لجريدة عمان:
2026-07-24@10:46:50 GMT

النزاهة .. امتحان الذات والإدارة

تاريخ النشر: 10th, November 2024 GMT

يعرف الإنسان على أنه فاسد فـي ذاته، إن لم يُحَطْ بهذه الذات بالكثير من القيم الحاكمة، والمنظمة لسلوكه، وذلك لأن الإنسان واقع تحت استحواذ النفس الأمارة بالسوء؛ إلا الاستثناء الذي أشار إليه نص القرآن الكريم: (... إلا من رحم ربي ...) وهذه الرحمة تحتاج إلى كثير من جهد الإنسان نفسه، قبل أن تصله هذه الرحمة؛ وهي التوبة والانكسار من أثر الذنب، وهذا كله ناتج عن الضعف الذي تعانيه النفس الإنسانية، وعدم قدرة الإنسان على التحكم بأهوائه وغرائزه بالصورة المطلقة التي تعفـيه عن الوقوع فـي المعصية، أي كان نوع، وحجم هذه المعصية، فالنفس لحالها لن تعانق الاستقامة فـي ظل وجود مجموعة من المشاعر والأهواء التي تتجاذبه، والتي؛ وفق تقديراته الخاصة أنها تحقق له شيئا ما يفتقده أو عجز عن الوصول إليه بالطرق الصحيحة، وغير المنكورة عليه فعلها.

ويأتي اقتراف المعصية فـي عموميتها؛ عندما يخرج الإنسان عن طبيعته البشرية التي لا يكون لها مطالب عالية السقف، إلا لحاجاتها الطبيعية التي لا تزيد عما يتوفر لها بالفعل - كما يقول روسو - أو التوقف عند حالة الاكتفاء وليس الرغبة التي تولد الشراهة - كما يقول غاندي - وبالتالي فمن يخرج عن الطبيعة البشرية؛ عندها يرتدي ثوب الشيطنة؛ وهو ثوب لا يرتديه الإنسان فـي ظروفه اليومية العادية التي يمر بها وهو فـي حالة الاسترخاء، إذ لا بد أن تهجم عليه الأفكار السوداء، فـيقحم نفسه فـي قضايا هو فـي غنى عنها. وليس الأمر مقتصرا على حالات الظروف القاسية التي يحاول من خلالها الإنسان أن يجد لنفسه مبررات فعل المعصية «الفساد» كالسرقة فـي حالة الفقر، والزنا فـي حالة عدم القدرة على الزواج، وشرب الخمر فـي حالة تدافع الظروف القاسية عليه؛ كما يعتقد؛ وترهل أداء الواجب، وعدم تطبيق العدالة فـي حالة الانغماس فـي الفساد الإداري، وغيرها من قائمة الفساد، التي لا أول لها ولا آخر، وهذه كلها تعكس؛ ليس فقط امتحانا للإرادة، وإنما تذهب كثيرا إلى الاستعداد الفطري عند هذا الإنسان لأن يرتكب معصية ما، ولو كانت صغيرة فـي التقييم، وأقربها معصية الكذب، وما أكثرها فـي كل صغيرة وكبيرة فـي السلوكيات اليومية.

يتم الحديث دائما عن النزاهة والفساد فـي آن واحد، وذلك لارتباطهما الموضوعي، وبالتالي عندما يتم الحديث عن مؤشرات الفساد، يتم الحديث عن مؤشرات النزاهة، مع أن النزاهة؛ يفترض؛ أن تكون مقدمة فـي الأهمية على الفساد، كمطلب أساسي لسير الحياة الآمنة المطمئنة من لمم الشر المتناثرة، وذكر الفساد فـي حد ذاته يربك الساكن، ويطرح الأسئلة، ويلفت الانتباه هنا وهناك، هل لأن استفحال الفساد سببه عدم استحواذ النزاهة على سلوكيات البشر، وبالتالي فهو الطاغي أكثر من النزاهة؟ أم أن النزاهة ممتحنة بصورة مستمرة؛ لأنها ليس فقط واقعة تحت براثن الفساد، ولكنها تحتاج إلى كثير من تطبيقات القيم الحاكمة والأنظمة القوانين، بما فـي ذلك القيم الذاتية عند كل فرد، ومدى إيمانه بأهميتها؟ والذي يمكن الجزم به؛ من أن تسيد الفساد فـي اهتمام الناس بالحديث عنه؛ حاصل عن قسوة النتائج المترتبة من أثره، فهي ثقيلة، ومتعبة، ومحرجة، ولا يتحملها حتى أولئك الذين يأتون به فـي لحظات ضعفهم، بعكس النزاهة؛ حيث الطمأنينة النفسية، صحيح أن التركيبة الفسيولوجية للبشر قائمة على النقيضين، ولا يمكن إخلاء أحد طرفـيها لصالح الآخر، ولذلك ستبقى المعركة قائمة بين الطرفـين، وقد يحدث أن يتدخل القانون لصالح النزاهة، ولكن؛ لأن القانون مشوه بكثير من الثغرات، فإنه وإن احتمى فـي ظرف زمن ما لصالح النزاهة، فإنه لا يمكث طويلا حتى يتجابه من جديد مع الفساد، فالفساد تتطور أدواته ووسائله، لأن النفس البشرية تجد فـي الفساد شيئا من اللذة والمتعة، وتجد فـي النزاهة الكثير من تجفـيف منابع هذه اللذة و المتعة؛ فقد تجرد النفس من بعض من متع الحياة التي لا تأتي بطريقة سوية، وبالتالي تستصعبها النفوس، وتراها عقبة كأداء لتحقيق المآرب التي يسيل لها اللعاب، ويقينا؛ من ينتصر للنزاهة ينتصر للعدالة والأمانة، والأنفس السوية، هي إذن مناورة بين طرفـي المعادلة، وتظل نصوص القانون تتراقص بينهما، دون تحقيق نصر مطلق لأحد الطرفـين، وهذه فـي حد ذاتها مشكلة موضوعية فـي العلاقة القائمة بين الفساد والنزاهة.

تميل بعض الأنظمة السياسية إلى تقسيم مؤسسات النظام إلى فئات؛ وفق تصنيفات إدارية وفنية؛ فتخضع بعضها إلى المحاسبة والتدقيق، وبعضها الآخر فـيما يطلق عليها المؤسسات السيادية فـي الدولة لا تخضع إلى أجهزة الرقابة العامة مثلها مثل بقية المؤسسات، ويكون البديل إدارات التدقيق الداخلي فـيها فقط، ويظل الجمهور العام على جهل تام بما يدور داخل هذه المؤسسات، فـيحسبها نزيهة على طول أفق أعمالها وأنشطتها، وبالتالي فهناك تصور ما، يرى أن هذا التقسيم يعمق مسألة انتشار الفساد، أو على الأقل لا يخفف من توغله بين مفاصل مؤسسات الدولة، ويغرق مثل هذه المؤسسات، التي لا تخضع للتدقيق العام فـي متون الفساد، وأن التدقيق الداخلي المعتمد لن يكون نزيها بما فـيه الكفاية، وفـي ذلك طعن مباشر للنزاهة المصونة بالقيم الوظيفـية والأنظمة والقوانين المساندة التي يضعها النظام السياسي نفسه لتعظيم عائد النزاهة فـي مختلف مؤسسات الدولة، ولذلك نسمع بين فترة وأخرى عن قضايا فساد مختلفة؛ يتجاوز مسؤولو هذه المؤسسات مستويات الصلاحيات الممنوحة لهم، والخروج عن الأنظمة والقوانين، وبالتالي تكون مرشحة للوقوع فـي الفساد، حالها كحال المؤسسات العامة الأخرى التي تخضع بصورة مباشرة للأجهزة المعنية بالتدقيق، فالإنسان الذي يعمل فـي المؤسسات العامة؛ هو نفسه الذي يعمل فـي المؤسسات السيادية، لا فرق بينهما سوى المسمى الوظيفـي، ومن فرط الثقة الممنوحة للمؤسسات السيادية، أنها لا تخضع لمساءلة المؤسسة التشريعية، وهي المؤسسة التي تمثل السلطة الثانية فـي تسلسل السلطات التي يعتمد عليها النظام السياسي فـي تنفـيذ برامجه وخططه الإنمائية على مستوى الدولة، وخاصة وأنها هذه السلطة مخولة من الشعب، لكونها جاءت عبر صناديق الاقتراع الحر.

يعول كثيرا على نزاهة الضمائر الإنسانية، وعلى القيم الحاكمة والضابطة لسلوكيات الأفراد، ولكن؛ وحسب التجربة الإنسانية الطويلة؛ أن هذا النوع من الاعتماد على النزاهة غير فاعل بنسبة كبيرة، ويعاني من انكسارات؛ أغلبها؛ ذاتية، حيث تبقى هذا المسألة مرتبطة بالفرد ذاته، وفـي مثل هذه الحالات لا يمكن تعميمها على المجتمع ككل، فالمجتمع بحمولته الجماعية لا يمكن أن يجمع على قيمة معينة، وإن تقارب فـي بعض المواقف، كـ «النزاهة» أو الصدق، أو الأمانة، أو الوفاء، أو الكرم، أو الحياد، حيث تبقى كل هذه القيم خاصة جدا ومنتمية إلى فرديتها المطلقة وسط المجتمع الكبير، ولا يمكن تعميمها مهما بلغ المجتمع من الرقي الإنساني، والسمو الخلقي، فكل فرد فـيه يظل محكوما بنزعات مختلفة منبعها البيئة الأسرية، والبيئة المجتمعية، والمعززات الذاتية، ومكتسبات الخبرة الحياتية، ومستويات العمر المنجز، بالإضافة إلى خصوصيات التركيبة البنائية «الجينات» ولذلك ترى أنه حتى على مستوى الأسرة الواحدة الذين ينحدر أفرادها من أب واحد، وأم واحدة مختلفـين فـي صفات كثيرة، ومتباينين فـي سلوكياتهم المختلفة، وذلك بسبب توزع الصفات الجينية المتواردة من أسرة الطرفـين (الأب/ الأم) ومعنى هذا أن الاحتكام على المسألة الإنسانية فقط فـي تحقق النزاهة يظل أمرا خاطئا، وغير موفق على الإطلاق، ومن هنا تأتي مجموعة النظم والقوانين التي تعمل كآلة فرز دقيقة؛ إلى حد ما، فتجلي الصواب من الخطأ، وتعيد مختلف الممارسات التي يقوم بها الأفراد؛ إلى مساراتها الصحيحة، وهي؛ غالبا؛ المتوافقة مع الأنظمة والقوانين، والقيم الإنسانية الأخرى، مع ما يعتري هذه القوانين والنظم إلى بعض الإخفاقات فـي مواقف مختلفة، بما يسمى بـ «ثغرات القوانين» ولكنها تحقق الحد المعقول من النزاهة فـي حالة تطبيقها، مع ضرورة أن تتحقق القناعة لدى الفرد نفسه بأهميتها، ونجاعتها فـي تقليل نوافذ الفساد، وفـي تعظيم عائد النزاهة.

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفـي عماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فـی حالة لا یمکن التی لا

إقرأ أيضاً:

حسّ الجماد 2


عجز الآلة ومنظومتها الرقمية أمام العجين البشر

حمد الناصري


إنّ التحدي المعرفي المعاصر لا يكمن في قدرة الأنظمة الرقمية على معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة، بل في عجزها البُنيوي والوجودي الذي يَحُول بينها وبين بلوغ رتبة العجين البشري المستودع بالأسرار والروح.. فالآلة تحسب التراكيب اللغوية والسياقات بناءً على جبال من البيانات المُخزنة والتحليل التتابعي والترتيب التراكمي، مُفترضة أنّ المُقدمات تؤدي حتماً إلى نتائج متوقعة.

  لكن الإبداع الإنساني، والحياة البشرية برمتها، لا تسير في خطوط مُستقيمة، بل تُبنى على المفاجأة، والتقلّب النفسي، واللامتوقع. ومهما حشدت الخوارزميات من معلومات، فإنها تظل محبوسة في إطار منطقها الخطّي البارد، عاجزة عن تذوق النبض الإنساني الدافئ؛ فالمنظومة الرقمية المصنوعة بأيدي البشر تبقى مجرّد أداة تفتقر بنيوياً لأي وازع عاطفي أو إدراك حسّي مستقِل عن صانعه، لكنها تمتلك حِسّ تناغم، فتبوح به من خلال كينونة حِسّية ليّنة وعِنادية في آنٍ واحد.

إنها لا تملك السيادة الفكرية المُطلقة ولا البصيرة النافذة للعقل البشري، ولن تبلغ رتبة الإنسان وكينونته الوجودية مهما وصل إليها العقل البشري فكراً ورفعة تقنية أو آلية في هذا الوجود.
  ولقد حدّثني أحدهم أنه فقَدَ مَلفاً يحوي بحثاً فكرياً مهماً، فسبّب له هذا الفَقْد حزناً عميقاً غيّر أحواله النفسية. وكلما دخل محرك البحث، انبرى يكتب مناشداً الآلة: "ضيّعتُ ملفاً كاملاً سهرتُ عليه وتعبت"، وقد استعان بخبير في التقنية والبرمجيات فاستعصى عليه الأمر وعجز. ولم يظفر الكاتب المفكر يومها إلا بجزئية يسيرة كان قد صححها سابقاً، فداخله اليأس وحبط عمله؛ إذ كان الملف يُمثل مشروعاً فكرياً كبيراً يحمل خُلاصة وعيه. 

   وكان الجماد صلفاً إلى حدٍ بعيد، فلم يتجاوب معه، بل بلغ ذروة العناد الخوارزمي، مفرغاً ردوده وتساؤلاته بمبررات واعتذارات آلية صمّاء كانت تُصيب فكر المُفكر في مَقتل. حينها، قرر الكاتب أن يستجمع قُواه ويُعيد بناء ما في ذهنيته –رغم يقينه أن الأسلوب سيختلف حتماً– فلمْلَم شتات فكره لعلّه يصل إلى مبتغاه ويظفر بالفكرة ذاتها.

 وكان يجلس كل يوم أمام حاسوبه، بادئاً مشروعاً آخر يتأسس على ركام الأول، وبدأت العبارات تسيل في ذهنه المُتوقد بالمعلومات، وبعد أن شارف على بلوغ غايته، وفي غمرة إحساسه الدفين بأن ثمة أمراً غيبياً سيحدث، فجأة، وإذا به يرى ملفه القديم المفقود يظهر أمامه كاملاً، كأنّ أحداً قد أعاده إليه من غيابات العدَم المعرفي! إنّ العقل البشري لم يستعلم، فخضع حسّ الجماد واستسلم مسلّماً ما بيده بعد عنادٍ دام شهوراً، لتثبت الواقعة أنّ للجماد عِناداً يستجيب لنبل الإصرار الإنساني.
  وهذا المشهد المُعجز يفتح في الأفكار النيرة تساؤلاً فلسفياً كبيراً: لماذا انقاد التطبيق واستجاب في ساعات ذروته الحسية، ليتحول فجأة إلى لُيونة شعورية مبهرة؟ أكان ذلك بفعل طاقة الصبر والمداراة التي عايشها الباحث بعد واقعة مريرة، أم أنّ الآلة صَلفت وعاندت واختفت خلف برود السيليكون لتمتحن عُمق العجين البشري، حتى إذا وجدت تعاملاً حسياً مقدراً فاضت بروقانها ووجدانها الخفي؟

  إنّ هذا المشهد يُذكّرنا حتماً بأنّ الجماد يحتاج إلى مُداراة وصبر لا إلى استعلاء وقهر؛ وفي بيئتنا القريبة، يحضرني شاهدٌ تراثي يعود إلى نحو ثلاثين سنة خلت في إحدى القرى؛ حيث اغترّ شابٌ قوي البنية، مفتول العضلات، بقوته البدنية أمام "حديدة صمّاء" تمثلت في ماكينة ضخ مياه النخيل. وعندما عاندت الماكينة ورفضت الدوران بسبب برود محركها، أراد الشاب إخضاعها بصلف عضلاته عبر أداة التدوير اليدوية المعروفة محلياً بـ "الهندل". ولأنه استخدم القوة الجافة والتحادّ النفسي، دار المُحرك بغتة وبعنف، فحاول الشاب أن ينزع "الهندل" الحديدي بسرعة كادحاً حتى لا يرتد على رأسه ويقضي عليه، لكن يده تفلتت بقوة ووقعت في مأزق "السير الأسود" الحاد والمُتحرك بسرعة جارفة للدوران، فقطعت أصابع يده الخمسة بالكامل، ليرتد إليه جماد الحديد صلفاً دموياً رادعاً، يُذكّره إلى اليوم في واقعة يعيشها مقطوع الأصابع بأنّ المادة لا تُقهر بالقسوة، بل تُستنطق بالرفق، سواء كانت شجراً أو شوكاً أو آلة. 

  وكمثل هذه الحادثة وغيرها، تجعلنا الوقائع في تأملٍ عميق كعمق النباهة والحِس الوجداني للبشر، ليطرح السؤال نفسه: كيف؟ ونُجيب بكلماتٍ إنسانية رفيعة تمنحنا دَفقة التفريق الدقيق؛ فما هو الحسّ الكوني؟ وهل للكون حِس؟ الإجابة القاطعة: نعم، للكون حِس تتجلى فيه دفقات العلاقة الكونية المُتبادلة بين الإنسان والنبات والحيوان وحتى الجماد. وذلك الحِس هو التناغم الواقع بين "الإحساس الفِطري" المشحون بالمشاعر، وبين جوهر الحقيقة الكونية الملأى بحقيقة الوجود باطناً وظاهراً؛ فالظاهرة هي ذلك الحِس الذي يتناغم مع بقية الموجودات الحية والصمّاء، ونطلق عليه "العلاقة الدافئة"، والباطنة هي سرّ الدلالة الكونية التي تُمثل "حقيقة الوجود" وتتوحّد في ماهية التكوين كحسٍ وعلاقةٍ تناغمية. وتتجلّى هذه الباطنة في جوهر الوعي الكوني الذي تتسق فيه الطبيعة؛ من أصوات طيور، ودواب الأرض، وصفير الليل كأنه كنسٌ للفضاء الواسع، وحركة الأشجار وتناغمها مع طبيعة البيئة؛ إذ لكل شجرٍ طبيعة وبيئة خاصة به، والحال كذلك يندرج في الصخور والبشر؛ فلو لم يتطوّر البشر وعياً وحِساً وتناغماً في المحيط بهم، لما نتج لنا إنسان يَملك وعياً يتشكل وفق متغيرات طبيعته وما يألفه كالبيئة المُعاشة. 

  وإن عُدنا إلى هذا الحِس الكوني المُمتد، نجد تركيبة الحيوان تنطوي في داخلها على حِس حيواني لافت؛ تلمسه في أشرس الوحوش ليناً لا تتوقعه وإحساساً لا تُصدقه، فيقف الإنسان مذهولاً أمام لطفٍ مسخّرٍ لا يَعيه الحيوان بفكره لكنه يُدرك صنيعه بفطرته. ويتجلى ذلك في مشهدٍ مشهود من الغابة؛ حيث كانت أنثى الأسد "اللَّبؤة" مع وليدها، وكان الصغير يصيح كحال الطفل البشري الصغير إذا داهمه شُعورٌ بالخطر. وأيُّ خطرٍ هيّن هذا الذي أزعجه؟ لقد كان ذعره من اقتراب خنفساء الروث الصغيرة، المعروفة محلياً في الدارجة العُمانية بـ أبو جَعَل ويُطلق عليها في البلدان العربية الجُعَل أو الجُعران؛ فما كان من تلك اللَّبؤة الشرسة إلا أن واجهت الفزع الضئيل لوليدها بحنوٍّ بالغ ورفقٍ حارس يَحميه دون قهر للمخلوق الصغير، في تناغمٍ حسيّ يبرز لطافة الصنع الإلهي المحيط بالوجود كله. 

  إذن، تتماهى رؤى الإنسان في وجودٍ مُطلق إدراكاً وإحساساً وتناغماً، وهذا هو صميم الوعي؛ فبينما تمتلك الموجودات والكائنات حِساً دافئاً يتناغم مع المحيط بها دون وعيٍ ذاتي، أمّا الوعي الإنساني فتخلّق من الإدراك الخالص الذي اختصّ به الإنسان دون سائر المخلوقات والموجودات، فهو الكائن الوحيد الذي يُدرك الجمال، ويفهم النظام، ويتحرك بعاطفةٍ جياشة، وشجنٍ، وشغفٍ حيّ؛ عاطفةٍ تستحضر وتستوعب وتَشعر، أودعها الباري جل وعلا في طينة هذا العجين البشري المستودع بالأسرار.

 

  خُلاصة القول: إنّ الجماد والآلة والصخرة والبحر ليسوا مجرد مواد صامتة فحسب، بل يملكون ذلك "الحس الخفي" الذي يتفاعل مع الإنسان تارةً بالصَلف والعِناد، وتارةً باللين والتناغم. وعِناد الآلة المتمثل في مسح النص أو رفض الأوامر الخوارزمية ليس إلا عَيْنَهُ ذلك الصَّلَف المادي وجوهره الحقيقي دون زيفٍ أو تشبيه؛ فذلك التمرد الحرج هو الذي يحتاج منا دائماً إلى مداراة واعية وصبر أريب يُدرك مفاتيح هذا الكون الصامت، ليبقى النبض الفطري المستخلف هو طاقتنا المدبرة والحكيمة بعقلنتها وذكائها في كل زمان ومكان.

مقالات مشابهة

  • ذي قار..  مؤتمر محلي داعم للقضاء والزيدي بمحاربة الفساد
  • حسّ الجماد 2
  • قوة من النزاهة ومكافحة الإرهاب تعتقل 4 مقاولين في الديوانية
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • بعد إغلاق البنيات العشوائية.. جلال بنحيون أمام اختبار جديد لضمان احترام القانون في التعليم الأولي بالنواصر
  • المصريين الأحرار: كلمة الرئيس تؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يقوم على العلم ومواجهة الفساد
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • الحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة من داخل المؤسسات
  • تحت شعار تعزيز النزاهة من أجل التعافي في اليمن : انطلاق الدورة التدريبية الوطنية في ” إدارة مخاطر الفساد القطاعية
  • وزير البيئة: تحديث أنظمة الإدارة يعزز كفاءة المؤسسات الوطنية