العامة وفي المتاجر العربية . في هذه الأمكنة يوجد صندوق مفتوح به صحف الأعلانات المحلية وبعد الأستئذان من صاحب المكتبة وأصحاب المحلات التجارية أقوم بوضع نسخٍ من الميدان في هذا الصندوق أو علي الطاولة التي تكون بالقرب من الكاشير فأصبح كل من يشتري بضاعة من هذا المحل أو يتجول في المكتبات يستطيع أخذ نسخة مجانية من صحيفة الميدان وحينها أصبحت الجالية العربية في هذه المدينة من القراء المنتظمين للصحيفة . برغم من وجود سفارة تتبع للنظام البائد والحالي بالمدينة وفي الأحتفالات والمناسبات المختلفة حين تتم دعوتي كنت أقوم بتصوير الميدان وتوزيعها علي الحضور . كنت مقاطعاً لما يُقدم من مأكولات ومشروبات من قبل سفارة النظام الا أني لم أمتنع عن الحضور وطرح رأي في النظام القائم علي عكس سياسة التغيير الجذري الحالية المبنية علي التعنت والرفض التام لكل ما تقوم به (تقدم) برغم الأختلاف الجذري بين (تقدم) والنظام البائد وبرغم ظروف الحرب التي أوشكت أن تؤدي الي تشرذم الوطن . ونقول بالفم المليان كفاية تلاعب بالأوطان . في السابق أبتدعنا أساليب كثيرة في محاربة نظام الجبهة القومية الأسلامية حتي كللت بنجاح ثورة ديسمبر المجيدة والآن فشلنا في أن نتحد لنوقف نزيف الدم الجاري أنهراً بأرجاء الوطن .
عندما تعثرت كل السبل في الحصول علي عمل يتوافق مع المؤهلات الاكاديمية فكرت في اللجوء الي الأعلام الرسمي . هنالك قضية يجب أن تُطرح وتجد حظها من النقاش وأبتدار الحلول لها . كندا تستورد مهاجرين ذو كفاءات عالية من دول العالم المختلفة ولا تسمح لهم بولوج سوق العمل الذي يناسب تأهيلهم بحجة " الخبرة الكندية " التي لا يمكن الحصول عليها الأ بممارسة العمل في كندا . والعمل في كندا لا يسمح لك بممارسته الأ بوجود خبرة كندية (الحلقة الشريرة) . أرسلتُ رسلة بريدية الي صحيفة المدينة (ستيزن) وضحت فيها مؤهلاتي ومحاولاتي المتعددة للحصول علي عمل . بعد حوالي أسبوع علي ما أذكر أتصلت بي مندوبة من الصحيفة وطلبت أن تزورني بالمنزل إذ لم يكن لدي مانع للتحقق فيما كتبت حتي يتم نشر الموضوع بعد أن تستوثق من المعلومات التي وصلتها في رسالتي. رحبت بالزيارة حيث كنت أنا وزوجتي وطفلنا (أمير) . كانت بالنسبة لها مفاجآة عندما علمت أن زوجتي التي بدون عمل تحمل كذلك نفس المؤهلات حيث تخرجنا من نفس الجامعة ونلنا ذات التقييم من المؤسسات الكندية . تبع ذلك نشر الموضوع علي الصفحة البارزة في الصحيفة تحت العنوان التالي :
AN UNEMPLOYED PhD
‘I can’t even get an Interview based on my qualifications’
هذه المحاولة كانت بمثابة ضوء في آخر النفق
تجربة البحث عن عمل لمهاجرين جدد مع وجود مؤهلات أكاديمية عالية ، أفادت بعض الذين أتوا لاحقاً ، بابتداع تحايل علي المؤهلات الأكاديمية . وهذا يعني علي القادميين الجدد الذين يريدون الألتحاق بالجامعات الكندية لكي يتم أستيعابهم في سوق العمل الكندي علي حسب مؤهلاتهم ، أن يتبرأوا ويخفوا شهادات الماجستير والدكتوراه وأن يبرزوا شهادة البكالريوس التي تتيح لهم فرص القبول للماجستير وبعد أن يتحصلوا عليه يمكنهم اللحاق بسوق العمل ومن ثم أبراز الشهادات العليا التي حازوا عليها في السابق . بهذا التكتيك يمكن كسر الحلقة الشريرة واللحاق بقطار القوي العاملة في مجال الخبرة السابقة . لا يغيب عن البال التعليم فوق الجامعي لا تتكفل به الدولة والحصول علي تمويل له يتطلب البقاء في كندا لفترة قد تمتد الي ثلاثة أعوام لطالبي اللجؤ حيث يتحصل فيها مقدم الطلب علي حق الأقامة الدائمة ومن ثم يحق له الحصول علي قبول للدراسة يتبعها التمويل من البنوك .
والي اللقاء في الحلقة القادمة
حامد بشري
4 أكتوبر 2024
hamedbushra6@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: سوق العمل فی کندا بعد أن
إقرأ أيضاً:
5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام
أثبت النصف الأول من عام 2026 أن طابع قطاع البناء في دولة الإمارات لم يعد يقتصر على النمو فحسب. يشهد القطاع حالياً انتقالاً نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث باتت القدرة على إنجاز المشاريع بكفاءة واستدامة وعلى نطاق واسع تضاهي في أهميتها مرحلة إطلاق هذه المشاريع. وبحلول عام 2029، من المتوقع أن يصل حجم قطاع البناء في الإمارات إلى نحو 130.8 مليار دولار أمريكي، مما يعكس استمرار الثقة في البيئة العمرانية ومتانة مشاريع التطوير المرتقبة على المدى الطويل.
تدرك شركة “أكسس كونسلت”، بخبرتها التي تمتد لأكثر من 27 عام في قطاع العقارات بدولة الإمارات، أنّ السوق مقبل على مرحلة تتطلب معايير أعلى، إذ بات المطورون يولون اهتماماً متزايداً لطيف من العوامل تشمل: القدرة على الإنجاز، والامتثال للوائح التنظيمية، والاستدامة، والمرونة، والقيمة طويلة الأمد للأصول.
استناداً إلى المؤشرات والاتجاهات التي رُصدت خلال النصف الأول من عام 2026، يستعرض محمد صلاح سيجين، الرئيس التنفيذي لشركة “أكسس كونسلت”، خمسة دروس رئيسية ستحدد ملامح قطاع وأنشطة البناء خلال النصف الثاني من العام.
عدد المشاريع يرفع سقف متطلبات التنفيذ
يواصل قطاع البناء في دولة الإمارات نشاطه القوي، مدعوماً بقوة الطلب العقاري، والنمو السكاني، واهتمام المستثمرين المستمر. تشير بيانات دبي للربع الأول من العام إصدار 10,776 تصريح بناء، بزيادة قدرها 12% مقارنة بالربع الأول من عام 2025. وفي الوقت نفسه، بلغت قيمة التصرفات العقارية في دبي 252 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، مما يعكس ثقة المستثمرين الكبيرة في السوق.
يتمثل التحدي الأبرز للنصف الثاني من العام في القدرة على إنجاز المشاريع وتسليمها، فمع المضي قدماً في تنفيذ المزيد من المشاريع في آن واحد، تتزايد الضغوط على الاستشاريين والمقاولين.
لا يحقق العدد الكبير للمشاريع قيمة فعلية إلا إذا توفرت لدى السوق القدرات الفنية والتشغيلية اللازمة لإنجازها، وهذا يعني أن على المطورين إيلاء أهمية أكبر للتخطيط المبكر، ووضع جداول زمنية واقعية، وتحديد هياكل واضحة للمشاريع، فالمشاريع التي تبدأ بفرق عمل منسقة ونطاقات عمل محددة بدقة ستكون في وضع أفضل يتيح لها التقدم بكفاءة وفعالية.
المرونة جزءٌ لا يتجزأ من التخطيط الذكي للمشاريع
أكّد النصف الأول من عام 2026 أهمية المرونة في تخطيط عمليات البناء، ففي ظل سوق تتسم بالسرعة والترابط العالمي، تعني المرونة ضمان استمرار تقدم المشاريع بسلاسة حتى عند تغير الظروف الخارجية. وبالنسبة للمطورين، يقتضي ذلك إيلاء اهتمام أكبر لتخطيط عمليات الشراء، والتنسيق مع الموردين، وتحديد تسلسل مراحل البناء. كما يتطلب الأمر تحديد المواد أو الأنظمة التي قد تستغرق فترات توريد طويلة، ووضع خطط تراعي هذه الجوانب في مرحلة مبكرة من دورة حياة المشروع.
في النصف الثاني من العام، سيشكل التخطيط المرن لعمليات التسليم ميزة عملية، وسيتميز المطورون الذين يتبنون نهجاً استباقياً أكثر استعداداً بقدرتهم على الحفاظ على مسار المشاريع الصحيح، مع ضمان الجودة والحفاظ على القيمة طويلة الأمد.
الجودة والسلامة ركيزتان أساسيتان لتعزيز ثقة السوق
يشكّل صدور قانون دبي رقم (3) لسنة 2026 بشأن جودة وسلامة المباني أحد أبرز التطورات خلال النصف الأول من عام 2026. يرسّخ هذا التشريع إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً ويؤكد على أهمية المساءلة طوال مراحل دورة حياة المبنى بالكامل.
ومع استمرار توسّع البيئة العمرانية في دبي، بات من الضروري ترسيخ معايير الجودة بدءً من المراحل الأولية للتصميم والحصول على الموافقات إلى مراحل البناء والتسليم والتشغيل طويل الأمد. وبالنسبة للنصف الثاني من العام، يعني هذا أن الرقابة الأكثر وضوحاً والمراجعة الفنية المنضبطة ستصبح أموراً جوهرية.
سيكون للأدوات الرقمية دور مهم في دعم هذا التحول، فمع تزايد تعقيد المشاريع، تساهم التقنيات المختلفة – مثل نمذجة معلومات البناء، ومراقبة المشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية – في مساعدة الاستشاريين والمطورين على تعزيز الرؤية والشفافية خلال مراحل المشروع المختلفة. تتيح هذه الأدوات لفرق العمل تتبع سير العمل بدقة أكبر، وتحديد المشكلات في وقت مبكر، والاحتفاظ بسجل أكثر وضوحاً لأداء المبنى بمرور الوقت.
التصميم المستدام مطلب أساسي في السوق
أكد النصف الأول من عام 2026 أنّ الاستدامة أصبحت مطلباً محورياً في قطاع البناء. يدعم هذا التحول أولويات وطنية، مثل مبادرة الإمارات العربية المتحدة الاستراتيجية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية 2050، فضلاً عن أطر البناء الأخضر المحلية، بما في ذلك التقييم بدرجات اللؤلؤة من استدامة في أبوظبي وتقييم السعفات للمباني الخضراء في دبي.
في دبي، يفرض تقييم السعفات متطلبات إلزامية للمباني الخضراء الجديدة، بينما ساهم تقييم استدامة في صياغة معايير الاستدامة في أبوظبي من خلال تصنيف اللؤلؤة. يدفع هذا فرق المشاريع إلى التفكير مبكراً في المواد، واستهلاك الطاقة، والأثر الكربوني، والراحة الداخلية. كما باتت الاستدامة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برفاهية المستأجرين، لا سيما مع ازدياد تقدير شاغلي المباني والمستثمرين للمباني الصحية.
في النصف الثاني من العام، سيحظى المطورون الذين يدمجون الاستدامة منذ البداية بميزة تنافسية أكبر. يشمل ذلك اختيار مواد مناسبة منخفضة الكربون، وتخطيط أغلفة المباني بكفاءة، وضمان انعكاس متطلبات الاستدامة في المواصفات.
سهولة الوصول عنصرٌ أساسي في قيمة البناء
أحد الدروس الرئيسية الأخرى المستفادة من النصف الأول من عام 2026 هو أن سهولة الوصول قد باتت محوراً أساسياً في تخطيط المشاريع وتقييمها. تُساهم مشاريع النقل والبنية التحتية الكبرى، بما في ذلك قطار الاتحاد، والخط الأزرق لمترو دبي، والخط الذهبي الذي تمت الموافقة عليه مؤخراً، بتغيير نظرة المطورين والاستشاريين إلى النمو.
ينسجم هذا بشكل وثيق مع خطة دبي الحضرية 2040، والتي تضع رؤية طويلة الأجل لمدينة أكثر ترابطاً واستدامة وتركيزاً على الإنسان. تولي الخطة أهمية بالغة لسهولة المشي، ووسائل النقل العام، ومسارات الدراجات، والتنقل المستدام. بالنسبة للمطورين، يعني هذا ضرورة فهم المباني في سياق المدينة ككل. ستحتاج المشاريع المستقبلية إلى مراعاة سهولة الوصول إلى وسائل النقل، وحركة المشاة، والقرب من المراكز التجارية والترفيهية والمجتمعية الرئيسية.