يُعلَن فوز الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، رسميًا بعد عملية التنصيب المقررة في 20 يناير 2025، حيث سيؤدي اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الـ47 للولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن تقييم تجربة الانتخابات الرئاسية يوضح كيف كثّف الإعلام اهتمامه باثنين من المرشحين: الجمهوري دونالد ترامب، والديمقراطية كامالا هاريس، وتجاهل مرشحين آخرين، مثل الناشطة الطبية والبيئية جيل شتاين، والفيلسوف والناشط الاجتماعي كورنيل ويست، والسياسي الأمريكي تشيس أوليفر، وممثلة حزب الاشتراكية والتحرير كلوديا دي لا كروز، وممثل حزب الدستور الأمريكي راندال تيري.

وقد سعى هؤلاء الطامحون، المنتمون إلى تيارات سياسية متنوعة، إلى كسر الهيمنة التقليدية للحزبين الرئيسيين من خلال طرح قضايا شائكة تحظى باهتمام قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، مثل التهميش، والصحة، والتعليم، والضرائب، والإجهاض، إلى جانب الحروب الخارجية، والتغير المناخي، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

كورنيل ويست كورنيل ويست

المشهد الانتخابي في الولايات المتحدة لا تتصارع فيه الأفكار السياسية، بل يعصف فيه الأقوياء بالضعفاء، كما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عندما حاول المرشح كورنيل ويست (الفيلسوف والناشط الاجتماعي الشجاع) خوضها كمرشح مستقل تحت شعار «العدالة للجميع»، مروجًا لرؤية تخرج عن المألوف وتتحدى النظام السياسي القائم. من خلال دوره الأكاديمي، وجه ويست انتقادات للنظام الاجتماعي والاقتصادي الأمريكي، مدافعًا عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. كان يراهن على تنشيط الذاكرة السياسية لفئات عدة، كالمهمشين في الداخل الأمريكي (الفقراء والأقليات) الذين يعانون من سياسات الإقصاء الاجتماعي، وفئة الشباب الأمريكي الذي يشعر بالإحباط من النظام السياسي الحالي ويبحث عن بديل يعبر عن طموحاته.

في انتخابات 2016 و2020، دعم ويست حملة المرشح السابق بيرني ساندرز، لكنه خاض معركة 2024 بنفسه، طارحًا برنامجًا انتخابيًا يعتمد على رؤية تؤمن بأن الفقر، والعنصرية، والتفاوت الاجتماعي تمثل جروحًا عميقة في جسد المجتمع الأمريكي. يتمسك ويست بأن تكون الرعاية الصحية متاحة للجميع، بعيدًا عن هيمنة الشركات التجارية للتأمين الصحي. طالب بإصلاح النظام القضائي، وتقليص السجون الجماعية ومحاربة القوانين الجائرة التي تستهدف الأقليات. لذا، كانت حملته بمثابة دعوة لإعادة صياغة السياسات الأمريكية ورفع الأصوات التي طالما تم تجاهلها، رغم أنها تعبر عن حركات شعبية تطالب بالعدالة، والمساواة، والحرية.

شدد كورنيل ويست على أن إصلاح التعليم أولوية برنامجه، ساعيًا لتقديم تعليم مجاني أو بأسعار ميسرة يضمن فرصًا متساوية للجميع، خاصة لمن يعانون من انعدام الفرص. يرى أن التغير المناخي ليس قضية بيئية فقط، بل قضية اجتماعية واقتصادية تؤثر على الأحياء الفقيرة والأقليات. لكن، رغم وضوح رؤيته وجرأتها، كان الطريق أمام ويست مسدودًا بهيمنة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على المشهد السياسي الأمريكي بشكل كبير، فضلًا عن تحديات جمع التمويل الكافي لحملته الانتخابية والوصول إلى بطاقات الاقتراع في الولايات المختلفة، بالإضافة إلى الاستقطاب الشديد الذي يعاني منه الناخب الأمريكي اليوم، حيث أصبح الولاء الحزبي أداة للتفرقة بدلًا من التوحيد.لكن الأصوات النسبية التي اقتطعها ويست من الكتلة التصويتية للحزب الديمقراطي اصطدمت بثوابت المشهد السياسي الأمريكي، الذي لا يسمح بصوت ثالث.

جيل شتاين جيل شتاين

في المقابل، تعد المرشحة الخاسرة في الانتخابات الرئاسية جيل شتاين، ممثلة حزب الخضر (Green Party)، شخصية سياسية تطرح أفكارًا تتسم بالجرأة. حاولت التصدي للدعم المطلق الذي يمنحه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، للحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو. وفي أبريل الماضي، ألقي القبض على جيل شتاين خلال مظاهرات احتجاجية في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، خلال مطالبتها بوقف العدوان على قطاع غزة.

اصطدمت جيل شتاين بالنظام الانتخابي الأمريكي المعقد، الذي يعصف بآمال المرشحين الأضعف حزبيًّا وماليًّا في الوصول إلى البيت الأبيض، رغم أنها تدرجت في مسار مهني من الطب إلى السياسة من باب الأنشطة البيئية والاجتماعية، تعبيرًا عن قناعتها العميقة بأن التغير المناخي، والعدالة الاجتماعية، وإصلاح الاقتصاد هي التحديات الكبرى التي تواجه الولايات المتحدة والعالم. أكدت عبر حملتها الانتخابية أن الحلول الجذرية هي الطريق الوحيد للتعامل مع التحديات التي تواجه أمريكا، لكنها لم تتمكن من تجاوز حواجز النظام الثنائي (الديمقراطي، الجمهوري) الذي يقيد الديمقراطية الأمريكية.

يتعامل الخصوم السياسيون لجيل شتاين معها باعتبارها مجرد «مرشحة مزعجة تسرق أصواتًا انتخابية من الكتلة التصويتية للحزب الديمقراطي»، بينما كانت تدافع عن العدالة الاقتصادية، حقوق الإنسان، البيئة، وأفكار أخرى. ومع ذلك، كانت ضحية الصورة العامة للأحزاب الصغيرة في أمريكا، التي تبقى محصورة في زاوية ضيقة، لافتقارها للتمويل الكافي والدعم الإعلامي الذي كان في صالح مرشحي الحزبين الرئيسيين. لم يتجاوز حجم تأييدها حاجز الـ0.5% (660، 176) لكنها تظل رمزًا للمثابرة في ملفات عدة.

تشيس أوليفر تشيس أوليفر

كان المرشح الرئاسي الخاسر في الانتخابات الأمريكية، تشيس أوليفر، يقدم نفسه كصوت استثنائي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وأنه بأفكاره الليبرالية سيكون البديل للسياسات التقليدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري، داعيًا إلى تقليص دور الدولة وتوسيع نطاق الحرية الفردية، حلم كل من يبحثون عن تغيير جذري في السياسة الأمريكية. لكن حلمه وحلم أنصاره اقتصر على الشعارات التي حملها برنامجه الانتخابي، ولم تتحول إلى واقع، بعد حصوله على 588، 170 صوتًا (تعادل 0.4% ).

نشأ أوليفر بعيدًا عن الأضواء السياسية، حيث عمل في مطاعم لمدة 10 سنوات، وتغيرت حياته عقب حصوله على شهادة في العلوم السياسية من جامعة جورجيا، لينطلق بعدها في عالم السياسة. تعتمد رؤيته للسياسة الخارجية على رفض التدخل العسكري الأمريكي في النزاعات الدولية، ويرى أن على الولايات المتحدة التركيز على قضاياها الداخلية بدلًا من أن تُرهق بحروب لا نهاية لها. كما يعترض على البرامج الحكومية المترهلة التي تزيد العجز الوطني وتدمر الاقتصاد.يطرح أوليفر نفسه كمدافع عن تقليص الإنفاق الحكومي في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، وضرورة خفض الضرائب لتحفيز الاقتصاد وتحقيق الرخاء الأمريكي من وجهة نظره.

يبلغ الشطط بتشيس أوليفر في مجال الحريات الفردية، وهي الحقوق الأساسية التي تتيح للأفراد العيش باستقلالية وتحقيق ذواتهم دون تدخل تعسفي من الدولة أو المجتمع. تشمل هذه الحريات حرية التعبير، وحرية الدين والمعتقد، وحق الخصوصية، والتنقل، والتجمع السلمي، واختيار العمل، والمشاركة السياسية، حيث يرى أن مهمة الحكومة يجب أن تقتصر على حماية الحريات الأساسية، منتقدًا سياسات التضييق على الأفراد ومحاولات فرض نمط حياة موحد.ورغم أن أوليفر، من واقع برنامجه، حاول الرهان على فئة الشباب، وفئات أخرى ممن يؤمنون بالحرية المطلقة، إلا أن مهمته كانت مستحيلة.

كلوديا دي لا كروز كلوديا دي لا كروز

لا تقتصر الأسماء الطامحة للوصول إلى عرش البيت الأبيض على المرشحين البارزين فحسب، بل تشمل أيضًا مرشحي الأحزاب الصغيرة. كلوديا دي لا كروز، ممثلة حزب الاشتراكية والتحرير، قدمت برنامجًا انتخابيًا يهدف إلى إحداث تغيير جذري في النظامين الاقتصادي والسياسي الأمريكيين. تقدم الاشتراكية كحل أساسي لمعالجة التفاوت الاقتصادي، والحروب، والصراعات الدولية. تعارض التدخلات العسكرية الأمريكية، وتسعى حملتها إلى التخلص مما تسميه «الديمقراطية من أجل الأغنياء» التي تهيمن على الحياة السياسية في الولايات المتحدة. تدعو إلى إنهاء السياسات التي تدعم الشركات الكبرى والمؤسسات المالية على حساب حقوق الطبقات العاملة. ترى أن النظام الرأسمالي هو السبب وراء العديد من الأزمات، مثل الفقر، وعدم المساواة، وتغير المناخ.

في برنامجها الانتخابي، تستشهد دي لا كروز بعدد من الشخصيات التاريخية مثل يوجين ديبس وفريد هامبتون لتعزيز رؤيتها حول التغيير الاجتماعي الذي لا يتحقق إلا من خلال التنظيم الجماعي والالتزام طويل الأمد بالأفكار الاشتراكية. تؤمن بتوفير خدمات صحية وتعليمية مجانية، وتوفير فرص عمل تضمن حياة كريمة للجميع، والتصدي للسياسات الظالمة للسجون، وحماية حقوق الأقليات، والتعامل بجدية مع أزمة المناخ كقضية اجتماعية واقتصادية تؤثر على الطبقات الفقيرة بشكل خاص. تراهن على جذب شرائح واسعة من الشباب والعمال الذين يشعرون بالإحباط من النظام ثنائي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتدعوهم إلى تحدي النظام الرأسمالي القائم واستبداله بنظام يحقق العدالة الاجتماعية.

راندال تيري راندال تيري

من بين الطامحين للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، يأتي الناشط المناهض للإجهاض، راندال تيري، ممثل حزب الدستور الأمريكي. وقد طرح قضايا شائكة ضمن برنامجه الانتخابي، حيث تتصدر قضايا الدفاع عن الحياة (مناهضة الإجهاض) قائمة أجندته الانتخابية. يعارض بشدة ما يصفه بـ«قتل الأطفال»، مطالبًا بالدعم الشعبي لموقفه. تميزت حملة تيري بعرض إعلانات صادمة تحتوي على صور مروعة لعمليات الإجهاض، كجزء من استراتيجياته الإعلامية. كان خطابه موجهًا إلى الناخبين المحافظين، وخاصة المتدينين، معتبرًا أن من دعم منهم السياسات الليبرالية والرئيس جو بايدن يجب أن «يتوب» ويعود إلى الله، لكنه فشل في ظل التحديات التي يواجهها المرشحون المستقلون، لاسيما الهيمنة الإعلامية والمالية للحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً«الناتو» يهنئ ترامب بفوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024

هاريس تدعو مؤيديها لقبول نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية

بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024.. أول تعليق من روسيا على تصريحات «ترامب» الأخيرة

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية الأمريكية كاملا هاريس فی الانتخابات الرئاسیة الولایات المتحدة السیاسی الأمریکی کورنیل ویست فی الولایات

إقرأ أيضاً:

العراق: الأوهام والسياق السياسي!

في أيلول/ سبتمبر 2004 زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي واشنطن، وألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي، شكرهم فيها «بالنيابة عن الشعب العراقي» على احتلالهم العراق، ثم ختم كلمته بالقول: «لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين تجاه الأمريكيين»! وفي تموز 2006، زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي واشنطن أيضا، وألقى كلمته أمام جلسة مشتركة بين مجلسي الشيوخ والنواب، عبر فيها عن شكره وامتنانه لجهود الإدارة الأمريكية في العراق، قال فيها «إن مصير بلادنا وبلادكم مترابط»!

وبعيدا عن خطابات الشكر والامتنان، كانت الأخبار تتوالى عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم تُوقع بين العراق وشركات أمريكية، بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 2008 التي نصت على علاقة «صداقة وتعاون طويلة الأمد» بين البلدين، وكانت الفقرة المتعلقة بـ «التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة» هي الفقرة الأطول في الاتفاقية، وتحدثت عن «تسهيل انسياب الاستثمار المباشر إلى العراق»!

وفي نيسان 2015 زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واشنطن والتقى مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في مختلف القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والنفطية والتقنية، كما قال بيان صادر عن مكتبه يومها، وأبدى لهم رغبة العراق «بدخول الشركات العالمية للاستثمار في البلد»! وكان من بين رؤساء الشركات الذين التقاهم العبادي حينها، رئيسا شركتي أوكسدنتال بتروليوم واكسون موبيل الذين عبروا للعبادي عن «رغبتهم في الاستمرار في العمل في العراق». لكن الشركة الأولى انسحبت من العراق في العام نفسه وتخلت عن حصتها في حقل الزبير النفطي، فيما أتمت الشركة الثانية انسحابها الكامل من حقل غرب القرنة عام 2024!

في نيسان 2024، زار رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واشنطن، والتقى عددا من رؤساء وممثلي الشركات الأمريكية الكبرى في غرفة التجارة الأمريكية، ووقع خلالها 18 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والنفط والدواء والاقتصاد، وفقا لبيان المكتب الإعلامي للسوداني.

كما حضر السوداني في شباط 2026 ، وبحضور المبعوث الأمريكي توم براك، مراسيم توقيع اتفاق مبادئ أولية مع شركة شيفرون الأمريكية بشأن حقلي غرب القرنة/ 2 وحقل الناصرية وحقل بلد في صلاح الدين!

بعد هذا يطرحُ السؤال؛ لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع على الأرض؟
فمنذ 2004 والعراق يوقع دوريا على اتفاقات وعقود مثلا مع شركة جنرال أليكتريك الأمريكية بشكل رئيسي، ومع شركة سيمنز الألمانية أحيانا أخرى، لكن قطاع الكهرباء في العراق يعاني من مشكلات عميقة على مستوى الإنتاج والتجهيز!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية
ورغم توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية كبرى، كانت هذه الشركات تنسحب الواحدة تلو الأخرى من العراق (انسحبت شركات واكسون موبيل وأوكسدنتال بتروليوم الأمريكية كما انسحبت شركات شيل وبريتش بتروليوم ولوك اويل، وأخيرا أعلنت شركتا، بعد توقيع اتفاقيات الزيدي مباشرة، HKN Energy و Gulf Keystone العاملتان في إقليم كردستان وقف جميع عملياتهما في العراق بسبب الوضع الأمني)!

لا يمكن التعاطي مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدى في زيارته الأخيرة لواشنطن بجدية دون، تقديم إجابة على السؤال أعلاه. خاصة أن الغالبية العظمى من مذكرات التفاهم هذه مجرد إعلان نوايا، بحاجة إلى كثير من الدراسة والعمل قبل أن تتحول إلى واقع حقيقي.

وأذكر في هذا السياق، الحديث المتفائل عن مد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية، أو عن إحياء خط كركوك بانياس القديم، وهو تفاؤل ساذج سذاجة ما طرحه توم براك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، حين تحدث عن «برنامج إقليمي» العراق طرف فيه، «يجعل مضيق هرمز أمرا ثانويا وغير ذي أهمية» خلال عامين، وكأن المسألة مجرد مسألة «فنية» بحت!

لا يمكن بهذه البساطة القفز على تاريخ طويل من الصراع بين العراق وسوريا، كان سببا في إيقاف العمل بخط كركوك بانياس عام 1982 في سياق الحرب العراقية الإيرانية! وهو ما أجبر العراق على بناء خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع عبر المملكة العربية السعودية في العام 1986، وهذا الخط تمت مصادرته، واستخدام الأنابيب المارة في الجانب السعودي ليربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع! كما لا يمكن القفز على حقيقة الخلافات العراقية التركية حول خط الأنابيب الرابط بين كركوك وميناء جيهان، وهو ما منع تصدير النفط عبره في السنوات الأخيرة!

أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وبالتالي من السذاجة التوهم بأن مجرد توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن، يعني أن الخطة قابلة للتحقق! فلن تسمح إيران، ما دامت لم تخسر حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت محافظة على تغولها السياسي في العراق عبر الفاعلين السياسيين الشيعة الموالين لها، بأي تحرك بهذا الاتجاه، تماما كما وقفت ضد فكرة طريق التنمية وأجهضته! هذا فضلا عن موقف الفاعلين السياسيين الجماعي ضد التغيير في سوريا، فهم لا يزالون يعتقدون أن هذا التغيير يشكِل خطرا وجوديا يمكنه أن يقوِض احتكارهم للدولة العراقية، ولا يمكن أن يتغير موقفهم هذا باتجاه مزيد من الترابط مع سوريا!

لا يمكن التعويل على أية اتفاقيات أو مذكرات تفاهم توقع في واشنطن أو في بغداد، مادام العراق لم يحسم خياراته كدولة، ومادام الفاعل السياسي الشيعي مصرّ على عدم فك الارتباط مع إيران، بسبب شعوره أنها تشكل الضامن الوحيد لاحتكاره الدولة والسلطة في العراق، ومادامت الولايات المتحدة نفسها لا تزال إلى اليوم، تمارس لعبتها المزدوجة (بين خطاب رافض لأي دور إيراني في العراق وبين ممارسة براغماتية تتعامل معها كشريك في العراق)

فإيران غير مستعدة للتخلي عن غنيمتها / العراق، والأمريكان غير جادين في حسم موقفهم من العراق، والطبقة السياسية العراقية لا تملك الإرادة لتجاوز دور التابع، ما دامت ضمنت استمرارها في السلطة، وبالتالي استمرار استثماراتها في المال العام، لأجل ذلك كلّه ليس ثمة مؤشر على أن العراق سيخرج من حلقة الفشل هذه قريبا!

القدس العربي

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • فرقة الشرقية للفنون الشعبية تشارك في الدورة الـ 40 من مهرجان جرش بالأردن
  • فرقة الشرقية للفنون الشعبية تشارك في مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الـ 40
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • العراق: الأوهام والسياق السياسي!
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • ترامب يطالب بإقرار قانون الانتخابات أنقذوا أمريكا قبل عطلة الكونجرس الصيفية
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • 27 حزبا فقط يتنافسون في انتخابات 23 شتنبر مقابل 31 في انتخابات 2021