أعلنت مؤسسة التمويل الدولية اليوم عن شراكة مع أوراسكوم للتنمية مصر، الرائدة في مجال تطوير المشاريع العقارية والسياحية التابعة لأوراسكوم القابضة للتنمية، بهدف تحسين كفاءة استخدام الطاقة والمياه والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العديد من فنادقها في مدينة الجونة على ساحل البحر الأحمر.

وستقدم المؤسسة قرضاً مرتبطًا بالاستدامة بقيمة إجمالية تعادل 155 مليون دولار على شريحتين بقيمة 96 مليون دولار و 55 مليون يورو.

وسيدعم هذا التمويل التحسينات الخضراء وفرص نمو شركة أوراسكوم في الجونة، وسيشمل ذلك تجديد منتجع موفنبيك الجونة المملوك للشركة.

كما سيدعم التمويل جهود أوراسكوم لاتخاذ تدابير مؤثرة تستهدف تعزيز كفاءة استخدام الموارد، بما في ذلك المضخات الحرارية، والسخانات الشمسية، والحفاظ على المياه على نحو مسؤول في فنادقها لتقليل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 50% من مصادر الطاقة غير المتجددة، وخفض استخدام المياه بنسبة 20% على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، سيتم استخدام القرض لإعادة تمويل جزء من ديون أوراسكوم الحالية وتحسين موقف مديونياتها.

وستساعد المؤسسة أيضا الفنادق المملوكة لشركة أوراسكوم في الجونة في الحصول على شهادة "إيدج" للمباني الخضراء، وتُعد "إيدج" إحدى ابتكارات مؤسسة التمويل الدولية التي تهدف إلى زيادة كفاءة استخدام الموارد في المباني بطريقة سريعة وسهلة وبتكلفة معقولة.

تعتبر مصر وجهة سياحية رئيسية تتميز بمعالمها التاريخية والثقافية، فضلاً عن شواطئها. ويساهم قطاع السياحة بشكل كبير في الاقتصاد المصري، حيث حقق 8% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2023 ويعمل به 2.5 مليون شخص، ومن المتوقع توفير 1.5 مليون فرصة عمل أخرى في السنوات العشر المقبلة. ومن خلال دعم قطاع السياحة الأخضر في مصر، يمكن للبلاد تعزيز تنافسيتها الاقتصادية وخفض تكاليف التشغيل، مما يساهم في تحقيق نمو مستدام وشامل.

ومن جانبه، صرح عمر الحمامصي، الرئيس التنفيذي لمجموعة أوراسكوم للتنمية قائلاً: "تمثل هذه الشراكة مع مؤسسة التمويل الدولية علامة فارقة في مسيرة أوراسكوم نحو دعم إنشاء مجتمعات مستدامة ومتكاملة"، مضيفا "إن التزامنا تجاه البيئة يظهر بصورة واضحة في التدابير الاستباقية المستمرة التي نتخذها لدعم كفاءة استخدام الطاقة والحفاظ على المياه في منشآتنا ومرافقنا بما في ذلك مدينة الجونة المطلة على ساحل البحر الأحمر، وتعكس هذه الشراكة التزامنا كمطور عالمي بالمساهمة في كوكب أكثر صحة، من خلال إقامة منشآت حيوية تتوافق مع الطبيعة وتعزز النمو الاقتصادي في مصر، كما يدعم هذا التمويل تحسين شروط التمويل للشركة من خلال خفض تكلفة رأس المال، وتعزيز السيولة المالية الشركة، والحفاظ على نسبة صافي الدين إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك أقل من 1.3 مرة".

وتعليقا على ذلك، صرح سيرجيو بيمنتا نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية لشؤون منطقة أفريقيا قائلاً: "تساهم السياحة في مصر بصورة رئيسية في خلق فرص العمل، وزيادة حصيلة النقد الأجنبي، والإيرادات الضريبية، وشراكتنا مع أوراسكوم دليل على الالتزام المشترك بدعم قطاع سياحي قوي وأكثر استدامة في مصر".

ويتسق هذا المشروع مع تقرير المناخ والتنمية الخاص بمصر الصادر عن مجموعة البنك الدولي ، الذي يحدد الفرص المتاحة لتحقيق التوافق بين الأهداف الإنمائية لمصر والمناخ، كما يتسق مع إطار الشراكة الإستراتيجية بين مجموعة البنك الدولي والدولة المصرية لدعم زيادة وتحسين فرص العمل في القطاع الخاص، وتحسين قدرة مصر على تحمل الصدمات.

ومنذ بداية عملها في مصر في 1975، قامت المؤسسة باستثمار وتعبئة نحو 9 مليارات دولار في مشروعات استثمارية، ولديها محفظة عمليات استشارية تبلغ قيمتها 24 مليون دولار. ويركز دعم مؤسسة التمويل الدولية للقطاع الخاص في مصر على التكنولوجيا المالية، وتمويل العمل المناخي، والصناعات التحويلية، ومشروعات البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية، والمساواة بين الجنسين، وغيرها من القطاعات الأخرى.

تعد الجونة مجتمع متعدد الثقافات يجمع مقيمين وزائرين ووافدين من جميع أنحاء العالم. تشمل مدينة الجونة منطاق سكنية وفنادق ومرافق تجارية ومنشآت ترفيهية أقيمت على نحو منسق ومتناغم في بيئة طبيعية خلابة على ساحل البحر الأحمر في مصر. ومنذ أكثر من 10 سنوات، أصبحت الجونة أول مدينة في أفريقيا والمنطقة العربية تحصل على درع الجائزة العالمية للمدينة الخضراء بدعم من البرنامج البيئي للأمم المتحدة. وقد حازت فنادق أوراسكوم للتنمية البالغ عددها 33 فندقاً على شهادات اعتماد رئيسية لالتزامها بمعايير الإدارة البيئية والاستدامة، بما في ذلك شهادة إيرث تشيك EarthCheck وشهادة Green Key وISO 14001 وISO 21401. وكانت فنادق الجونة البالغ عددها 18 فندقا من بين أوائل الفنادق في مصر التي تنضم إلى برنامج فنادق النجمة الخضراء للاستدامة. وجدير بالذكر أن أكثر من خُمس الكهرباء في الجونة يتم توليدها من الطاقة الشمسية، وتنتج محطات معالجة المياه ثلث مياه الري بالمدينة.

نبذة عن مؤسسة التمويل الدولية
مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، أحد أعضاء مجموعة البنك الدولي، هي أكبر مؤسسة إنمائية عالمية يتركَّز عملها على القطاع الخاص في بلدان الأسواق الصاعدة. وتعمل المؤسسة في أكثر من 100 بلدٍ في أنحاء العالم، حيث تستخدم رؤوس أموالها وخبراتها ونفوذها لتهيئة الأسواق وإيجاد الفرص في البلدان النامية. وفي السنة المالية 2024، ارتبطت المؤسسة بتقديم مستوى قياسي من التمويل بلغ 56 مليار دولار إلى شركات ومؤسسات مالية خاصة في البلدان النامية، مُعوِّلة على حلول القطاع الخاص وتعبئة رؤوس الأموال الخاصة لخلق عالم خال من الفقر على كوكب صالح للعيش فيه. للمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة الموقع: www.ifc.org.


نبذة عن شركة أوراسكوم للتنمية 
أوراسكوم القابضة للتنمية من كبرى شركات التطوير العقاري في العالم، وتقوم بإنشاء مجتمعات حيوية ونابضة بالحياة ومتكاملة في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولأكثر من 35 عاماً، ما تزال أوراسكوم للتنمية رائدة في إقامة منشآت ووجهات تمثل مصدر إلهام للعيش والعمل والترفيه والحياة بشغف وهدف.

ومن مدينة الجونة الساحرة المطلة على سواحل البحر الأحمر إلى الوجهة المذهلة في جبال الألب السويسرية في منطقة أندرمات التي يمكن الاستمتاع بها وزيارتها على مدار العام، يتجلى تفوق أوراسكوم في التخطيط المعماري الذي يعكس التزامها بتقديم أرقى مستويات التطوير العقاري. وتضم المدن المتكاملة مناطق سكنية متنوعة من الفيلات الفاخرة والشقق الخاصة وفنادق ومنشآت ترفيهية وتجارية حائزة على جوائز عالمية، ومُصممة بتنسيق متناغم يعكس التميز والجمال، فضلاً عن ملاعب الجولف والمراسي (المارينا) والنوادي الرياضية والمحلات التجارية والمطاعم.
وتمتلك أوراسكوم مجموعة شاسعة من الأراضي تزيد مساحتها على 100 مليون متر مربع، منها 40% قيد التطوير أو تم تطويرها في مجتمعات راقية في مصر (الجونة، ومكادي هايتس، وأو ويست، وطابا هايتس، وبيوم)، وفي دول منطقة الخليج (جبل السيفة وهوانا صلالة في عُمان) ، وفي أوروبا (أنديرمات سويس ألب في سويسرا، وخليج لوشتيكا في الجبل الأسود، وقرية ويست كاركلاز جاردن في المملكة المتحدة). وتشمل محفظة مشروعات الفنادق وخدمات الضيافة لأوراسكوم 33 فندقاً متميزاً على أرقى مستوى من الخدمات تضم أكثر من 7000 غرفة في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أن أسهم أوراسكوم القابضة مسجلة في بورصة سيكس السويسرية.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: مؤسسة التمويل الدولية أوراسكوم للتنمية مصر استخدام الطاقة والمياه انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مدينة الجونة مؤسسة التمویل الدولیة أوراسکوم للتنمیة کفاءة استخدام مدینة الجونة البحر الأحمر أکثر من فی مصر

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • البنك الإفريقي للتنمية يضخ 100 مليون يورو لإنجاز أول مصنع عملاق لبطاريات السيارات الكهربائية بالمغرب
  • شراكة جديدة بين التضامن وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتعزيز التنمية والتمكين الاقتصادي
  • حبس مدير ومسؤولين بمستشفى الهضبة الخضراء للاشتباه في مخالفات بالأدوية
  • أوتشا: نقص التمويل وتصاعد النزاعات يعمقان الأزمات الإنسانية من الشرق الأوسط إلى السودان وأفغانستان
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • وزير مالية سنار : تخصيص 46% من موازنة 2026 للتنمية وإعادة الإعمار
  • المجلس الاعلى للسياحة وجامعة دنقلا يتفقان على تطوير القطاع السياحي
  • وفد رسمي من الجهاز الوطني للتنمية يطّلع على جاهزية مطار سرت
  • نائبة تيتيه تبحث مع حكومة الدبيبة التمويل العالمي المخصص للمناخ
  • السفير الفرنسي يبحث آفاق التعاون المشترك مع الجهاز الوطني للتنمية