واشنطن- مع مرور عام على بدء عملية "طوفان الأقصى" وما تبعها من عدوان إسرائيلي مستمر على قطاع غزة وامتداده لجنوب لبنان، يبقى موقف الولايات المتحدة محوريا ورئيسيا فيما حدث ويحدث. ولا تلعب أي عاصمة أخرى الدور الذي تلعبه واشنطن بين طرفي الصراع.

ولمعرفة كيفية تناول واشنطن لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهل مثلت فرصة ضائعة لها، ولماذا تدعم إسرائيل بهذه الصورة الاستثنائية، وكيف ستغير نتائج الانتخابات الرئاسية الموقف الأميركي من الصراع، حاورت الجزيرة نت أسامة خليل أستاذ التاريخ بكلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة بجامعة سيراكيوز بشمال ولاية نيويورك.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هل تفوق إعلام القسام على الاحتلال خلال عام من الحرب على غزة؟list 2 of 2صفقة تبادل يتيمة وتعنت نتنياهو يحبط جهود الوساطةend of list

وخليل مؤرخ للعلاقات الخارجية للولايات المتحدة والشرق الأوسط الحديث، ومن كتبه "قصر الأحلام الأميركي: خبرة الشرق الأوسط وصعود دولة الأمن القومي" والذي نشرته جامعة هارفارد عام 2016. وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تعرض الأستاذ خليل للكثير من التنمر من جماعات ومنظمات يهودية بسبب موقفه المعادي للعدوان الإسرائيلي على غزة.

وفيما يلي نص الحوار:

كيف غيرت 7 أكتوبر سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط بشكل عام؟

لم تؤثر 7 أكتوبر على الخطوط العريضة لسياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط. وبدلا من ذلك، أعادت قضية تقرير المصير الفلسطيني إلى الواجهة بعد أكثر من عقد من محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل التقليل من شأنها أو رفضها تماما.

وقد سبق أن أكدت إدارتا الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطي جو بايدن على أولوية اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج العربي لاحتواء النفوذ الإيراني، وتقليص حقوق الفلسطينيين والحد من خياراتهم في أي مفاوضات مستقبلية. باختصار، سعت واشنطن إلى فرض حل على الفلسطينيين وحملهم على قبول الضم والفصل العنصري.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تعززت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل كبير لتصبح تحالفا إستراتيجيا. وقد ظهر هذا بشكل كامل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حيث سارعت واشنطن إلى إرسال مساعدات عسكرية إلى المنطقة لدعم الحملة العسكرية الإسرائيلية.

ويشمل ذلك أسطولا بحريا كبيرا وطائرات مراقبة ومقاتلات، وآلاف العسكريين والاستخباراتيين والقوات الخاصة. كما واصلت توفير كميات هائلة من الذخيرة مع حماية إسرائيل من أي عواقب لاستخدامها ضد أهداف مدنية. وتواصل واشنطن عرقلة أي تدابير لمحاسبة تل أبيب في الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية والعدل الدولية.

في مايو/أيار 2024، أصدرت الجنائية الدولية مذكرات توقيف بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت بالإضافة إلى شخصيات رئيسية في حركة المقاومة الإسلامية (حماس). ومع ذلك، انتهكت إدارة بايدن مذكرات المحكمة بالسماح لنتنياهو بزيارة واشنطن مرتين منذ مايو/أيار الماضي.

كيف تفسر موقف الدول العربية تجاه ما تشهده المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي؟

يتضح من الرد غير الفعال من جانب الدول العربية الرائدة على الإبادة الجماعية في غزة، أن واشنطن وإسرائيل نجحتا في الحد من دعم الفلسطينيين منذ توقيع اتفاق أوسلو الأولي عام 1993.

لم يؤد فشل الاتفاقات في إقامة دولة فلسطينية إلى دعم رسمي أكبر من الدول العربية. وبدلا من ذلك، أدت الحرب الأميركية على الإرهاب، والثورات العربية والمضادة، وقوة إيران الإقليمية المتزايدة، إلى عدم إعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية بالنسبة للحكومات العربية.

وتعتمد تلك الدول المتحالفة مع واشنطن اعتمادا كبيرا على المساعدات العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية الأميركية للحفاظ على حكمها، وكانت غير راغبة أو غير قادرة على التعبير عن أكثر من الإحباط من تجاهل الولايات المتحدة وإسرائيل لها.

ولم تتغير هذه الديناميكية بحلول 7 أكتوبر/تشرين الأول. وفي الواقع، تأمل تلك الدول -بهدوء- أن يهزم الجيش الإسرائيلي بشكل حاسم حركة حماس وحزب الله وجماعة أنصار الله اليمنية، من أجل إظهار عدم جدوى المقاومة المسلحة، خاصة عندما تدعمها إيران.

كيف فهمت نخبة السياسة الخارجية في واشنطن منطق حركة حماس في شن هجوم 7 أكتوبر؟

لا تنظر نخب السياسة الخارجية في واشنطن إلى الفلسطينيين على أنهم بشر ويستحقون المساواة في الحقوق أو حتى ضرورة تمتعهم بحقوق الإنسان. لقد نظرت إلى هجمات 7 أكتوبر ضمن المنظور الضيق لـ"الإرهاب" و"الوحشية" التي تستلهمها من إيران، إن لم تكن موجهة منها.

ويتجلى ذلك في المحاولات المتكررة للتقليل من شأن عدد القتلى الفلسطينيين في غزة أو رفضه. اقترنت التصريحات غير الإنسانية التي أدلى بها مسؤولو إدارة بايدن بتغطية إعلامية تنفي صفة الإنسانية عن الفلسطينيين وتعمل على إخفاء الكارثة الإنسانية التي تكشفت.

وبدلا من ذلك، احتفظت واشنطن بتعاطف ساحق مع المحتجزين الإسرائيليين بينما تجاهلت الفلسطينيين الأميركيين المحاصرين في غزة أو الذين تعرضوا للتهديد أو القتل في الضفة الغربية من قبل المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين. وقد ظهرت الآن ديناميكية مماثلة بالنسبة للأميركيين اللبنانيين وغيرهم من المواطنين الأميركيين في لبنان.

كيف تتعامل واشنطن مع ارتفاع أعداد الضحايا الفلسطينيين والوضع الإنساني في غزة؟

أدى القصف الإسرائيلي العشوائي على غزة إلى محو 902 أسرة فلسطينية بالكامل، و1.364 عائلة أصبح لديها فرد واحد فقط على قيد الحياة. وتيتم أكثر من 17 ألف طفل فلسطيني. ومن خلال المجاعة والمرض والنزوح، حذرت المنظمات الإنسانية من أن عدد الوفيات الفعلي من المرجح أن يكون أعلى بـ4 أو 5 مرات من العدد الحالي البالغ 41 ألفا و700 ضحية، وسيزداد مع اقتراب فصل الشتاء.

وتم تهجير أكثر من مليون فلسطيني من بيوتهم، العديد منهم لعدة مرات خلال العام الماضي، ولم يتلق أكثر من 1.4 مليون شخص حصصا غذائية في سبتمبر/أيلول الماضي. وقتلت إسرائيل الأطباء والممرضين والأساتذة والمعلمين وموظفي خدمات الطوارئ والصيادلة ومجموعة من المهنيين الآخرين. ودمرت البنية التحتية لغزة بقصف المستشفيات والمدارس والجامعات والعيادات والكنائس، والمساجد، والمكاتب الحكومية، والمخابز.

ومع ذلك، رفضت إدارة بايدن ونخب السياسة الخارجية ما توصلت إليه العدل الدولية من وجود دلائل معقولة على ارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة، فضلا عن قرارات الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب. كما أنهم يرفضون النتائج التي توصلت إليها منظمات حقوق الإنسان بأن الاحتلال الإسرائيلي يفي بالتعريف القانوني للفصل العنصري.

وبالتنسيق مع إسرائيل، سعت إدارة بايدن إلى تفكيك حماس ومعاقبة الفلسطينيين في غزة حتى يتخلوا عن الحركة أو يجبروها على الاستسلام.

لم تكن المفاوضات التي شاركت فيها واشنطن منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 صادقة أو بحسن نية، ولكنها أجريت إلى حد كبير لأغراض سياسية محلية حيث أصبحت الحرب لا تحظى بشعبية متزايدة، خاصة مع الديمقراطيين والمستقلين. وإلا لكانت الإدارة الأميركية قد مارست ضغوطا كبيرة على إسرائيل للموافقة على وقف إطلاق النار.

كيف ستغير نتيجة انتخابات 2024 الرئاسية سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل؟

ستسهم الانتخابات في حدوث توافق أكبر بين واشنطن وتل أبيب. إذا فاز ترامب فيها، فإن إدارته ستعترف بضم إسرائيل للضفة الغربية وغزة. وإذا فازت منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، فإن سياسات الضم الإسرائيلية ستستمر مع القليل من الاعتراضات، إن وُجدت، من واشنطن، ولكن من المرجح أن يتم حجب الاعتراف الرسمي.

سيحدث الضم والتهجير المستمر للفلسطينيين رغم وجود تحول في كيفية رؤية الأميركيين للقضية. هذا واضح بشكل خاص بين الأميركيين الأصغر سنا. وتؤيد غالبية الناخبين من مختلف الأطياف السياسية وقف إطلاق النار في غزة ويعارضون التصعيد أو الحرب الإقليمية، خاصة إذا كان ذلك ينطوي على تدخل أميركي مباشر.

ومع ذلك، سيكون هناك انقسام متزايد بعد الانتخابات، خاصة بين قاعدة الحزب الديمقراطي ونخبته. وفي الوقت نفسه، سيكون الناخبون المستقلون والجمهوريون غير مرتاحين بشكل متزايد لاستمرار واشنطن في تحويل الأسلحة والأفراد والتمويل إلى إسرائيل في الوقت الذي تشن فيه حملة إقليمية بلا نهاية.

كان أحد الأهداف الرئيسية لواشنطن بعد 7 أكتوبر هو منع أي توسع إقليمي للصراع، لماذا فشلت بهذه الصورة؟

ادعت إدارة بايدن أن هدفها هو منع التوسع الإقليمي للصراع، لكن على النقيض ضمنت سياساتها حدوث ذلك. في الواقع، اقترن الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي والدبلوماسي القوي لإسرائيل بمحاولات لتضليل الصحافة والجمهور الأميركيين حول الصراع الآخذ في الاتساع.

وبدلا من العمل من أجل وقف إطلاق النار، خاصة بعد الهدنة الإنسانية وتبادل المحتجزين الإسرائيليين مقابل النساء والأطفال الفلسطينيين الأسرى في السجون الإسرائيلية، طالبت إدارة بايدن حماس بالاستسلام.

زعمت واشنطن بشكل مخادع أن القتال بين حزب الله وإسرائيل، وكذلك استهداف أنصار الله للشحن في البحر الأحمر، لا علاقة له بالحرب في غزة. وبدلا من تحقيق وقف إطلاق النار، نشرت الإدارة سفنا بحرية في هذا البحر وشنت ضربات جوية غير فعالة ضد أنصار الله.

وحتى بعد أن ثبت مرارا وتكرارا أن هذا لن يردع هجمات اليمن على السفن أو الهجمات الصاروخية على إسرائيل، فإن هذا لم يفرض تغييرا في سياسات واشنطن. وعلى الرغم من انهيار حركة المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس وإفلاس ميناء إيلات الإسرائيلي، تواصل واشنطن الاعتماد على رد عسكري غير فعال يتناسب مع جهودها الدبلوماسية غير المخلصة.

لم تكن إدارة بايدن مستعدة لممارسة أي ضغط مستمر على إسرائيل لإنهاء حملتها العسكرية ولم توقف شحن المساعدات العسكرية إليها ولم تتوقف عن عرقلة العمل الدبلوماسي في الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار.

وقد تكشفت ديناميكية مماثلة في لبنان. وقال وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب مؤخرا لشبكة "سي إن إن" إن الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله وافق على وقف إطلاق النار لمدة 21 يوما. وبدلا من تنفيذ الاتفاق، اغتالت إسرائيل نصر الله وشنت غارات جوية واسعة النطاق في جميع أنحاء لبنان، فضلا عن محاولات توغل برية كجزء من جهودها الرامية إلى "التصعيد لتهدئة الصراع" مع الحزب.

وبدلا من عرقلة التصعيد الإسرائيلي، تم اعتماده في واشنطن وتبريره من قبل إدارة بايدن. كل هذا كان يمكن تجنبه، وتتحمل الإدارة مسؤولية تصاعد الصراع وعدد القتلى، وغالبيتهم العظمى من المدنيين، بمن فيهم أكثر من 300 قُتلوا عندما اغتيل نصر الله.

هل مثلت 7 أكتوبر أي فرصة للولايات المتحدة، إذا كان الأمر كذلك، فكيف؟

شكلت هجمات 7 أكتوبر فرصة فورية لواشنطن للتدخل وحل القضية دبلوماسيا. وبدلا من ذلك، قدمت إدارة بايدن دعما صاخبا للعمل العسكري الإسرائيلي. لم يحضر الرئيس بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن اجتماعات مجلس وزراء الحرب الإسرائيلي فحسب، بل سرعان ما منع بلينكن أي محاولات من قبل موظفي الوزارة للإشارة إلى وقف إطلاق النار أو خفض التصعيد.

كما ضغط على الدول العربية لإدانة حماس وهجماتها ورفض طلباتهم بوقف إطلاق النار. ومنع بلينكن محاولات محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب، بما في ذلك استخدام كميات كبيرة من الذخائر المتطورة ضد المدنيين، ومنع المساعدات الإنسانية، والتهجير القسري، والتعذيب.

قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وبعده، سعى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرارا وتكرارا إلى استئناف المفاوضات مع إسرائيل. وقد أُحبطت هذه الجهود من قبل البيت الأبيض وبلينكن. في الربيع الماضي، قدم عباس خطة إلى بلينكن لاستئناف المفاوضات التي تؤدي إلى دولة فلسطينية في غضون 6 أشهر. وشمل ذلك نشر أجهزة أمنية فلسطينية في غزة مدعمة بقوة دولية بالإضافة إلى "إصلاحات" للسلطة الفلسطينية التي طالبت بها واشنطن.

ورغم أن الاقتراح يتماشى مع التصريحات العلنية لإدارة بايدن حول دعم حل الدولتين وخطط "اليوم التالي" للحرب في غزة، فإن بلينكن رفضه. وبدلا من ذلك، زعمت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد مؤخرا أن الفلسطينيين ليسوا مستعدين لإقامة دولة.

بينما كانت هناك دعوات متزايدة لوقف إطلاق النار في غزة ومنع نشوب صراع إقليمي، ركزت إدارة بايدن على اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية. لن يتحقق ذلك ما دام بايدن رئيسا، ومع تصاعد الصراع الإقليمي من غير المرجح أن ينتهي في المستقبل القريب.

هل ما زلت تؤمن بحل الدولتين؟

لم أؤمن بحل الدولتين منذ فترة. تعارض إسرائيل بشدة قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. وهي ملتزمة بالفصل العنصري والتهجير. وهي والولايات المتحدة مهتمتان بالحفاظ على نظام فلسطيني عميل لديهما "تنسيق أمني" معه من أجل قمع الفلسطينيين تحت واجهة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود على منطقة تتقلص بشكل متزايد.

إذا استمر ضم إسرائيل بدعم من واشنطن كما هو متوقع، سيحتاج الفلسطينيون إلى الانخراط في نضال واسع النطاق من أجل الحقوق المدنية من أجل المساواة. وهذا من شأنه أن يكشف حقائق الفصل العنصري الإسرائيلي وسيجعل من الصعب بشكل متزايد على مؤيدي تل أبيب في واشنطن وأوروبا تبرير استمرار الدعم.

وقد بدأت هذه العملية بالفعل وتسارعت وتيرتها بسبب الإبادة الجماعية في غزة والصراع الإقليمي الآخذ في الاتساع، والذي تم بثه على الهواء مباشرة ليشهده العالم.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات أکتوبر تشرین الأول الماضی الولایات المتحدة وقف إطلاق النار الدول العربیة إدارة بایدن فی واشنطن أکثر من فی غزة من أجل من قبل

إقرأ أيضاً:

إسرائيل قلقة من جي دي فانس.. تحويل أفكاره لسياسات كارثة

قدمت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن "إسرائيل" مادةً لنقاش واسع داخل الأوساط الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن تعكس، في حال وصوله إلى البيت الأبيض مستقبلاً، توجهاً أمريكياً أكثر تحفظاً تجاه الالتزام التقليدي بدعم "إسرائيل"، في ظل تنامي التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري والداعي إلى تقليص الانخراط الخارجي للولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، رأى المستشرق والباحث في شؤون الشرق الأوسط، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد موشيه إلعاد، أن الجدل الذي أثارته تصريحات فانس خلال الأسابيع الأخيرة يرتبط بمحاولة استمالة التيار الانفصالي المتنامي داخل الحزب الجمهوري، والذي يدعو إلى خفض الإنفاق على الحلفاء وتوجيه الموارد لمعالجة الأزمات الداخلية الأمريكية. واعتبر أن هذا التوجه يمثل، من وجهة نظر أمريكية، خياراً سياسياً مشروعاً يعكس تحولات متزايدة في أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وأوضح إلعاد، في مقال نشرته "القناة 12" الإسرائيلية، أن جزءاً من الرأي العام الأمريكي بات ينظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً عادياً ضمن شبكة الحلفاء الأمريكيين، إلا أن التجربة التاريخية للعلاقات بين البلدين تشير، بحسب قوله، إلى أن العديد من الرؤساء دخلوا البيت الأبيض دون أن يضعوا إسرائيل في صدارة اهتماماتهم، بل إن بعضهم أبدى مواقف متحفظة تجاهها، قبل أن تتغير رؤيتهم عقب اطلاعهم على تقديرات البنتاغون ومداولات مجلس الأمن القومي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية.


وأضاف أن ما يحدث لا يعكس تحولاً أيديولوجياً بقدر ما يجسد انتقالاً من خطاب الحملات الانتخابية إلى متطلبات إدارة الدولة، مشيراً إلى أن المرشح الرئاسي يخاطب الناخبين بوعود انتخابية، بينما يجد الرئيس نفسه أمام مسؤولية تقييم انتشار القوات الأمريكية حول العالم، والتهديدات الأمنية، وتوازنات القوى الدولية، وهو ما يفرض عليه حسابات مختلفة.

ولفت الكاتب إلى أن تصريحات فانس تتعارض مع تقييمات عدد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، مستشهداً بتصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، الذي قال إن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية تسهم في حماية الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط، كما استشهد برأي الجنرال ديفيد بترايوس، الذي وصف إسرائيل بأنها الشريك العسكري الأكثر كفاءة وموثوقية للولايات المتحدة في المنطقة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات مستقلة ضد التنظيمات المسلحة والدول المعادية، بما يخفف العبء عن القوات الأمريكية.

واستعرض إلعاد عدداً من المحطات التاريخية التي قال إنها تؤكد هذا النمط في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الرئيس ريتشارد نيكسون لم يمنح إسرائيل اهتماماً كبيراً خلال حملته الانتخابية عام 1968، كما كُشفت لاحقاً تصريحات مثيرة للجدل له تجاه اليهود، إلا أنه، ومع اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أمر بإطلاق جسر جوي ضخم لتزويد إسرائيل بالأسلحة، انطلاقاً من قناعته بأن هزيمتها كانت ستُفسر كانتصار للاتحاد السوفيتي وتقويضاً للردع الأمريكي خلال الحرب الباردة، وليس بدافع التعاطف معها.

كما أشار إلى أن الرئيس جيمي كارتر، رغم تعقيد علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، قاد جهوداً مكثفة لإنجاز اتفاقيات كامب ديفيد، انطلاقاً من اعتباره أن السلام بين مصر وإسرائيل يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة. وأضاف أن الرئيس رونالد ريغان وسع التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، مع احتفاظه باستعداده لممارسة الضغوط عليها عندما رأى أن ذلك يخدم المصالح الأمريكية، وهي المرحلة التي ترسخ خلالها داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية مفهوم اعتبار إسرائيل "أصلاً استراتيجياً".

وفيما يتعلق بالرئيس دونالد ترامب، اعتبر الكاتب أنه يجسد الفارق بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية، إذ قدم نفسه خلال حملته الانتخابية عام 2016 باعتباره "محايداً" في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكنه بعد وصوله إلى الرئاسة اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، واعترف بسيادتها على مرتفعات الجولان، كما رعى اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس تغليب الاعتبارات الاستراتيجية على الخطاب الانتخابي.

وتناول المقال أيضاً تجربة الرئيس باراك أوباما، الذي واجه انتقادات إسرائيلية بسبب خلافاته مع حكومة بنيامين نتنياهو ومعارضته لسياسة الاستيطان، إلا أنه وقع أكبر اتفاقية مساعدات عسكرية في تاريخ العلاقات الثنائية، بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على تبني الإدارة الأمريكية لتقييم المؤسسة العسكرية التي تنظر إلى إسرائيل باعتبارها استثماراً استراتيجياً لا عبئاً مالياً.

كما استحضر الكاتب تصريحاً للرئيس جو بايدن يعود إلى عام 1986 عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، قال فيه: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان على الولايات المتحدة أن تخترعها لحماية مصالحها في المنطقة". واستشهد أيضاً بوصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيغ لإسرائيل بأنها "أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا تغرق"، في إشارة إلى دورها كقاعدة متقدمة ومركز استخباراتي وقوة ردع إقليمية تخدم المصالح الأمريكية دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات.


وخلص إلعاد إلى أن صعود التيار الانعزالي في الولايات المتحدة يستوجب التمييز بين الشعارات الانتخابية ومتطلبات الحكم، معتبراً أن الرؤساء قد يتعهدون خلال الحملات الانتخابية بتقليص الالتزامات الخارجية، لكنهم، بعد وصولهم إلى السلطة واطلاعهم على التقديرات الأمنية، ينتهون في الغالب إلى النتيجة ذاتها، وهي أن التحالف مع إسرائيل يستند إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة، وليس إلى اعتبارات التعاطف أو الالتزام الأخلاقي، وهو ما يفسر استمرار هذا التحالف رغم تغير الإدارات والأزمات الإقليمية والتحولات الدولية.

وتعكس هذه القراءة، وفق المقال، حجم القلق الإسرائيلي من احتمال أن تتحول تصريحات جي دي فانس إلى سياسة عملية إذا وصل إلى الرئاسة، إذ لا يُتوقع أن ينقلب على التحالف مع إسرائيل أو يتخلى عنه بالكامل، لكنه قد يتبنى نهجاً أقل استعداداً لمنحها دعماً غير مشروط، وهو ما قد يفرض عليها ضغوطاً سياسية واستراتيجية أكبر في المرحلة المقبلة.

مقالات مشابهة

  • تعرف على أحداث الحلقة الأخيرة من مسلسل تحت السن
  • “رايتس ووتش” تدعو “إسرائيل” للتحقيق في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • إسرائيل قلقة من جي دي فانس.. تحويل أفكاره لسياسات كارثة
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين
  • صحيفة عبرية: منح السعودية مفاعلا نوويا خطر وجودي على إسرائيل
  • هكذا مكّن بايدن الاحتلال الإسرائيلي من شن عدوانه على غزة وإيران
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل
  • سقوط صاروخ أميركي على جزيرة قشم الإيرانية