تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، بزيارة قاعة بروكسل التاريخية الواقعة في قلب ميدان "جراند بلاس" وسط العاصمة البلجيكية بروكسل ضمن مراسم زيارة "الدولة" التي يقوم بهلا جلالة العاهل المفدى لمملكة بروكسل.

وقاعة بروكسل التاريخية أحد أهم معالم المدينية التاريخية والمعمارية بفضل تاريخها العريق الذي يعود للعصور الوسطى وتصميمها الفني الرائع.

وينظر البلجيكيون والأوربيون بشكل عام لهذه القاعة باعتبارها تجسيدا للهوية الثقافية والسياسية للمدينة، وتعد وجهة سياحية بارزة لعشاق الفن والتاريخ.

بنيت القاعة بين عامي 1401م و1455م في ذروة ازدهار مدينة بروكسل كواحدة من المراكز الاقتصادية والثقافية في أوروبا. بدأت عملية البناء تحت إشراف المهندس المعماري جاك فان تينين، حيث صُممت القاعة لتكون مقرا للإدارة البلدية ومكانا للاجتماعات الرسمية، ومع مرور الوقت، توسع المبنى وأُضيفت له أجزاء جديدة، منها البرج الشهير الذي اكتمل بناؤه عام 1454 بتصميم من جان فان رويسبرويك. يبلغ ارتفاع البرج 96 مترًا، ويُعتبر من أروع الأمثلة على الطراز القوطي في أوروبا، حيث يعلوه تمثال ذهبي لـ”القديس ميخائيل”، شفيع المدينة وفق أدبيات الثقافة البلجيكية.

وأدت القاعة عبر التاريخ أدوارا محورية في الحياة السياسية والاجتماعية لبروكسل؛ فقد كانت مقرا لعقد الاجتماعات البلدية، واستُخدمت لإصدار القوانين وإدارة الشؤون المحلية، كما كانت القاعة رمزا للتفاخر بالثروة والقوة التي تمتعت بها المدينة في القرون الوسطى. وكانت "جراند بلاس" مركزا تجاريا حيويا، ووجود القاعة وسطها يعكس الأهمية التي كانت تُولى للإدارة والتنظيم.

وعلى مر العصور، شهدت قاعة بروكسل العديد من الأحداث المهمة؛ فخلال الحرب الفرنسية الهولندية في عام 1695، تعرضت القاعة لقصف شديد من قبل القوات الفرنسية بقيادة الملك لويس الرابع عشر. وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بالكثير من المباني المحيطة، صمدت القاعة بشكل كبير، وتم ترميمها لاحقا لتعود إلى مجدها السابق وتضيف لمجدها مجد الصمود أمام قصف الأعداء. وفي العصر الحديث تحولت القاعة لتكون مركزا ومزارا لاستقبال الشخصيات السياسية والمهمة الذين يزورون المدينة إضافة إلى أنها مكان لإقامة الاحتفالات الوطنية، ما يعكس دورها المستمر في حياة المدينة وربط الجانب التاريخي بمكانة بروكسل بوصفها عاصمة أوروبية ومركزا مهما لصناعة القرار الأوروبي والعالم.

وتتميز قاعة بروكسل بتصميم معماري مذهل يجمع بين الطراز القوطي والزخارف الفريدة التي تعكس براعة الحرفيين في العصور الوسطى. تتزين الواجهة الرئيسية بتماثيل تصور شخصيات تاريخية ودينية لهم حضور كبير وتأثير في تاريخ المدينة ما يجعل واجهة القاعة متحفا يحكي تاريخ المدينة عبر تاريخ شخصياتها المؤثرة.

أما الداخل، فيحتوي على غرف وقاعات فاخرة مزينة بلوحات جدارية وأعمال خشبية منحوتة بعناية. تُستخدم القاعة اليوم لاستضافة الاجتماعات الرسمية والفعاليات الثقافية، مما يحافظ على مكانتها كمركز للحياة العامة في بروكسل.

وفي عام 1998، أدرجت "جراند بلاس"، بما فيها قاعة بروكسل، على قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويأتي هذا الاعتراف تقديرا للقيمة التاريخية والمعمارية للقاعة وموقعها الاستثنائي.

ولا يكاد الزائر يجد موطأ قدم له أمام القاعة من كثافة الزوار الذين يحرصون على زيارة الموقع كلما مروا على المدينة، وتنظم المدينة كل عامين مهرجان "سجادة الزهور" والذي يجتذب عشرات الآلاف من السياح من مختلف أنحاء العالم.تجذب القاعة سنويًا آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم. ورغم مسارات التطور والحداثة في مدينة بروكسل إلا أن هذه القاعة تبقى رمزا مهما لتاريخ المدينة وروعتها المعمارية وشاهدا على مراحل تطور المدينة عبر العصور المختلفة، وتبقى زيارة القاعة في غاية الأهمية للتعرف على منجزات الفن والعمارة في أوروبا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية

الإسكندرية- لم يكن المصور المصري الشاب عبد العزيز بدوي يبحث عن أكثر من مساحة إضافية داخل استوديو التصوير العائلي العتيق في منطقة كوم الدكة بالإسكندرية، الذي ورثه عن جده المصور أحمد بدوي، حين قادته المصادفة إلى باب صغير يفضي إلى سرداب ظل مغلقا لعقود طويلة.

وما إن أزيحت الأتربة عن المكان حتى بدا المشهد أقرب إلى اكتشاف مقبرة فرعونية ظلت عصية على الزمن؛ لكن الكنز هذه المرة لم يكن من الذهب أو الجواهر، بل من الذاكرة نفسها.

في أعماق السرداب، عثر المصور الشاب على أكثر من نصف مليون صورة تركها جده الراحل، المصور أحمد بدوي، لتروي بصمت تاريخ مدينة كاملة؛ من وجوه سياسيين وفنانين ورياضيين، وشوارع وأحياء، وأفراح وأحزان، ولحظات انتصار وتحولات اجتماعية وثقافية كبرى، كلها محفوظة داخل آلاف الأظرف وأشرطة النسخ الأصلية (النيغاتيف)، تؤرخ للإسكندرية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة.

وبينما كانت الصور تستعيد الحياة بعد سنوات طويلة من العتمة، وجد عبد العزيز ورفاقه أنفسهم أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن الاكتشاف ذاته، تمثلت في إنقاذ هذا الأرشيف النادر من الضياع، وتحويله إلى مشروع مفتوح يتيح للجميع الاطلاع على ذاكرة مدينة حُفظت لعقود تحت الأرض، قبل أن يقرر القدر أن ترى النور من جديد.

مغلفات تضم أعدادا من الصور بعد اكتشافها في سرداب استوديو الجد أحمد بدوي (الجزيرة)كنز من الذكريات

يقول المصور الثلاثيني عبد العزيز بدوي، خلال حديثه مع الجزيرة نت، إن زملاءه من المصورين كانوا يحرصون على زيارة الاستوديو الخاص بجده الراحل من أجل مشاهدة الكاميرات ذات الطرز القديمة والتصوير بها وسط هذه الأجواء التاريخية العتيقة.

وخلال إحدى المرات، قبل عامين تحديدا، قادهم الفضول إلى محاولة استكشاف بعض المقتنيات القديمة المهملة في إحدى زوايا الاستوديو، ليفاجؤوا بباب صغير يقودهم إلى سرداب أو غرفة أسفل الاستوديو، ليجدوا أنفسهم أمام كنز حقيقي من الذكريات واللقطات الفوتوغرافية لأحداث مهمة عاشتها عروس البحر الأبيض المتوسط.

إعلان

يقول عبد العزيز "وجدنا أنفسنا أمام أكثر من 500 ألف صورة ونيغاتيف، كثير منها في حالة سيئة ويحتاج إلى ترميم"، يوضح المصور الشاب لحظة فتح السرداب رفقة صديقيه أحمد ناجي وحازم جودة، مضيفا "المفاجأة كانت كبيرة للغاية، والمشهد كان أقرب إلى فتح مقبرة فرعونية"، مشيرا إلى أن جده، الذي توفي عام 2013 وعانى قبل وفاته من مرض الزهايمر، لم يبلغه من قبل بوجود هذه الخبيئة.

المصور أحمد بدوي (الجد) في الاستوديو الخاص به بالإسكندرية (الجزيرة)

وتعود ملكية الاستوديو إلى الجد أحمد بدوي، الذي أسسه بعد أن اشترى المكان من شخص إنجليزي كان يملك العقار وقتها ، قبل أن يغادر مصر لاحقا.

ويكشف المصور الحفيد عبد العزيز بدوي تفاصيل الكثير من محتويات تلك الصور، قائلا إنها تحوي صورا نادرة وفريدة من نوعها لكثير من الأحداث التي عاشتها الإسكندرية، ما بين أحداث سياسية كبرى، وانتصارات الأندية الرياضية بالمحافظة، مثل الاتحاد السكندري "زعيم الثغر" ونجومه التاريخيين، وفي مقدمتهم الكابتن "بوبو".

وكذلك صور نادي الأولمبي الذي كان أول فريق من خارج القاهرة يحصد الدوري المصري في موسم عام 1965، بالإضافة إلى صور للحياة اليومية والأعياد والمناسبات الشعبية للمسلمين والأقباط، وصور أخرى لروابط الطلاب الخليجيين الذين كانوا يدرسون في جامعة الإسكندرية.

صور من الجنازة الرمزية التي نُظمت بالإسكندرية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالتزامن مع تشييعه في القاهرة (الجزيرة)صور نادرة

لكن بدوي يقول إن "الموضوع مرهق للغاية، خاصة أن عدد الصور ضخم جدا، وتحتاج إلى مجهود خارق لترميمها"، مضيفا: "حتى الآن استطعنا معرفة هوية وتفاصيل بعض الصور والأحداث التي تؤرخ لها، وذلك فقط من الجزء الذي استكشفناه، حيث لا يزال هناك عدد هائل من الصور لم نتمكن من فتح الأظرف الموجودة بها، وأيضا الكثير من النيغاتيف الذي يحتاج إلى تحميضه وطباعته لمعرفة محتوياته".

ويشير بدوي الحفيد إلى أن من بين ما تم التعرف عليه صورة من زيارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف إلى الإسكندرية برفقة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والتي جرت في مايو/أيار 1964 خلال تجولهما في سيارة مكشوفة، موضحا "يبدو أن جدي التقط تلك الصورة على عجل بينما كان يقف في شرفة الاستوديو أثناء مرور موكب الزعيمين عبد الناصر وخروتشوف".

صورة أخرى نادرة التقطها الجد أحمد بدوي، واختص بها المصور الشاب الجزيرة نت، تسجل لحظة الاستقبال الشعبي لأبطال الكتيبة 603 في محطة مصر بالإسكندرية يوم 17 فبراير/شباط 1974، والذين عُرفوا برجال الصمود بعد معركة شرسة خاضوها في مواجهة الجيش الإسرائيلي عند نقطة كبريت الحصينة بالقرب من السويس، حيث رفضوا الاستسلام بعد حصار خانق استمر لأكثر من 130 يوما، بادلوا خلالها العدو الهجمات رغم الحصار.

صور من الجنازة الرمزية التي نظمها أهل الإسكندرية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالتزامن مع تشييعه في القاهرة (الجزيرة)

كما تم العثور على صور للجنازة الرمزية التي أقيمت للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الإسكندرية بالتزامن مع تشييع الجثمان في القاهرة، بالإضافة إلى صور لحفلات الغناء الخاصة بالفنانة أم كلثوم في الإسكندرية، والتي كانت تشهد حضورا كثيفا من رموز وأبناء المدينة.

إعلان

وكذلك صور للمسارح الصيفية التي كانت تشهدها المحافظة، حيث التقط الجد أحمد بدوي صورا للفنان فريد شوقي خلال أحد العروض المسرحية، وكذلك للفنان محمد نجم.

كما توضح الصور الملتقطة من جانب الجد احتفالية أقامها طلاب خليجيون من قطر والكويت والإمارات، ضمن فعاليات كانوا يحرصون على إقامتها عبر لجنة للنشاط أسسوها خلال فترة دراستهم بجامعة الإسكندرية.

صورة من استقبال شعبي لابطال "الكتيبة 603" أمام محطة مصر في الإسكندرية عقب موقعة كبريت في حرب أكتوبر 1973 (الجزيرة)معرض مفتوح

لا يفضل المصور الشاب عبد العزيز بدوي أن تعود الصور إلى الحبس مرة أخرى، أو أن تكون قاصرة فقط على أنشطة الباحثين أو الدارسين، إذ يتمنى أن تكون متاحة أمام الجميع لمشاهدتها عبر أنشطة شعبية. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعله غير متحمس لعرض قدمته إدارة مكتبة الإسكندرية للحصول على الصور ووضعها ضمن مشروع "ذاكرة مصر المعاصرة".

ويقول عبد العزيز "عقب ترميم بعض الصور بمجهود شخصي، قمت بمساعدة أصدقاء بإقامة معرض مفتوح في شوارع وأزقة منطقة كوم الدكة القديمة بالإسكندرية، حيث يوجد الاستوديو"، ويضيف "فوجئنا بعدها بتفاعل كبير مع المعرض من سكان الحي، الذين أخذوا يدققون في الصور على أمل التعرف على ذويهم وأجدادهم".

صورة أخرى من استقبال أبطال "الكتيبة 603" امام محطة مصر في الإسكندرية عام 1974 (الجزيرة)

ويحكي المصور الشاب عن أحد المواقف المؤثرة حينما وقفت إحدى المسنات أمام صورة في فرحة كبيرة، وأشارت إلى شخص يظهر فيها قائلة إنه نجلها الأصغر الذي استشهد في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

وبينما لا يزال الجزء الأكبر من هذا الكنز البصري ينتظر الترميم والفهرسة والكشف عن محتوياته، يأمل عبد العزيز بدوي أن يتحول المشروع مستقبلا إلى أرشيف مفتوح ومعارض عامة تتيح للباحثين والمهتمين وأبناء الإسكندرية الاطلاع على صفحات نادرة من تاريخ مدينتهم، وحفظها للأجيال القادمة قبل أن يطويها النسيان من جديد.

مقالات مشابهة

  • تعديل وزاري في اليمن..امرأة تتولى «حقيبة الخارجية» لأول مرة في تاريخ البلاد
  • أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
  • خانقاة الأمير شيخو العُمَري.. تحفة معمارية تتلألأ في قلب القاهرة التاريخية
  • في ختام ملتقى «خيال الظل الأول».. تكريم سعيد أبو رية ودعوات لإنشاء متحف متكامل للدمى التاريخية
  • عمرو وهبي: إذا كانت رخصة الزمالك سليمة فلماذا يُثار الجدل حولها؟
  • تحت وطأة الحر الشديد.. وفاة طالب بـ«كلي الطب» في قاعة الامتحان ومطالب بتحقيق عاجل
  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • حرائق كل 5 دقائق.. تفاصيل موجات الحر التاريخية فى تونس والجزائر