#سواليف

تجدَّد الجدل حول خط أنابيب الغاز العربي والخطط الإقليمية لإحيائه فور إعلان الأردن اكتشاف احتياطيات هائلة من الغاز في حقل الريشة، قد تكفيه 6 عقود أو أكثر، وقد تحوّله من دولة مستوردة إلى مصدّرة لدول الجوار.

وقدّرت دراسة فنية أعدّتها شركة الخدمات النفطية البريطانية شلمبرجيه (Schlumberger)، وكشفها وزير الطاقة الأردني الدكتور صالح الخرابشة، احتياطيات حقل الريشة القابلة للاستخراج كما يلي:

التقدير الأدنى: 2.

83 تريليون قدم مكعبة.

مقالات ذات صلة مدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات الشخصية 2024/11/29

التقدير المتوسط: 4.67 تريليون قدم مكعبة.

التقدير الأعلى: 6.3 تريليون قدم مكعبة.

وأسهم إعلان الاكتشاف الضخم -في وقت يعاني فيه لبنان ومصر من أزمات طاقة حادة- في فتح النقاش مجددًا حول خط أنابيب الغاز العربي وسيناريوهات تشغيله المستقبلية، حال ربطه بحقل الريشة ذي الاحتياطيات الهائلة التي قد تُحوِّل الأردن من مستورد إلى مصدّر.

كما انفتحت التوقعات أمام احتمالات تغير معادلات توريد الغاز في المنطقة عبر هذا الخط الذي أُنشئ قبل عقدين بهدف توريد فائض الغاز الطبيعي من الدول المنتجة في المنطقة إلى دول الجوار المستوردة، ومنها الأردن ولبنان.

ونظرًا لأهمية خط أنابيب الغاز العربي في هذه المعادلة، ترصد وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن) في هذا التقرير أهم البيانات المتاحة حول هذا الخط ومراحل إنشائه، وصولًا إلى أسباب توقُّفه عن العمل لسنوات، ثم عودة الحديث عن تشغيله مرة أخرى منذ عام 2019، إلى جانب تداعيات اكتشاف حقل الريشة عليه.

المحتويات

فكرة مشروع خط أنابيب الغاز العربي

البنية التحتية لخط أنابيب الغاز العربي

آثار فشل خط أنابيب نابوكو التركي

تطورات خط أنابيب الغاز العربي منذ 2011

هل يُغيّر حقل الريشة معادلات خط الغاز العربي؟

الخلاصة

فكرة مشروع خط أنابيب الغاز العربي

يستند مشروع خط أنابيب الغاز العربي على نقل فائض الغاز الطبيعي من مصر إلى الأردن ولبنان وسوريا، وقد بدأت فكرة إنشائه عام 2001 في إطار مفاوضات ثنائية بين مصر والأردن.

واستهدفت هذه المفاوضات تزويد عمّان بالغاز عبر إنشاء خط يمتد من مدينة العريش شمال سيناء إلى مدينة العقبة الأردنية، ثم انضمت سوريا ولبنان إلى مذكرة التفاهم الموقّعة بين مصر والأردن لاحقًا.

وفي عام 2004، وافقت الدول الـ4 (مصر والأردن وسوريا ولبنان) على السماح للعراق بالربط مع الخط لتصدير الغاز العراقي إلى أوروبا عبر تركيا التي أبدت استعدادها للتعاون في هذا المشروع.

وأسهم ذلك في توسّع الفكرة وتحوّلها من مشروع عربي يهدف إلى تصدير الغاز المصري إلى الأردن ولبنان وسوريا، إلى مشروع إقليمي يطمح لتصدير الغاز العربي إلى أوروبا في نهاية المطاف.

ورغم تحمُّس البلدان العربية ذات الصلة لتشغيل خط أنابيب الغاز العربي وتوسيع نطاقه حتى أوروبا، فإن بعض الدول في المنطقة لم تتحمس لفكرته؛ لتضاربه مع مصالحها في السيطرة على دول المنطقة لا سيما سوريا ولبنان.

وتأتي إيران في مقدمة هذه الدول لعدم رغبتها في حصول سوريا أو لبنان على مصدر خارجي للغاز قد يضعف تحكمها في قطاع الطاقة في البلدين، مثلما فعلت في العراق منذ سنوات طويلة، حتى صارت تتحكم في إمدادات الغاز إلى قطاع الكهرباء.

على الجانب الآخر، بدت روسيا غير مرحِّبة بهذا المشروع -أيضًا-، لكونه يصبّ في صالح الغرب و أوروبا في نهاية المطاف، إلى جانب تأثيره في إضعاف صادرات الغاز الروسية إلى القارة العجوز.

البنية التحتية لخط أنابيب الغاز العربي

يبلغ طول خط أنابيب الغاز العربي 1200 كيلومتر، بينما يصل قطره إلى 36 بوصة، أمّا طاقته القصوى فتصل إلى 10.3 مليار متر مكعب، بحسب البيانات المنشورة في موقع أفشور تكنولوجي المتخصص.

وبلغت تكلفة المشروع قرابة 1.2 مليار دولار، ونُفِّذَ في 4 مراحل، اكتملت جميعها خلال 6 سنوات ممتدة منذ عام 2003، إلى عام 2009، كما يلي:

المرحلة الأولى بين مصر والأردن عام 2003

المرحلة الثانية داخل حدود الأردن عام 2005

المرحلة الثالثة بين الأردن وسوريا عام 2008

المرحلة الرابعة بين سوريا ولبنان عام 2009

وبدأ أول ضخ في خط أنابيب الغاز العربي عام 2003 بكميات وصلت إلى 12 مليار قدم مكعبة (0.33 مليار متر مكعب) من مصر إلى الأردن، بحسب دراسة تحليلية عن الخط منشور في مجلة أمن الطاقة (Journal of Energy Security).

وأسهم صندوق أوبك للتنمية الدولية في تمويل جزء من هذا الخط داخل سوريا عام 2007، عبر اتفاقية وُقِّعت مع الشركة السورية للغاز ممثلةً لوزارة النفط والثروة المعدنية.

ووقّعت مصر صفقة جانبية لتصدير الغاز إلى إسرائيل عام 2005، عبر بناء خط أنابيب ممتد من مدينة العريش إلى مدينة عسقلان في إسرائيل عام 2008 (أطلق عليه خط أنابيب شرق المتوسط)، لتصبح العريش نقطة الالتقاء بين خطّين، أحدهما يمتد إلى الأردن، والثاني إلى إسرائيل.

آثار فشل خط أنابيب نابوكو التركي

كان من المقرر مدّ خط أنابيب الغاز العربي من حمص إلى مدينة كيليس التركية الحدودية، ليُربَط بعد ذلك بخطّ أنابيب نابوكو المقترح من تركيا لنقل الغاز إلى أوروبا.

ولم تتمّ هذه المرحلة منذ عام 2009، وما زالت متوقفة حتى الآن، بحسب تفاصيل المشروع التي اطّلعت عليها وحدة أبحاث الطاقة، ومقرّها واشنطن.

ووقّعت تركيا وسوريا مذكرة تفاهم في يناير/كانون الثاني 2008 لتمديد الخط، كما مُنِح عقد إنشائه لشركة الإنشاءات الهندسية الروسية ستروي ترانس غاز (Stroytransgaz) في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، بقيمة 171 مليون دولار.

ورغم ذلك، فقد ألغي هذا العقد مع الشركة الروسية في أوائل عام 2009، وطُرِحت مناقصة جديدة لم تظهر نتائجها حتى الآن، بحسب بيانات موقع أفشور تكنولوجي.

وفي 13 يوليو/تموز 2009، وقّعت 4 دول في الاتحاد الأوروبي -وهي: النمسا وبلغاريا والمجر ورومانيا- اتفاقًا مع تركيا للمضي قدمًا في مشروع خط أنابيب نابوكو.

وجاء هذا الاتفاق في إطار خطة مبكرة للاتحاد الأوروبي لخفض الاعتماد على الغاز الروسي في المدى الطويل.

ورغم الحماسة التي أبدتها أوروبا تجاه مشروع خط أنابيب نوباكو وقت توقيعه عام 2009، فقد تجاهلته لسنوات لاحقة، لأسباب سياسية وليست تجارية، إلى أن دخل في طي النسيان، مع استبدال مشروع خط أنابيب أصغر به لنقل الغاز الأذربيجاني عبر تركيا إلى اليونان وإيطاليا، بحسب وكالة رويترز.

ويفسّر إخفاق تركيا والاتحاد الأوروبي في بناء مشروع خط أنابيب نوباكو منذ عام 2009 وحتى الآن جانبًا من تعثُّر خطة تحويل خط أنابيب الغاز العربي إلى ممر إقليمي لتصدير الغاز إلى أوروبا.

تطورات خط أنابيب الغاز العربي منذ 2011

مرّ خط أنابيب الغاز العربي بتطورات مثيرة بين مصر والأردن منذ عام 2011 حتى الآن، يمكن تلخيصها كما يلي:

2011: تعرّض الخط لهجمات مسلحة إبان ثورة يناير أثرت في قدرة القاهرة على الإمداد المنتظم.

2015: عُكِسَ مسار تدفّق الغاز ليأتي من الأردن إلى مصر حتى 2018، وظلّت عمان تستورد الغاز المسال وتعيد تغويزه لصالح القاهرة طول هذه المدة.

2018: عاد مسار تدفُّق الخط من مصر إلى الأردن، بعد اكتشاف حقل ظُهر الضخم.

2020: بدأ خط أنابيب الغاز العربي في نقل الغاز الإسرائيلي إلى الأردن.

2020: تحوّل مسار تدفُّق فرع العريش-عسقلان، ليبدأ نقل الغاز من تل أبيب إلى مصر لأول مرة.

2021: وقّعت مصر اتفاقًا رباعيًا لتزويد لبنان بالغاز عبر خط أنابيب الغاز العربي.

وكان من ضمن موقّعي اتفاق لبنان عام 2021 كل من الأردن وسوريا، حيث يحتاج الغاز المصري إلى أن يمرّ عبر الدولتين قبل أن يصل إلى لبنان، لكن هذا الاتفاق تعثَّر بسبب تعقيدات قانون قيصر الأميركي الذي يفرض عقوبات على النظام السوري.

كما أدى انخفاض انتاج الغاز في مصر منذ عام 2022، إضافة إلى تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، إلى دخول القاهرة في أزمات محلية لم تسعفها في ضخ الغاز إلى لبنان عبر هذا الخط حتى الآن، بحسب تطورات الخط التي تتابعها وحدة أبحاث الطاقة بصورة دورية.

هل يُغيّر حقل الريشة معادلات خط الغاز العربي؟

تشير البيانات المعلنة حول احتياطيات حقل الريشة الضخمة إلى أنها قد تكفي احتياجات الأردن ذي الـ12 مليون نسمة لأكثر من 6 عقود مقبلة على الأقل؛ ما قد يحوّلها من مستورد إلى مصدّر، بحسب خبير أسواق الغاز العربية في منظمة أوابك المهندس وائل عبد المعطي.

ويستورد الأردن الغاز الطبيعي من مصر عبر خط أنابيب الغاز العربي، وفي حالة تعرُّض الإمدادات المصرية للاضطراب لأيّ سبب، يستورد الأردن الغاز المسال من الخارج، ويعيد تغويزه في محطة العقبة، بحسب بنود في اتفاقية التوريد مع القاهرة.

وقد يؤدي الاكتفاء الذاتي للأردن من الغاز إلى خفض استيراده للغاز المصري تدريجيًا عبر خط أنابيب الغاز العربي، وربما منافسته في التصدير لدول الجوار (سوريا ولبنان)، إذا جرى ربط حقل الريشة بالخط مستقبلًا.

كما قد يصبح الأردن منافسًا لمصر في تصدير الغاز المسال إلى أوروبا، إذا قررت الاستثمار في بناء محطات تسييل مستقبلًا.

ورغم ذلك، تبدو مصر أقرب للاستفادة من إحياء تصدير الغاز إلى دول الجوار عبر خط أنابيب الغاز العربي حتى عام 2035؛ لامتلاكها حقل ظهر الذي يعمل بالفعل منذ سنوات، ويسهّل إنعاش إنتاجه.

على العكس من ذلك، سيحتاج الأردن إلى سنوات ليست بالقليلة حتى يطور حقل الريشة، ويبدأ التوسع في استخراج احتياطياته على نطاق تجاري واسع.

ويقدّر وزير الطاقة الأردني الوقت اللازم لتطوير الحقل بنحو 10 سنوات، كما يقدّر الاستثمارات المطلوبة بما يتجاوز ملياري دينار أردني (2.8 مليار دولار أميركي).

وتوضح الخريطة التالية -التي أعدّتها وحدة أبحاث الطاقة- مسار الربط المحتمل بين حقل الريشة وخط أنابيب الغاز العربي:

ورغم المنافسة المحتملة بين مصر والأردن في أسواق الغاز العربية والإقليمية، في حالة توسُّع حقل الريشة، فإن هذه المنافسة قد تتحول إلى تعاون مشترك يحقق منافع كبيرة للبلدين على المستويين العربي والدولي.

كما يمكن للبلدين الاتفاق على تزويد بعضهما بالإمدادات اللازمة في حالة الطوارئ المحلية والإقليمية، من خلال عكس اتجاه التدفق في خط أنابيب الغاز العربي؛ ما قد يعزز أمن الطاقة في البلدين، ويحميهما من تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة مستقبلًا، بحسب تحليل وحدة أبحاث الطاقة.

وعانت مصر والأردن من تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، واضطراب إمدادات الغاز الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب؛ ما أدى إلى أزمة كهرباء حادة في البلدين استمرت عدّة أشهر، ولم تُتَدارَك إلّا بعد التعاقد على شحنات باهظة التكاليف من الغاز المسال.

كما يمكن للأردن أن يصبح شريكًا لمصر في خطّتها الإستراتيجية التي تستهدف التحول من مجرد دولة مصدرة للغاز، إلى مركز إقليمي لاستقبال غاز دول شرق البحر المتوسط وإسالته وإعادة تصديره إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

أمّا بالنسبة لتأثيرات حقل الريشة في إسرائيل، فمن المتوقع أن تكون سلبية على مستويين:

الأول: عبر تخلّي الأردن عن استيراد الغاز الإسرائيلي تدريجيًا، وصولًا إلى الاكتفاء الذاتي.

وإذا تحقق الاكتفاء الذاتي، فسيحرم تل أبيب من عائدات تصدير الغاز الطبيعي إلى عمان، ويضعف قدرتها على التحكم في أمن الطاقة الأردني مستقبلًا، كما حصل خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

الثاني: إذا تحوّل الأردن إلى تصدير الغاز في مرحلة لاحقة، فمن المتوقع أن تضيق مساحات تصدير الغاز الإسرائيلي إلى دول المحيط العربي بشدة، مع وجود منافسَين قويين (مصر والأردن).

ويمكن للدولتين العربيتين -إحداهما أو كلتيهما- في هذه الحالة، تزويد المحيط العربي بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب الغاز العربي القائم، بحسب خبير أسواق الطاقة مستشار تحرير منصة الطاقة الدكتور أنس الحجي.

وتخطط وزارة الطاقة الأردنية لحفر 70 بئرًا بحلول عام 2029، منها 8 آبار ستُحفَر عام 2025؛ ما قد يضاعف إنتاج المملكة من الغاز من 45 مليون قدم مكعبة يوميًا إلى 150 مليون قدم مكعبة يوميًا.

الخلاصة خط الغاز العربي فكرة نشأت بين مصر والأردن منذ عام 2001، ثم توسَّع إلى سوريا ولبنان، مع السماح للعراق بالربط مع الخط لتصدير الغاز العراقي إلى أوروبا عبر تركيا. تراجُع أوروبا عن خط أنابيب نوباكو بين تركيا ودول شرق القارة أحد أسباب تعطُّل خط أنابيب الغاز العربي. يمتد خط أنابيب الغاز العربي إلى لبنان منذ عام 2009، لكنها لم تستفد منه حتى الآن، رغم الاتفاق الرباعي الموقّع في عام 2021، لتزويدها بالغاز المصري. حقل الريشة سيحقق الاكتفاء الذاتي للأردن لمدة 6 عقود على الأقل، وقد يحوّلها من دولة مستوردة إلى مصدّرة، ما قد يحرّرها من استيراد الغاز الإسرائيلي، إضافة إلى الغاز المصري. ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي قد يُحدث تنافسًا أو شراكة مع مصر في مجال تصدير الغاز عبر الأنابيب أو الغاز المسال عبر الناقلات في المنطقة وخارجها.

المصادر:

احتياطيات حقل الريشة من وزارة الطاقة الأردنية. بيانات خط الغاز العربي من منصة أفشور تكنولوجي المتخصصة. تمويل أوبك لأجزاء من خط الغاز العربي في سوريا من صندوق أوبك للتنمية الدولية. تطورات خط الغاز العربي بين مصر والأردن من شركة نفت غاز الروسية. بيانات أول ضخ للغاز في الخط بين مصر والأدرن من مجلة أمن الطاقة. اتفاق خط أنابيب نوباكو بين تركيا و4 دول أوروبية من المفوضية الأوروبية. فشل خط أنابيب نوباكو بين تركيا وأوروبا من وكالة رويترز.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: سواليف الغاز الإسرائیلی الاکتفاء الذاتی مشروع خط أنابیب بین مصر والأردن مصر والأردن من الغاز الطبیعی سوریا ولبنان الغاز المصری لتصدیر الغاز الغاز المسال تصدیر الغاز إلى أوروبا إلى الأردن فی المنطقة دول الجوار أمن الطاقة حقل الریشة الغاز إلى قدم مکعبة الأردن من إلى مصد ر الغاز فی مستقبل ا هذا الخط من الغاز حتى الآن منذ عام عام 2009

إقرأ أيضاً:

حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم

قال رجل الأعمال حسني بي، إن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست نتيجة ارتفاع درجات الحرارة فقط، وإنما هي عامل كشف حجم الاختلالات المتراكمة داخل القطاع، مشيراً إلى أن المنظومة تحتاج إلى إصلاح شامل يتجاوز الحلول المؤقتة ومن أهمها استبدال الدعم من سعري إلى نقدي لتحقيق الإرشاد بالاستهلاك.

وبين أن موجة الحر تؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء، وخاصة بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف ونشاط تعدين Bitcoin واستهلاك مصانع الحديد والاسمنت والخزف، لكنه شدد على أن أي منظومة كهربائية مستقرة يفترض أن تكون قادرة مسبقاً على التعامل مع ذروة الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وأوضح أن الأزمة الحالية ترتبط بعدم الترشيد ورخص الطاقة مع نقص الوقود والغاز، وعدم جاهزية بعض وحدات التوليد، وتهالك أجزاء من شبكات النقل والتوزيع، وارتفاع الفاقد، وضعف الصيانة الوقائية، إلى جانب غياب التخطيط المالي والفني طويل الأجل.

وأضاف أن المشكلة ليست في العاملين والمهندسين داخل القطاع، وإنما في طريقة إدارة المنظومة الذي صممت حتى لا تعمل بكفاءة، موضحاً أن جمع أنشطة التوليد والنقل والتوزيع والشراء والصيانة داخل هيكل واحد دون فصل مالي وتشغيلي واضح يجعل من الصعب قياس الأداء والمحاسبة.

وأشار إلى أن القطاع يفتقد إلى بيانات واضحة حول تكلفة إنتاج الكهرباء، وحجم الفاقد، وكفاءة المحطات، وتكاليف الوقود والصيانة، معتبراً أن أزمة الكهرباء ليست أزمة صيف 2026، بل أزمة صيف وشتاء تتكرر منذ ما قبل 2011 بسبب نموذج إداري واقتصادي يحتاج إلى إعادة هيكلة وتقييم.

كما أوضح أن الحديث عن قدرة الشبكة يجب أن يميز بين القدرة المركبة نظرياً، والقدرة المتاحة فعلياً، والطاقة التي تصل إلى المستهلك بعد احتساب الأعطال ونقص الوقود وقيود النقل والتوزيع.

ولفت إلى أن وجود قدرات إنتاجية كبيرة على الورق تتعدى 12 GW لا يعني بالضرورة توفرها عند ذروة الطلب، لأن بعض الوحدات قد تكون خارج الخدمة بسبب الأعطال أو الصيانة أو نقص الوقود.

ولفت إلى أن الشركة العامة للكهرباء أعلنت خلال يونيو 2026 أن العجز تجاوز ألف ميغاواط، وربطت ذلك بنقص إمدادات الغاز الطبيعي والوقود المستخدم في تشغيل المحطات.

وأكد أن حجم العجز لا يمكن اعتباره رقماً ثابتاً، لأنه يتغير يومياً وفقاً لدرجات الحرارة وحجم الاستهلاك والوحدات العاملة والمتوقفة، داعياً إلى نشر بيانات يومية شفافة توضح الإنتاج والطلب والعجز وحالة المحطات.

وأضاف أن إعلان الشركة عن إضافة أكثر من 600 ميغاواط من وحدات جديدة يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يلغي ضرورة معالجة أسباب خروج القدرات الحالية من الخدمة.

وقال حسني بي إن تكرار أزمة الكهرباء خلال فصل الصيف يعود إلى وصول الاستهلاك إلى أعلى مستوياته او ما يقارب 9 GW، في وقت لا ترتفع فيه القدرة المتاحة بالسرعة نفسها، بل قد تتراجع بسبب ارتفاع حرارة وحدات التوليد أو نقص الغاز أو تأخر الصيانة.

وأوضح أن المشكلة ليست في نقص الإنتاج فقط، وإنما في جميع حلقات منظومة الكهرباء، بداية من التوليد مروراً بالنقل وصولاً إلى التوزيع والانتهاء بالاستهلاك الغير مرشد والذي لا يمكن ترشيده إلا من خلال تغيير منظومة الدعم من سعري الى نقدي.

وبيّن أن بعض محطات التوليد تعاني من تقادم الوحدات وانخفاض الكفاءة حيث تستهلك ضعفا المولدات الحديثة المزدوجة، بينما تحتاج شبكات النقل إلى توسعة وتأهيل، كما أن شبكات التوزيع في بعض المناطق لم تعد قادرة على تحمل الزيادة الكبيرة وغير المخططة في الأحمال.

وأضاف أن الفاقد الفني وغير الفني يمثل تحدياً إضافياً، نتيجة تقادم الشبكات والتوصيلات غير النظامية وضعف أنظمة القياس، مشيراً إلى غياب برامج كافية لإدارة الطلب وترشيد الاستهلاك خلال ساعات الذروة.

وحول أسباب خروج الخطوط والكابلات عن الخدمة، أوضح حسني بي، أن الأعطال المتكررة هي نتيجة تراكم عوامل عدة، من بينها تحميل الشبكات والمحولات فوق طاقتها، وتقادم المعدات، وارتفاع درجات الحرارة، وضعف الصيانة الوقائية، والتوسع العمراني غير المنظم.

وأشار إلى وجود فرق بين الصيانة الطارئة والصيانة الوقائية، موضحاً أن معالجة الأعطال بعد وقوعها لا تكفي لضمان استقرار الشبكة.

وأكد أن الصيانة الحالية ليست بالمستوى المطلوب بدليل تكرار الأعطال نفسها، داعياً إلى اعتماد نظام متكامل لإدارة الأصول يتضمن سجلاً فنياً لكل محطة وخط ومحولة وكابل، يوضح عمره الافتراضي وحالته الفنية وتكلفة صيانته وموعد استبداله.

وأكد أن الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بتعليق العمل بسبب الحرارة وانقطاع الكهرباء تعكس حجم الأزمة التي وصل إليها القطاع.

وأوضح أن المشكلة لم تعد مجرد انقطاع خدمة منزلية، بل أصبحت تؤثر على الاقتصاد والصحة والتعليم والمصارف والاتصالات والمستشفيات وحفظ الأغذية والأدوية.

وأشار إلى أن استخدام المولدات الخاصة يفرض تكاليف إضافية على المواطنين والشركات وتستهلك ضعفين كمية الوقود واكثر، ومنها يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية للاقتصاد.

وشدد على ضرورة احتساب ما يسمى بـ«تكلفة الكهرباء غير الموردة»، وهي الخسائر الاقتصادية الناتجة عن كل ساعة انقطاع، مؤكداً أن تكلفة غياب الكهرباء قد تكون أعلى من تكلفة إنتاجها.

وحول الإنفاق على قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية، قال حسني بي إن المشكلة ليست في حجم الأموال فقط، وإنما في كيفية توظيفها.

وتساءل عن النتائج الفعلية لهذا الإنفاق، من حيث عدد الميغاواطات التي أضيفت، وانخفاض الفاقد، وتحسن كفاءة المحطات، وانخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء.

وأضاف أن إنفاق مليارات دون خطة متكاملة تربط بين التوليد والوقود والنقل والتوزيع والصيانة لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار الشبكة.

وأوضح أن تكلفة الكهرباء الحقيقية في ليبيا تتجاوز 60 إلى 65 مليار دينار سنوياً عند احتساب المحروقات والغاز والتكاليف التسييرية، وليس فقط الإنفاق التنموي الظاهر في الميزانيات والذي يتحدث عنه الكثيرين حيث ذلك لا يمثل الا جزوء صغير من الإنفاق العام.

وأكد أن تقييم القطاع يجب ألا يقتصر على حجم المشاريع والإنفاق التنموي، بل يجب أن يشمل تكلفة الوقود، والتشغيل، والصيانة، وكفاءة استخدام الموارد.

وشدد حسني بي، على أن بناء محطات توليد جديدة قد يكون ضرورياً، لكنه ليس الحل الوحيد، موضحا أن إضافة محطات جديدة إلى منظومة تعاني من مشاكل الوقود والنقل والتوزيع والصيانة قد يؤدي إلى إضافة أصول جديدة دون تحقيق الاستقرار المطلوب.

وأشار إلى أن الإصلاح يجب أن يشمل تغيير منظومة الدعم من سعري الى نقدي، وإعادة تأهيل وحدات التوليد القائمة ورفع جاهزيتها بل وتغييرها بوحدات جديدة اكثر كفاءة عند استهلاك المحروقات، وضمان توفير الغاز الطبيعي للمحطات والوقف عن التشغيل بالديزل حتى لو استوردنا الغاز، وتطوير شبكات النقل والتوزيع وتقليل الفاقد، وإصلاح الإدارة والفصل المالي بين أنشطة القطاع، وتطبيق العدادات الذكية وإدارة الطلب، وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية.

وأكد أن نوع الوقود المستخدم له تأثير مباشر على تكلفة إنتاج الكهرباء واستقرار الإمدادات، موضحا أن الغاز الطبيعي المحلي يجب أن يكون المصدر الأساسي لتشغيل محطات الكهرباء في ليبيا، باعتباره الأقل تكلفة والأكثر كفاءة، بينما ينبغي استخدام الديزل في حالات الطوارئ فقط.

وأشار إلى أن الاعتماد على الوقود السائل وخاصة الظيزل يرفع تكلفة إنتاج الكهرباء بشكل كبير، داعياً إلى تطوير مصادر الغاز المحلية والاستثمار في مشاريع جديدة لضمان إمدادات مستقرة.

وطالب حسني بي باتخاذ عدد من الإجراءات العاجلة مع اقرار رؤية يجب تحقيقها، من بينها: تشكيل غرفة تشغيل موحدة تضم قطاع الكهرباء والنفط والجهات المسؤولة عن الوقود، ونشر بيانات يومية عن الإنتاج والطلب والعجز والوحدات المتوقفة، وإعادة تشغيل الوحدات القابلة للصيانة السريعة، وتوفير مخزون استراتيجي من قطع الغيار.

حماية خطوط نقل الغاز والكهرباء، وتطبيق برنامج عادل وشفاف لطرح الأحمال، وإطلاق حملات لترشيد الاستهلاك خلال ساعات الذروة.

وألمح إلى أن دخول وحدات جديدة إلى الخدمة قد يؤدي إلى تحسن مرحلي، لكنه شدد على أن الاستقرار المستدام يحتاج إلى إصلاح مؤسسي ومالي شامل، مؤكدا أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة نقص محطات، بل أزمة نوع تقنية وازمة استهلاك مفرط وإدارة وتخطيط وحوكمة.

وقال إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بشراء توربينات جديدة، وإنما بإعادة تنظيم القطاع، وتعزيز الشفافية والمحاسبة، وربط الإنفاق بالنتائج، وضمان توفر الوقود والصيانة وشبكات قادرة على نقل الكهرباء.

وأكد أن استمرار غياب المحاسبة والكفاءة سيؤدي إلى تكرار الأزمات مهما تغيرت الأشخاص، بينما الحل يكمن في بناء منظومة كهربائية قادرة على قياس أدائها وإدارة مواردها وتحقيق استقرار طويل الأمد.

مقالات مشابهة

  • وزارة الطاقة الأذربيجانية: 700 مليون متر مكعب صادرات الغاز إلى سوريا
  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • نادي القصة يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لـ "مؤتمر الطفل العربي" بدار الأوبرا
  • مواعيد قطارات القاهرة مرسى مطروح 2026 ذهابًا وعودة كاملة
  • مؤسسة النفط تبحث مع «شل» إعداد خطة استراتيجية لتطوير قطاع الغاز
  • برنامج قسمة ونصيب العروس والحماة الحلقة 19 كاملة: مفاجآت جديدة
  • برنامج قسمة ونصيب العروس والحماة الحلقة 18 كاملة
  • برنامج قسمة ونصيب العروس والحماة الحلقة 17 كاملة
  • أزمة قانونية بعد انتقال كاسيميرو إلى فريق ميسي.. ما القصة؟
  • "قطر للطاقة" تمدد حالة القوة القاهرة على عقود الغاز المسال