تتواصل الأزمات المحيطة شرقا وغربا وجنوبا بالدولة المصرية، حيث حرب الإبادة الإسرائيلية الدموية الدائرة على قطاع غزة ولبنان والتي دخلت عامها الثاني، والمواجهات العسكرية في السودان والتي تقترب من العام ونصف العام، إلى جانب أزمة مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي والصراع في القرن الإفريقي ومدخل البحر الأحمر الجنوبي، ما يزيد المخاوف على حياة أكثر من 106 ملايين مصري.



والخميس، زار رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، إريتريا، المطلة على البحر الأحمر والمجاورة للسودان وإثيوبيا، في قمة ثلاثية تشهدها العاصمة أسمرة، حيث تجمع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والصومالي حسن شيخ، وسبقتها زيارة تنسيقية لرئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل ووزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي.

وفي مؤتمر صحفي، للرؤساء الثلاثة، شدد السيسي، أهمية علاقات الدول الثلاثة "سواء في مواجهة تحديات مشتركة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر"، مضيفا أن التشاور شمل بحث "سُبل التصدي لمخططات وتحركات؛ تستهدف زعزعة الاستقرار وتفكيك دول المنطقة، وتقويض الجهود الدؤوبة لدولنا وشعوبنا"، معلنا الاتفاق على "تقديم كافة أشكال الدعم للصومال".

وشهدت الشهور الأخيرة تطورات سياسية وعسكرية في القرن الإفريقي في ظل سعي إثيوبيا، التي تُعتبر قوة بارزة في المنطقة، لتعزيز نفوذها من خلال نشر قوات تحت راية الاتحاد الإفريقي في الصومال، وتأمين ممر ثابت إلى البحر الأحمر على غير رغبة مقديشيو، وذلك بعد استكمال بناء سد النهضة، الذي يمثل تهديدا "وجوديا" لمصر التي تخشى من تمدد النفوذ الإثيوبي.


وتأتي زيارة السيسي، لأسمرة، والقمة الثلاثية، في ظل اتهامات إثيوبية للقاهرة بحشد قوات عسكرية وسلاح مصري دعما لمقديشيو رفضا من القاهرة للتدخل العسكري الإثيوبي في الصومال التي تدعمها القاهرة وفقا لبروتوكول عسكري جرى توقيعه منتصف آب/ أغسطس الماضي.

تحرك السيسي، في القرن الإفريقي قرأه مراقبون ومتحدثون لـ"عربي21"، بأنه خطوة جيدة ولكنها متأخرة، نحو صناعة تحالف إقليمي من الصومال وإريتريا ضد إثيوبيا، واصفينها بأنها محاولة قد تكون يائسة للضغط على أديس أبابا في ملف مياه النيل.

"اتهامات حميدتي"
وفي ملف ثان، اتهم الأربعاء، قائد قوات "الدعم السريع" في السودان، محمد حمدان دقلو الجيش المصري بالمشاركة في المعارك العسكرية ومساندة الجيش السوداني وقصف عناصر "الدعم السريع" في جبل موية بولاية سنار، والادعاء بأن طائرات مقاتلة من طراز "سوخوي 29" تابعة لمصر ظلت تضرب قواته لساعات طويلة في جبل موية.

وبحسب "سودان تربيون"، قال حميدتي: "هُزمنا في جبل موية بولاية سنار، بواسطة الطيران المصري الغادر"، مضيفا "أنهم صمتوا طويلا حيال التدخلات المصرية في الحرب الدائرة الآن".

وأضاف: "استعنتم بكل شيء، طيران وبحر… قاتلتنا مصر.. وأثناء مفاوضات جنيف، منحت مصر الجيش 8 طائرات وقنابل زنة 250 كيلوغرام، وهي قنابل أمريكية".


وهي الاتهامات التي نفتها مصر في بيان رسمي، فيما لم يتطرق المتحدث العسكري المصري للرد على تلك الاتهامات حتى كتابة هذا التقرير.

وزارة الخارجية المصرية، قالت إن مزاعم اشتراك الطيران المصري في المعارك الدائرة في السودان تأتي "في خضم تحركات مصرية حثيثة لوقف الحرب وحماية المدنيين وتعزيز الاستجابة الدولية لخطط الإغاثة الإنسانية للمتضررين من الحرب الجارية بالسودان".

وفي حديثهم لـ"عربي21"، قدم خبراء قراءة في اتهامات حميدتي للجيش المصري بالتورط في حرب السودان، مؤكدين أنه حديث المهزوم الذي يواجه ورطة مع الهزائم الأخيرة شديدة الوقع التي لحقت بقواته ومرتزقته المدعومين إماراتيا، وفق قول الصحفي جمال سلطان، عبر موقع "إكس".

خطاب زعيم ميليشيات الدعم السريع في السودان "حميدتي" الغاضب أمس، وتوزيعه الاتهامات لمصر والسعودية بالانخراط في الحرب الدائرة هناك، هو حديث شخص مأزوم، يبدو أن الرجل في ورطة، والهزائم الأخيرة التي لحقت بقواته ومرتزقته المدعومين إماراتيا كانت شديدة الوقع عليه — جمال سلطان (@gamalsultan1) October 10, 2024
"إهانة عاموس"
وفي ملف ثالث، أثار رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق عاموس يدلين، بتصريحات للقناة 12 العبرية، غضب المصريين بزعمه أنهم لن يسمحوا بتواجد جيش على حدود إسرائيل، مشيرا لمنع الجيش الأردني من الاقتراب من الضفة الغربية، والسماح بتحرك الجيش المصري في سيناء وفق تعليماتهم.

وقال نصا: "لن يكون هناك جيش على الحدود الإسرائيلية والذي ممكن أن يقتحم الدولة في اللحظة صفر"، مضيفا: "نحن لم نسمح للأردن أن تضع جيشها في الضفة الغربية، ونسمح لمصر أن تقوم بإدخال جيشها إلى سيناء في ظل هذا الردع الذي حققناه"، مؤكدا أنه "طبقا لنفس القوانين كل شخص يرفع رأسه سنزيله".

عاموس يدلين " رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الاسبق" :

لن نسمح بتواجد جيش على حدودنا الا بالمعايير التي وضعناها للجيش المصري و الجيش الاردني واللذان لا يتحركان الا بأوامر صارمة من دولتنا … "

لا غالب الا الله#طوفان_الأقصى #طوفان_النصر_والتحرير #يحيى_السنوار… http://pic.twitter.com/3TjVABkEgt — معتز مطر (@moatazmatar) October 8, 2024
متحدثون لـ"عربي21"، ومراقبون عبر مواقع التواصل الاجتماعي قالوا إن تلك التصريحات تمثل "إهانة كبيرة وصريحة للجيش المصري والأردني"، وإنه "يجب الرد عليهاط.

لكن البعض رأى أنها ليست ادعاءات من المسؤول الإسرائيلي السابق، ولكنها "حقائق مؤسفة" رآها المصريون والعرب على مدار عام من "طوفان الأقصى"، مع احتلال "إسرائيل" لمعبر رفح وغلقه، وسيطرتها على محور "فيلادلفيا" بالمخالفة لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، واتفاقية المعابر لعام 2005، وسط صمت مصري.

ننتظر ردا مصريا على هذه الإهانات بل الاتهامات الخطيرة للمؤسسة العسكرية http://pic.twitter.com/kYcv5VUDM0 — جمال سلطان (@gamalsultan1) October 9, 2024
ومنذ انطلاق "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي تبعها حرب إبادة دموية إسرائيلية تسببت في استشهاد أكثر من 40 ألف فلسطيني وتدمير البنية التحتية لقطاع غزة، وهددت الحدود المصرية أكثر من مرة وقتل العديد من جنودها؛ وتطال القاهرة الانتقادات لتراجع دورها في الملف الأخطر على أمنها القومي.

وبحسب كتاب "دليل إسرائيل"، الصادر في 2020،  للكاتب فادي نحاس، فإن البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على "تحييد الجبهة الجنوبية المصرية"، مشيرا إلى أن "التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية تُجمع على أنه لم يعد هناك خطر استراتيجي يتهدد إسرائيل من الجبهة الجنوبية، علما بأنها ظلت مصدر التهديد الرئيسي حتى مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979".

"خطوة حيوية لكن متأخرة"
وفي قراءته لدلالات الملفات الثلاثة، قال الأكاديمي المصري الدكتور محمد الزواوي، إن "تعزيز التواجد المصري العسكري والدبلوماسي في منطقة القرن الإفريقي خطوة حيوية للأمن القومي المصري رغم أنها جاءت متأخرة للغاية".

المحاضر في معهد الشرق بجامعة سكاريا التركية، أضاف لـ"عربي21": "ولكن تلك التحركات تعبر عن وجود إرادة مصرية لإعادة هندسة تحالفات المنطقة، التي تركتها مصر لعدد من القوى الإقليمية في السنوات الماضية مع انسحابها غير المبرر".


وتابع: "بما يعني أن القاهرة قررت أن تستعيد حضورها وريادتها مرة ثانية، بعد أن تعرضت لمخاطر جسيمة تتعلق بالملاحة في قناة السويس وتهديد منابع النيل".

ويرى الأكاديمي المصري، أيضا أن "التواجد العسكري المصري معززا بخطوات دبلوماسية ملموسة بغية تشكيل تحالف مصري إريتري صومالي يعني أن مصر تريد معاقبة إثيوبيا بحرمانها من الوصول إلى البحر الأحمر، وإظهار جدية مصر باستخدام الأسلحة النوعية التي وفرتها للصومال، لاسيما مضادات الطائرات والمدفعية".

وأكد أن "هذه رسالة بأن مصر لن تكتفي بقوات حفظ سلام ضد تواجد حركة الشباب التي تمتلك أسلحة خفيفة، ولكن ذلك التواجد موجه بالأساس إلى الجيش الإثيوبي، بعد سلسلة من التصريحات المستفزة للجانب المصري بشأن بيع مياه النيل وبناء سلسلة من السدود على النيل الأزرق".

وعن التواجد المصري في السودان، يعتقد الوزاوي، أنه "جاء كذلك متأخرا للغاية، بعد تلكؤ مصر في دعم الجيش السوداني الذي تحسبه القاهرة على الاتجاه الإسلامي، في ظل خلافات مع الإمارات بشأن الانحياز إلى قوات الدعم السريع، التي باتت تشكل تهديدا على الأمن القومي المصري بعد المذابح والتهجير والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، ونهب الثروات والمعادن النفسية للبلاد".

وقال إن "الجيش السوداني من المفترض أن يكون أصلا مهما للجيش المصري، لاسيما في حال اندلاع مواجهات عسكرية بشأن سد النهضة، واستخدام قواعده ومواقعه في ضمان تعزيز المصالح المصرية والسودانية في مياه النيل".

وبشأن تصريحات عاموس يدلين، أكد الأكاديمي المصري أنها "جاءت من مسئول سابق، ومن ثم فهي لا تمثل إهانة رسمية لمصر بقدر ما تمثل دعاية للاستهلاك الداخلي ومحاولة لرفع الروح المعنوية لجنوده الذين يسقطون في معارك استنزاف تبدو بلا نهاية، وقدرة صواريخ المقاومة على ضرب العمق الصهيوني، ومحاولة تهدئة مخاوف الرأي العام الداخلي بأنه لن تنضم جيوش المنطقة إلى استهداف الكيان".

"فوات الأوان.. وشماعة حميدتي"
وفي قراءته، قال الكاتب الصحفي والإعلامي قطب العربي، إن "زيارة السيسي لإريتريا وعقد قمة ثلاثية مع الرئيس الصومالي جاءت متأخرة جدا، وبعد فوات الأوان فيما يخص سد النهضة الذي اكتمل بناؤه ولم يعد هناك مجال للتأثير الحقيقي على إثيوبيا في هذا الملف".

ومع ذلك فإن العربي، في حديثه لـ"عربي21"، يرى أن "الزيارة تسهم في صناعة ربما حلف جديد بمواجهة إثيوبيا في القرن الإفريقي، وهذا الحلف يمكن أن يواجه طموحات أخرى لإثيوبيا في هذه المنطقة، ومصر تدخل كطرف داعم للصومال وإريتريا في مواجهة الطموحات الإثيوبية الأخرى".

وراح يؤكد أنه "ومع ذلك تحرك لن يسهم في حل أزمة مياه النيل؛ ولكنه كما نقول في مصر من باب (فش الغل) أو الثأر والانتقام لكنه لن يحلحل ملف سد النهضة أو يحدث فيه تغيير"، بحسب قوله.

ويرى العربي، أن "اتهام حميدتي للجيش المصري كمن يبحث عن شماعة لهزيمته في جبل مويا، وهو لا يريد أن يقتنع أن الجيش السوداني استطاع بمفرده أن يهزمه ولقد هزمه من قبل في أماكن أخرى، ولكنه يحاول تسويق رواية أن الدعم السريع هو الأعلى قدما والأرسخ على الأرض وأن الجيش السوداني لم يستطيع هزيمته منفردا".

وأوضح أنه "خلال بحثه عن شماعة للهزيمة وجد أن اتهام مصر ربما يكون مقنعا، علما بأن خارجية القاهرة نفت هذا الاتهام، لكن المؤكد أن الجيش السوداني مؤخرا استطاع تحديث سلاحه، وتطوير أداءه، وأيضا ارتفعت روحه المعنوية بعد سلسلة انتصارات حققها مؤخرا، مدعوما بالتفاف شعبي واسع من المتطوعين مع الجيش".

ولفت إلى أن تلك الحالة "أسهمت في تحرير جبل موية، وحرر من قبل الجسور والعديد من المناطق"، ملمحا إلى أن "حميدتي يتحدث من الخارج أو ربما من الإمارات واتهامه بعض الدول الأخرى بدعم الجيش السوداني، ومن الواضح أنه موصى بهذا ممن يلقنه هذه الاتهامات في إطار أحلاف إقليمية، وكان من الواضح ارتباكه وشعوره بالهزيمة".

وفي حديث رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق، يعتقد العربي، أن "هذه اتهامات خطيرة وتمثل إهانة كبيرة للجيش المصري إذا تُركت هكذا دون رد"، مضيفا: "وننتظر ردا واضحا من الجيش المصري والقيادة السياسية على هذه الاتهامات حتى لا تظل معلقة في رقبة الجيش المصري".

"أدوار وظيفية أو تكتيكية.. لا أكثر"
وفي رؤيته، قال الباحث المصري في أصول التربية السياسية يحي سعد: "للأسف لا أتوقع أن مصر -بنظامها الحالي-  تجرؤ على خوض أي مواجهة عسكرية في الشرق أو الجنوب أو محيطها الإفريقي، ولا يزيد الأمر عن أن هذه التحركات إن رصدت تتعدى الأدوار الوظيفية أو التكتيكية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، مضى يؤكد أن "السيسي، أفقد الجيش المصري توازنه بتغيير عقيدته القتالية، وتغيير بوصلته العسكرية، وإشغاله بمجالات ليست من صميم مهامه الدستورية كالاقتصاد والتعليم ومزارع الخيار والطماطم والجمبري والسكك الحديدية".


وأضاف: "كل هذا فضلا عن هشاشة البنية القيادية، وتجريفها بشكل مستمر من كل قيادة يشعر ولو للحظة أن لها حظا من هيبة أو استقلالية".

وأوضح أن "ما يؤكد ذلك ما نفته وزارة الخارجية من تدخل الجيش المصري في المواجهات الدائرة في السودان، رغم حاجة الجيش السوداني للدعم في مواجهة ميليشيات الدعم السريع التي أهلكت الحرث والنسل".

وتابع: "كما استبعد محللون كثر أن تكون التحركات التي أعلن عنها مؤخرا للجيش المصري في الصومال أو القرن الإفريقي لها علاقة بالتحضير لمواجهة مع إثيوبيا إثر محاولاتها تمديد نفوذها في دول الجوار فضلا عن تهديدها القائم للأمن القومي المصري من خلال سد النهضة الإثيوبي".

وختم بالقول: "أما على صعيد الحدود الشرقية فليس أدل على تراجع هيبة مصر في نظر الكيان المحتل مما يجري في محور فيلادلفيا وقصف معبر رفح أكثر من مرة، وكذا ضعف التأثير للدور المصري في القضية الفلسطينية".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات سياسة دولية المصرية السودان السيسي مصر السيسي السودان الاحتلال القرن الأفريقي المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی القرن الإفریقی الجیش السودانی البحر الأحمر الدعم السریع الجیش المصری للجیش المصری میاه النیل فی السودان المصری فی سد النهضة جبل مویة أکثر من فی جبل

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية يلتقي نظيره النرويجي لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور بشأن التطورات الإقليمية
  • اجتماع الآسيان.. مصر وصربيا تبحثان ملفات التعاون والقضايا الإقليمية
  • البنك الإفريقي للتنمية يضخ 100 مليون يورو لإنجاز أول مصنع عملاق لبطاريات السيارات الكهربائية بالمغرب
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • الجامعة العربية وتونس تبحثان التطورات الإقليمية ودعم القضية الفلسطينية
  • بعد موجة ساخنة | الأرصاد تكشف موعد تراجع الموجة الحارة
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يكشف آخر مستجدات "كان 2027" ويحدد موعد جمعيته العامة