سودانايل:
2026-07-24@10:20:31 GMT

الفكر الثاقب والبعد الأخلاقي

تاريخ النشر: 8th, October 2024 GMT

بقلم: د. محمد حمد مفرح

من المسلمات التي لا يرقى إليها الشك أن التعويل على تفكيك أي ازمة، سياسية كانت او اقتصادية او اجتماعية او خلافها، تحدث في بلد ما و تفرز واقعا كارثياً في ذلك البلد، يجب، أي التعويل، أن يكون على العقل الجمعي للسلطة الحاكمة Authority's Collective mind بذلك البلد او على مفكر مؤهل لاحداث اختراق ما يضع حدا لهذه الأزمة.

و علاوة على الفكر فان ثمة ضرورة لتوافر البعد الأخلاقي في السلطة المسؤولة أو في المفكر و ذلك من اجل تفكيك الأزمة المشار إليها. و يتمثل مفهوم هذين العاملين على التوالي في اعمال الفكر الثاقب ذي المردودات الملموسة مع توافر الأهلية الأخلاقية في السلطة او المفكر المعني.
و اذا توافر هذان العاملان المفتاحيان،أي الفكر و البعد الأخلاقي، و توافرت البيئة المناسبة فسوف يقود هذا الى تفكيك الأزمة و وضع حد لها. و بالعكس فانه اذا لم تكن هنالك بيئة تمهد طريق النجاح للعاملين المشار إليهما فسوف لن يقودا الى تحقيق الهدف المرجو. ذلك أن توافر جميع مقومات تحقيق الهدف و تكاملها يعد امرا ضروريا لتحقيقه.
و قد حفل التاريخ السياسي للدول بعدد مقدر من الحكومات التي جمعت بين العقل السياسي الراجح و الأهلية الأخلاقية Moral competence. كما شهدت دول أخرى اختراقات كبيرة لأزماتها كان وراءها بعض القادة النابهين أو المفكرين الذين توافر فيهم العاملان المشار إليهما سابقا، الأمر الذي عمل على توافر الأهلية لانتشال هذه البلدان من وهدتها حين استحكمت الازمات.
الجدير بالتأكيد أن أهلية حل الأزمة تتضمن، بجانب الفكر الثاقب المعين على اجتراح الحلول غير التقليدية و البعد الأخلاقي في الممارسة السياسية او التعامل الأخلاقي و القدرة على هزيمة المعوقات كأساسيات لا بد منها، تتضمن عوامل أخرى ضرورية لتمهيد طريق النجاح. و من تلك العوامل الواقع السياسي بالبلد المعين و مدى اسهامه في تحقيق النجاح، مع توافر الارادة الوطنية و الشخصية الوطنية و مدى تعاملها الايجابي مع مساعي الحل. و تمثل هذه العوامل مجتمعة البات تفكيك الازمة.و استشراف واقع جديد عنوانه الاستقرار و التطور و الرفاه.
و تبعا لذلك يجب التعويل في حل الأزمات على العقل السياسي للدولة و الذي إذا ما توفر سيعمل على هزيمة أي قوة خارجية يمكن ان تعيق مساعي حل الأزمة او تقوم بالاسهام في حلها مع رهن قرار البلد المأزوم و سلبه استقلالية ارادتة الوطنية.
يقول عالم الاقتصاد الباكستاني محبوب الحق أنه لا يؤمن بوجود أرض جرداء لا موارد فيها بقدر ايمانه بعقل خلاق يمكنه استخراج الكنوز من باطن الأرض. و لا شك في ان هذا القول، و بصرف النظر عن احتمالية انتفاء واقعيته و موضوعيته، يعمل على تعظيم العقل و الدعوة الى ضرورة اعماله كمرجعية فكرية منتجة. و هذا بالقطع ما دعا له ديننا الاسلامي الحنيف و حثنا عليه، في معرض دعوته لاعمال العقل في ترقية الحياة و مواجهة تحدياتها.
و من الأمثلة الحية للدول التي احدثت اختراقات كبيرة في واقعها الاقتصادي دولة الهند الموسومة بعدد السكان الكبير. فقد واجهت الهند خلال العقود القليلة الماضية تحديا وجوديا Existential challenge تمثل
في فجوة جد واسعة بين عدد سكانها الهائل و مواردها الضئيلة.
و قد و قف عالم الاقتصاد السويدي قونار مبردال انذاك على واقع الهند فسماه ب Asian Dilemma أي (المأزق الاسيوي) و حكم على الهنود بالفناء بناء على المعطيات الموضوعية هناك و المتمثلة في إنفجار سكاني مع موارد قليلة، مقارنة بعدد.السكان. و تبعا لذلك فقد ظل يتابع النمو الاقتصادي للهند ليقف على مالات ذلك الواقع الاستثنائي. غير انه وجد بعد متابعته لمدة سنتين انه اخذ، خلافا لتوقعاته، في الأزدهار بوتيرة واعدة. و عندما استقصى الأمر اكتشف ان الهند قامت باعداد إستراتيجية اعلامية ذكية موجهة لمواطنيها من اجل مواحهة هذا الواقع من خلال رفع شعار (اما ان تعمل و تنتج او تموت من الجوع). و قد تجاوب المواطن مع هذا الشعار فكانت المحصلة وفرة في الانتاج الزراعي غير مسبوقة عملت على تحقيق نقلة اقتصادية بالهند وضعتها في صدارة الدول في مجال النمو الاقتصادي ثم ولجت عالم الصناعة من أوسع الأبواب.
كما أن الرئيس الماليزي ماهتير محمد يمثل نموذج العقل السياسي الذي كسر حاجز تقليدية التفكير حتى استطاع ان يهزم واقع بلاده الاقتصادي المأساوي فاستشرفت، بفضل الله و بفضل برنامجه الاقتصادي الذكي عهدا جديدا على اكثر من صعيد.
و اذا تأملنا في واقع دول المحور (المانيا و اليابان و ايطاليا) و التي هزمت في الحرب العالمية الثانية نجد انها تراجعت على صعيد الاقتصاد بدرجة كبيرة جراء الحرب، غير ان حكوماتها المتعاقبة أخذت على عاتقها بناء اقتصاداتها بعد أن توافرت لها العوامل انفة الذكر. و قد نجحت بالفعل في ذلك حتى أضحت قوى اقتصادية رائدة و أحتلت مكانة دولية جد متقدمة في مضمار الاقتصاد و النهضة الشاملة.
اما اذا تأملنا في دول مثل رواندا نجد أنها اصبحت نموذجا دوليا بشار إليه بالبنان من حيث مواجهة واقعها الذي افرزته حربها الضروس التي قضت على الأخضر و اليابس و اورثتها وضعا اقتصاديا كارثيا. و قد تمتعت سلطتها الحاكمة بعد الحرب بالحكمة و سعة الافق السياسي ثم قامت بانقاذ برنامج سياسي، اجتماعي، اقتصادي نفذت من خلاله العدالة الانتقالية Transitional Justice ثم واجهت واقعها فكانت محصلة ذلك عهدا جديدا نقلها نقلة معتبرة على صعيد البناء السياسي و النهضة و التطور.العام.
من جهة أخرى فان السياسي المخضرم و القائد الفذ نيلسون مانديلا استطاع بحكمته و عقله السياسي الراجح و دهائه فضلا عن أهليته الأخلاقية ان يضمد جراح بلده بعد نهاية الابرثايد Aperthied و ينقلها الى مربع الاستقرار و النمو. و قد نفذ برنامج (الحقيقة و المصالحة) و قام يخلق بيئة تعايش معافاة بين سكان البلد الاصليين و البيض المستعمرين الذين سبق و أن اوردوا اهالي البلد الاصليين موارد الهلاك.
و اذا أخضعنا واقع السودان الحالي و مالاته المتوقعة بعد الحرب الجارية، للمعايير المتمثلة في العوامل سابقة الذكر ، و التي تعد ضرورية لتفكيك الازمات و تعبيد طريق الاستقرار و النهضة و التطور، إذا اخضعناها لهذه المعايير نجد أن بلادنا موسومة في الأصل بهشاشة في البنية السياسية Fragility in political structure منذ الاستقلال، اقعدتها و حالت بينها و بين النهضة و التطور برغم توافر الموارد فيها. و تعتبر هذه الهشاشة وليدة الانقلابات العسكرية التي افرزت حكومات شمولية استاثرت بحكم البلاد لسنوات طويلة بالإضافة الى الصراع السياسي بين عدد من القوى السياسية التي لا يتوافر لبعضها النضج السياسي في حين يفتقر بعضها الاخر الى البعد الأخلاقي في الممارسة السياسية. و بالطبع خلق هذا الواقع، مقرونا بمسببات أخرى كثيرة، ازمة سياسية متطاولةPrinlonged political crisis فشلت القوى السياسية في حلها مما ادى الى انسداد افق الحل. و قد ضاعفت الحرب الجارية بالبلاد من الأزمة و افرزت واقعا كارثياً نقل البلاد الى شفا الأنهيار و ظلت بسببه عرضة للتفكك في ظل التعقيدات الماثلة.
لذا فان توافر العوامل المشار إليها في صدر المقال، في يىئتنا السياسية الداخلية و بين احزابنا و نخبنا السياسية علاوة على المعينات الأخرى المطلوبة سالفة الذكر تمثل، مجتمعة، الضمانة الأكيدة لحل ازمة بلادنا
و انتشالها من وهدتها الحالية.
و هذا يستلزم، دون ريب، الوعي التام بمأزق البلاد الراهن، من قبل كل القوى السياسية و التفاعل معه و السمو فوق كل الصغائر و كذا تقديم المصلحة العامة على ما عداها ثم التواضع على برنامج حد ادنى بستهدف انقاذ البلاد من وهدتها. و من الضروري استصحاب تجارب الدول الاخرى التي واجهت ازمات مشابهة و بالذات تلك.التي خرجت من الحروب، و ذلك في سبيل احداث اختراق ايجابي كبير في ازمتنا و الا ظلت بلادنا مفتوحة على كل السيناريوهات.

mohammedhamad11960@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي

وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .

وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.

وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".

وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".

واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".

وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".

وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".

كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".

وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني". 

وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".



وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".

وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.

وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"

وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".

ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".

وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .

مقالات مشابهة

  • صيف ملتهب.. انقطاع الكهرباء يشعل الاحتجاجات ويكشف هشاشة البنية التحتية في دول عربية
  • 6 مرشحين لخلافة غوتيريش.. من هم وما خلفياتهم السياسية؟
  • تفاصيل انعقاد الجولة العاشرة للمشاورات السياسية بين مصر والفلبين
  • العراق: الأوهام والسياق السياسي!
  • المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • مجلس الدولة: ندعو الليبيين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء
  • رهان حكومي على استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية
  • الأحزاب الليبية: ندعم المبادرة الأمريكية للسلام لحل الأزمة
  • تجمع الأشراف يرفض «المتاجرة السياسية» بإقليم فزان وأهله