لجريدة عمان:
2026-07-24@22:06:01 GMT

كيف نفهم أدوارنا؟

تاريخ النشر: 16th, October 2024 GMT

لا تخلو شركة كبرى من قسم للمسؤولية الاجتماعية. مهمة هذه الأقسام -كما تعمل اليوم- هو استغلال الميزانية المخصصة لها من أجل الترويج للشركة عبر دعمها مشاريع ومؤسسات غير ربحية هنا وهناك. لكن هل هذا هو الحافز الأصلي لإيجادها؟ وهل هذا بالضرورة ما يجب أن تكون عليه الأمور؟

الواقع، أننا نعيش عصرًا غريب المنطق؛ سلّمنا فيه بأن الطبيعي والمتوقع من الأعمال التجارية أن تكون انتهازية واستغلالية وغير أخلاقية، عصر نتحدث فيه عن التقدم والتطور، دون أن نعني أنه تقدم نحو سعادة الإنسان، أو نحو مزيد من العدل والمساواة.

وأي تغيير يُمكن أن يحدث، لا بد أن يقوم به الأفراد بأنفسهم؛ لننتهي إلى وضع هزلي: نعمل فيه خلال يومنا للدفع بالرأسمالية، ونعمل في أوقات فراغنا بضآلة ضدها.

من مكافحة التغير المناخي، إلى وقف الإبادات، نُفكر أنه لو قام كل فرد بدوره، فإن هذا سينتج قوة قادرة على تصحيح الأمور. فخياراتنا اليومية هي ما تجعل النظام القائم قائما. لكننا نبذل جهدنا ولا نرى التغيير، فيصيبنا القنوط. ونُسلم بضعفنا أمام هذا الشيء العملاق الذي يُسيّر حياتنا. لا عجب أننا لا نحدث التغيير فنحن نحاول أن نجد حلولا فردية لمشاكل هيكلية. غرض هذه الفكرة (أي لوم الأفراد)، هو تحويل المسؤولية ممن يملكون السلطة والنفوذ، إلى الناس العاديين. وهذا ليس مجرد حدس أو تنظير، ثمة دلائل على العمل المقصود والمتعمد لإحداث هذا التحول في مسألة استحقاق اللّوم.

في كتابها Arguing for a Better World (الجدل نحو عالم أفضل)، تُخبرنا الفيلسوفة الكردية أريان شاهفيسي عن ظروف ظهور فكرة البصمة الكربونية (Carbon footprint) والترويج لها، وهو مقياس يسعى لحساب مساهمة الأفراد في إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة. وظفت شركة النفط البريطانية BP في عام 2000، إحدى أهم وكالات الإعلان والعلاقات العامة في العالم Ogilvy & Mather من أجل أن تدفع بهذه القضية إلى الواجهة. تقول أريان: «كانت الدعاية للمسؤولية الفردية ضربة استباقية. بحلول 2004، كان الموقع الإلكتروني لـ BP يتباهى بحاسبة البصمة الكربونية الصديقة للمستخدم، والتي تُفضي إلى هذا الوضع العبثي لأناس عاديين يقومون بقياس مدى مساهمتهم في الاحتباس الحراري، على الصفحة الرئيسية لشركة تستخرج 3.7 مليون برميل من النفط كل يوم».

للوكالة بالمناسبة أفرع في الشرق الأوسط، ومشاريع في عُمان. أُشير لهذا حتى لا نظن أن التسويق غير المسؤول حكر على دول معينة، وحتى نبقى متيقظين لمثل هذه المبادرات المسمومة عندما نراها حاضرة في منطقتنا.

تسوق أريان شاهفيسي هذا المثل لتذكّرنا بأن نصنع توازنًا بين المسؤولية التي نحمّلها أنفسنا، وتلك التي نضعها على المتنفذين حين نتعامل مع المشاكل الهيكلية أيًّا كانت (العنصرية، التلوث البيئي، وحتى إنهاء الحرب). إذ نجد أنفسنا نُفكر بأكثر أشكال الاعتراض تطرفًا (عبر الحرق، كما حصل أكثر من مرة خلال هذه الإبادة)، ونتساءل.. «طيب» ماذا لو واصلنا ذلك؟ أن نحرق أنفسنا واحدا بعد الآخر إلى أن نهز هذا العملاق الوحشي المسلط علينا، الحصين ضد المساءلة، والمتملص من كل مسؤولية.

مهم أن نتذكر محدودية ما يُمكن أن نغيّر. لأننا إذا ما حمّلنا أنفسنا أكثر من شطرنا من المسؤولية، سننتهي إلى الشعور بالضآلة وفقدان الأمل. لا يجب أن يُفهم هذا الكلام على أنه قادم من رضا بأننا فعلنا كل ما يُمكن فعله من أجل وقف الإبادة -أبدًا- سوى أضعف الإيمان في أحسن الحالات. ما أحاول قوله هو: إيانا والجزع.

عودة إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات. رد الاعتبار، ووضع المسؤولية على الأعمال التجارية لتؤدي واجبها تجاه المجتمع، ليس عبر إلقاء الفتات من ثروتها المتراكمة من استغلال القوى العاملة ومصادر الأرض، بل عبر دفعها، بل وإجبارها على تبنّي سياسات اجتماعية وأخلاقية أكثر مراعاة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

ميلوني تثير جدلا بقانون يشدد المسؤولية الجنائية للقاصرين بإيطاليا وسط اتهامات باستهداف المهاجرين

أقرت الحكومة الإيطالية، برئاسة جورجيا ميلوني، مشروع قانون جديد يشدد مساءلة القاصرين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، في خطوة أثارت انتقادات سياسية وقانونية واسعة، وسط تحذيرات من تعارضها المحتمل مع المبادئ الدستورية الناظمة لعدالة الأحداث، ومن استهدافها بصورة غير مباشرة القاصرين المنحدرين من أصول أجنبية.

ويتعلق الأمر، بمشروع قانون صادق عليه مجلس الوزراء الإيطالي، الخميس 23 يوليوز 2026، في انتظار أن يمر عبر المسطرة البرلمانية قبل أن يصبح نافذاً.

ويقضي المشروع بتعديل المادة 98 من القانون الجنائي الإيطالي، من خلال إقرار ما سمته الحكومة «قرينة نسبية» على « توفر القاصر، الذي يتجاوز عمره 14 سنة، على القدرة على الإدراك والاختيار لحظة ارتكاب الجريمة ».

وبموجب النظام المعمول به حالياً، لا تعتبر مسؤولية القاصر بين 14 و18 سنة أمراً آلياً، بل يتعين على القاضي أن يتحقق في كل قضية من درجة نضجه وقدرته الفعلية على فهم طبيعة الفعل المرتكب وعواقبه ومدى مخالفته للقانون.

أما وفق الصيغة الجديدة، فسيصبح الأصل هو افتراض توفر القاصر على القدرة على الإدراك والاختيار، ما لم تثبت عناصر الملف عكس ذلك. وبذلك تنتقل المسألة، عملياً، من إلزام القضاء بإثبات نضج القاصر إلى افتراض مسؤوليته ابتداء، مع إمكانية نفيها بناء على معطيات نفسية واجتماعية وقضائية.

وأكد وزير العدل الإيطالي، كارلو نورديو، أن الحكومة لم تخفض سن المسؤولية الجنائية، التي ستظل محددة في 14 سنة، كما أنها لم ترفع العقوبات المقررة للقاصرين، موضحاً أن التغيير الأساسي يتعلق بطريقة التحقق من قابلية القاصر للمساءلة الجنائية.

وقالت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في دفاعها عن المشروع، إن المبدأ الذي تستند إليه الحكومة هو أن «من يخطئ يجب أن يتحمل المسؤولية، حتى عندما يكون عمره 15 أو 16 سنة»، مضيفة أن من يرتكب اعتداءات أو أعمال نهب وتخريب ينبغي ألا يفلت من المحاسبة بسبب سنه.

ويأتي المشروع في سياق حزمة تشريعية أوسع تسوقها أحزاب الأغلبية تحت تسمية إجراءات مكافحة «المارانزا»، وهو تعبير متداول في إيطاليا لوصف مجموعات من الشبان، غالباً من أبناء الأحياء الهامشية أو الأسر المهاجرة، الذين يجري ربطهم في الخطاب الإعلامي والسياسي بأعمال العنف والسرقة وحمل الأسلحة البيضاء.

وكان مجلس الوزراء قد وافق، في 14 يوليوز الجاري، على مشروع أمني آخر يسمح بتوسيع إجراءات التوقيف الوقائي لتشمل القاصرين، وإقرار ما يوصف بـ«منع التجمع» في مواجهة أفراد العصابات الشبابية، إلى جانب تشديد العقوبات على أعمال التخريب الجماعي وحمل السكاكين أو الأدوات المعدة للاعتداء.

ورغم أن النصوص الجديدة لا تذكر القاصرين الأجانب صراحة، فإن منتقديها يعتبرون أن اللغة السياسية المصاحبة لها، واستعمال مصطلح «المارانزا»، يكشفان الفئة المقصودة عملياً، خصوصاً أن هذا الوصف يرتبط في النقاش العام الإيطالي بالشبان من أصول شمال إفريقية أو مهاجرة.

وتذهب منظمات حقوقية إلى أن تحويل ظواهر اجتماعية مرتبطة بالفقر والهشاشة والتهميش إلى مشكلات أمنية محضة يؤدي إلى وصم فئة كاملة من الشباب، وإلى مساواة الانتماء الاجتماعي أو الأصل الأجنبي بخطر إجرامي مفترض.

وسبق لمجلة «لافيا ليبيرا»، المتخصصة في قضايا الجريمة المنظمة والحقوق، أن اعتبرت أن القاصرين وما يسمى بـ«المارانزا» تحولوا إلى «أعداء جدد للنظام العام»، محذرة من اعتماد تدابير ظرفية تزيد من تقليص الضمانات القانونية عوض معالجة الأسباب الاجتماعية والتربوية للانحراف.

ويتركز الجدل الدستوري حول انسجام المشروع مع طبيعة النظام الجنائي الخاص بالأحداث، الذي لا يقوم فقط على العقاب، وإنما على مراعاة شخصية القاصر ودرجة نضجه وظروفه العائلية والاجتماعية وإمكانية إعادة إدماجه.

ويرى معارضون أن افتراض المسؤولية الجنائية للقاصر قد يحول الاستثناء إلى قاعدة ويضعف مبدأ التفريد القضائي، أي ضرورة تقييم كل قاصر وفق وضعه الشخصي وليس على أساس قرينة عامة مرتبطة بالسن.

كما يثير المشروع تساؤلات بشأن المادة 27 من الدستور الإيطالي، التي تجعل من إعادة التأهيل غاية أساسية للعقوبة، إلى جانب المادة الثالثة المتعلقة بالمساواة، والمادة 31 التي تلزم الجمهورية بحماية الطفولة والشباب.

ويتهم معارضون  هذا المشروع بانه «غير دستوري»  ويرون أن قلب قاعدة الإثبات قد يؤدي عملياً إلى إضعاف حماية القاصر وتحميل دفاعه عبء إثبات عدم نضجه.

ولا يمكن فصل المشروع عن النهج العام لحكومة ميلوني منذ وصولها إلى السلطة، والقائم على تشديد قوانين الهجرة واللجوء وتوسيع صلاحيات الشرطة وتسريع إجراءات الترحيل والحد من حركة سفن إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط.

وتبنت الحكومة خلال الشهور الماضية إجراءات تتيح التوقيف الوقائي للقاصرين في بعض الحالات، وتشدد العقوبات المرتبطة بأعمال الاحتجاج والتخريب، بالتوازي مع مقترحات قدمتها أحزاب الأغلبية لمنع منح الجنسية الإيطالية للقاصرين الأجانب المتورطين في جرائم خطيرة إلى حين استكمال مسار إعادة التأهيل.

وبينما تقول الحكومة إن التدابير الجديدة تستجيب لتزايد الشعور بانعدام الأمن ولضرورة حماية المواطنين، يعتبر خصومها أن السلطة التنفيذية تستثمر في وقائع إجرامية فردية لبناء سياسة قائمة على الردع والعقاب، من دون تعزيز خدمات التعليم والمواكبة النفسية والإدماج الاجتماعي في الأحياء الهامشية.

.

كلمات دلالية إيطاليا حكومة ميلوني قاصرين هجرة

مقالات مشابهة

  • ميلوني تثير جدلا بقانون يشدد المسؤولية الجنائية للقاصرين بإيطاليا وسط اتهامات باستهداف المهاجرين
  • محافظ نابلس يحمل الاحتلال ومستوطنوه المسؤولية عن مجزرة تل