تحولات كبيرة على الأرض في مشهد الحرب بالسودان خلال الأسبوعين الماضيين، عقب تقدم الجيش وسيطرته على مناطق حيوية كانت تحت سيطرة "قوات الدعم السريع" شبه العسكرية في قلب العاصمة الخرطوم وجنوب البلاد.

 

هذه التحولات جعلت متغيرات المعادلة العسكرية تأخذ منحى جديدا بعد أكثر من 17 شهرا من الصراع المسلح، ورفعت من حدة المعارك في الخرطوم وعدة مناطق أخرى.

 

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان 2023 يخوض الجيش السوداني و"الدعم السريع" حربا طالت 13 ولاية من أصل 18 وخلّفت أكثر من 20 ألف قتيل وقرابة 10 ملايين نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة.

 

ووسط إفادات للجيش بـ"قرب ساعة النصر" وتصريحات مقابلة للدعم السريع بحشدها لعمليات عسكرية جديدة، قال المحلل السياسي السوداني عثمان فضل الله للأناضول، إن البلاد "تسير نحو فترة عصيبة ستشهد تصاعدا في المعارك العنيفة بكل المناطق، وعلى ضوئها يتحدد مصير الفترة المقبلة".

 

ومشيرا إلى رغبة طرفي الحرب بتحقيق مزيد من المكاسب الميدانية، أوضح فضل الله أن "الدعم السريع يحتاج للمحافظة على مناطق سيطرته أو استهداف مدينة جديدة، بينما يسعى الجيش لتحقيق انتصار كبير كتحرير الخرطوم أو مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة وسط البلاد".

 

هجوم في الوسط والجنوب

وخلال الأسبوعين الأخيرين، أدت هجمات الجيش إلى استعادة أجزاء كبيرة من مناطق سيطرة "الدعم السريع" في العاصمة المثلثة (الخرطوم، بحري، أم درمان) مثل شمال مدينة بحري (شرق) ومنطقة المقرن (وسط).

 

ومنذ 26 سبتمبر/ أيلول الماضي وعن طريق عبور قواته لأول مرة منذ نحو 7 أشهر لثلاثة جسور بالعاصمة الخرطوم كانت تغلقها "الدعم السريع"، شن الجيش عملية واسعة تمكن خلالها من السيطرة على أحياء بمدينة بحري بينها الكدرو والحلفايا والدروشاب.

 

وما زال يواصل الجيش في عمليات عسكرية برية وجوية داخل مدينتي الخرطوم وبحري، محاولا الوصول إلى عمق الخرطوم حيث القصر الرئاسي الذي تسيطر عليه "الدعم السريع" منذ اندلاع الحرب.

 

وجنوب البلاد، نجح الجيش في السيطرة على جبل موية بولاية سنار، وهو جبل ذو موقع استراتيجي يرابط بين ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق (جنوب) والجزيرة (وسط)، سيطرت عليه "الدعم السريع" في يونيو/ حزيران الماضي.

 

والأربعاء، أعلن الجيش سيطرته على منطقة "جريوة" بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق) مؤكدا خلو الولاية من "الدعم السريع".

 

أدت هذه التغيرات في السيطرة على الأرض إلى إفراز واقع جديد بين أطراف القتال وكذلك بشان استمرار القتال.

 

دفاع في الغرب

وبالتزامن مع المعارك الهجومية وسطا وجنوبا، ما زال الجيش ومعه قوات حركات دارفور المسلحة الموقعة على اتفاق سلام عام 2020، تدافع عن مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب) في ظل حصار قوات الدعم السريع ومهاجمتها المتتالية على المدينة منذ مايو/ أيار الماضي.

 

والفاشر عاصمة إقليم دارفور المكون من 5 ولايات وأكبر مدنه، هي الوحيدة بين مراكز ولايات الإقليم الأخرى التي لم تسقط بيد "الدعم السريع" في نزاعها المسلح ضد الجيش السوداني.

 

بجانب الدفاع عن الفاشر من السقوط، استطاعت قوات الجيش وحركات دارفور استعادة عدة مناطق في ولاية شمال دارفور من "الدعم السريع" بعد معارك عنيفة، وأبرزها منطقة "بئر مزة".

 

كما تخوض قوات الجيش وحلفائها من الحركات المسلحة معارك في ولاية غرب دارفور (غرب) التي تسيطر عليها "الدعم السريع" حتى الوقت الحالي.

 

أهمية جبل موية

خلال تفقده للجنود في منطقة جبل موية بولاية سنار بعد سيطرة الجيش عليها، توعد شمس الدين كباشي نائب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بـ"حسم التمرد (الدعم السريع) وتطهير كل شبر من الوطن" مؤكدا على "قرب ساعة النصر" .

 

وتعد السيطرة على جبل موية وفق المحللين العسكريين "مفتاحا للنصر" في معارك مقبلة، حيث يتيح ذلك لقوات الجيش التحرك بسهولة نحو المناطق التي تسيطر عليها "الدعم السريع" بولايتي الجزيرة وسنار.

 

وفي 25 يونيو المنصرم، سيطرت "الدعم السريع" على جبل موية، لتفرض حصارا على مدينة سنار كبرى مدن الولاية المسماة بذات الاسم، لتسيطر على أجزاء واسعة من الولاية بما فيها عاصمتها مدينة سنجة.

 

وفي أحدث التطورات، بث قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) الأربعاء فيديو على منصة إكس أقر فيه بهزيمة قواته في جبل موية، وعزا ذلك لاستخدام الطيران العسكري بكثافة من الجيش السوداني بمعاونة مصر وهو ما نفته القاهرة.

 

وفي ذات الفيديو الذي أثار الكثير من الجدل، طالب حميدتي قواته بالاستعداد لقتال الجيش السوداني ومواصلة الحرب، مشيرا إلى أنهم سينتقلون إلى تنفيذ الخطة "ب" دون أن يوضح ماهيتها، غير أن مراقبين يرون في ذلك إعلانا من "الدعم السريع" بتوسيع صراعه مع الجيش لمدى أبعد.

 

ساعة الحسم

وبين ثقة الجيش في قرب ساعة النصر وتهديد "الدعم السريع" بمواصلة الحرب، يرى مراقبون أن حسم المعارك بين الطرفين ليس سهلا وقد يحتاج لوقت طويل.

 

برأي المحلل السياسي السوداني عثمان فضل الله، فإن البلاد "تسير نحو فترة عصيبة ستشهد تصاعدا في المعارك العنيفة بكل المناطق، وعلى ضوئها يتحدد مصير الفترة المقبلة".

 

وأوضح أن "الجيش منذ أواخر سبتمبر الماضي بدأ عملية عسكرية أعد لها منذ فترة وحرك كل قواته في كافة المحاور لهزيمة الدعم السريع وكسر شوكته".

 

وتابع فضل الله: "بالمقابل خطاب قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو الأربعاء، يمضي في ذات الاتجاه وهو يحشد لعملية عسكرية جديدة".

 

واعتبر أن "الطرفين يعدان لمعركة حاسمة يستطيع فيها أحدهما تحقيق انتصار أو اختراق يكون بعده صاحب الكلمة العليا بمستقبل البلاد".

 

واشار إلى أن كل طرف "يسعى لتحقيق مكسب من المعارك ميدانيا، فالدعم السريع يحتاج للمحافظة على مناطق سيطرته أو استهداف مدينة جديدة".

 

وأما الجيش، وفق فضل الله، فيسعى إلى "تحقيق انتصار كبير كتحرير العاصمة الخرطوم، أو مدينة ود مدني (تحت سيطرة الدعم السريع منذ ديسمبر/ كانون الأول 2023)".

 

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب في السودان، بما يجنب البلاد كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال.


المصدر

المصدر: الموقع بوست

كلمات دلالية: الجیش السودانی الدعم السریع السیطرة على فضل الله جبل مویة

إقرأ أيضاً:

السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية

الخرطوم- احتدام الاشتباكات المسلحة في الآونة الأخيرة بمحيط مدينة الأُبَيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، أثار مخاوف متزايدة بشأن تغير الموازين العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.

يؤكد خبراء أن السيطرة على الأُبَيِّض تحمل أهمية حاسمة لوحدة أراضي السودان، محذرين من أن أي تصعيد عسكري في المدينة قد يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لكارثة إنسانية جديدة.

** هجمات ممنهجة من "الدعم السريع"

وفي حديثه للأناضول، قال الباحث في وقف "سيتا" التركي للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تونتش دميرطاش إن البعد العسكري لا يمكن تجاهله في الصراع الدائر بالسودان، متهما "قوات الدعم السريع" بشن هجمات ممنهجة على المدنيين والسعي إلى إضعاف القدرات المؤسسية للدولة.

ورأى أن من المهم أن يوقف الجيش السوداني تقدم قوات الدعم السريع، ويحمي المناطق الاستراتيجية، ويعيد ترسيخ سلطة الدولة.

وأضاف: "دون ضغط عسكري سيكون من الصعب للغاية الحد من هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين، ومنع محاولات إقامة إدارة موازية، وحماية سيادة البلاد".

وشدد دميرطاش على أن النجاح العسكري وحده لن يكون كافيا، موضحا أن قدرات "الدعم السريع" تعتمد إلى حد بعيد على أسلحة وتمويل وإمكانات لوجستية وشبكات من المرتزقة تأتي من الخارج.

وأشار إلى أن استمرار هذا الدعم سيجعل تثبيت المكاسب الميدانية أكثر صعوبة، وقد يعزز سيناريوهات التقسيم الفعلي للسودان مع إطالة أمد الحرب.

وبناء عليه، يرى دميرطاش ضرورة دعم التحرك العسكري بمبادرات دبلوماسية ومساندة دولية وعقوبات تستهدف شبكات الإمداد الخارجية.

وأوضح أن التوصل إلى حل سياسي حقيقي لن يكون ممكنا إلا بعد الحد من قنوات الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.

** أهمية وثقل الأُبَيِّض

ولفت الخبير التركي إلى أن الأُبَيِّض ليست مدينة مهمة فحسب، بل تمثل عقدة حيوية للتحركات العسكرية والتدفقات اللوجستية وخطوط الإمداد، لا سيما أنها تقع عند تقاطع طرق تربط الخرطوم بإقليم دارفور وجنوب البلاد.

وقال إن "الدعم السريع" تتبع في المدن استراتيجية لا تستهدف المواقع العسكرية فحسب بل تطال الحياة المدنية أيضا، مضيفا أن الهجمات على البنية التحتية للكهرباء ومستودعات الوقود وشبكات النقل تهدف إلى جعل المدن غير صالحة للعيش.

وتوقع دميرطاش أن تتركز الاشتباكات خلال الفترة المقبلة حول منشآت الطاقة وممرات الإمداد وشبكات النقل، بدلا من مراكز المدن وحدها.

وتابع: "حماية الأُبَيِّض بالنسبة للجيش السوداني لا تحمل أهمية عسكرية فقط، بل تعد ضرورية أيضا لاستمرار الحياة المدنية والحفاظ على ترابط شرق البلاد وغربها".

وبشأن حظر الأسلحة، أوضح دميرطاش أن على المجتمع الدولي التمييز بين الدولة والجماعات المسلحة غير الحكومية، مبينا أن العقوبات ينبغي أن تستهدف قوات الدعم السريع والجهات الداعمة لها التي تعمل ضد الدولة السودانية.

وشدد على ضرورة أن تشمل العقوبات الشركات وشبكات التمويل والجهات المستفيدة من تجارة الذهب والآليات اللوجستية التي تسهم في إبقاء القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع.

وأكد أن تعزيز مؤسسات الدولة وإقامة أرضية سياسية شاملة خلال مرحلة إعادة الإعمار أمران حيويان لتحقيق سلام دائم.

** المدنيون يدفعون الثمن

من جانبه، قال رئيس منظمة "مشاد" لحقوق الإنسان أحمد عبد الله إن الوضع الإنساني في مناطق الصراع بالسودان "بلغ مستوى حرجا".

وأوضح أن ملايين المدنيين يواجهون التهجير وانهيار الخدمات الأساسية وصعوبات في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة.

وتابع: "المدنيون السودانيون عالقون بين أطراف الصراع في مناطق عديدة، ويدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وكرامتهم وأمنهم ومستقبلهم".

** انتهاكات دارفور

وقال عبد الله إن منظمته وثقت انتهاكات جسيمة وممنهجة ارتكبتها جماعات مسلحة ضد المدنيين في دارفور.

وأوضح أن عمليات القتل المتعمد والعنف الجنسي والتهجير القسري وإحراق القرى والمخيمات واستهداف البنية التحتية المدنية تمثل انتهاكات واضحة للقانون الدولي.

وأضاف أن تقارير دولية مستقلة كشفت أيضا عن انتهاكات جسيمة في دارفور قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وشدد عبد الله على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لتحقيق سلام دائم، ومنع إفلات مرتكبيها من العقاب.

** خطر إنساني

وحذر من أن المدنيين في الأُبَيِّض يواجهون بدورهم مخاطر مرتفعة للغاية، مبينا أن توسع العمليات العسكرية وتعثر إيصال المساعدات الإنسانية قد يعمقان الأزمة في المدينة.

وأضاف أن أي تصعيد عسكري داخل الأُبَيِّض أو في محيطها قد يؤثر في مئات الآلاف من المدنيين، داعيا أطراف الصراع كافة إلى الالتزام بتعهداتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.

كما دعا الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمنع اتساع الأزمة، محذرا من أن استمرار التقاعس قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في شمال كردفان.

مقالات مشابهة

  • عقوبات أمريكية جديدة على السودان.. الخرطوم ترفض الاتهامات وواشنطن تشدد الضغوط
  • واشنطن تصعّد والخرطوم تنفي.. عقوبات أمريكية بشأن اتهامات الأسلحة الكيميائية
  • تقرير: واشنطن تعزز تحركها لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام في ليبيا
  • قصف عنيف يستهدف عدة مدن إيرانية.. والحرس الثوري يسقط صاروخا جنوب شرقي البلاد
  • السودان.. مجلس الوزراء يناقش إنشاء مدينتين طبيتين ومشروع وادي الهواد
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية