عبد الخالق محجوب عن معارضة الإثارة ومعارضة النهضة
تاريخ النشر: 4th, December 2024 GMT
عبد الله علي إبراهيم
أكثرت مؤخراً من الدعوة للتمييز بين "معارضة المقاومة" التي هي إثارة طبعت المعارضة في عهدي نميري والبشير بصورة خاصة و"معارضة النهضة". ولم يكسد سوق ثورات التغيير إلا لأن مقاومتها لم تتطلع لأبعد من تغيير النظام. وأذكر من كان يقول لي والله كتابتك الكتيرة دي لا جدوى منه. خلينا نسقط ولاد الكلب ديل وكل شيء يترتب في وقته.
أعرض هنا لأول من عرفت عنه التمييز بين معارضة الإثارة ومعارضة النهضة وهو استاذنا عبد الخالق محجوب. قلت:
كان عبد الخالق محجوب هو أول من ميز بين معارضة الإثارة ومعارضة النهضة. والمراد بالأولى هي التي عبأت نفسها لإسقاط النظام القديم بينما معارضة النهضة هي التي لا تنهض بمعارضة هذا النظام فحسب، بل لا تدخر طاقة أيضاً في اصطفاء رؤية للنظام العاقب تهد النظام الحكم وبنيته الاجتماعية والاقتصادية في برنامج واحد.
جاء ذلك عن عبد الخالق محجوب في تقرير اللجنة المركزية لمؤتمر الحزب الشيوعي الرابع في 1967 الذي صدر في 1967 بعنوان "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" في الباب الثاني من الجزء الثاني من الكتاب. فلم يَحُل الدور الاستثنائي للحزب الشيوعي في معارضة نظام الفريق عبود من يأخذ طبيعة تلك المعارضة ومحدوديتها بالشدة. فعرض لنواقص في العمل الشيوعي خلال فترة حكم عبود لم تجعل من الطبقة العاملة وحلفائها قيادة تحمل الثورة المنتظرة إلى تغيير ما بنا. ولما لم ينجح الحزب في مهمته في تعزيز قيادة الطبقة العاملة للتغيير نهضت البرجوازية الصغيرة بذلك الدور. وهي طبقة كما رأينا في الثورة الأخيرة لم ترق رؤيتها للتغيير للنفاذ بالزلزلة إلى تراكيب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية التي تنتج النظام القديم وتعيد إنتاجه.
فذكر عبد الخالق تحركات جماهيرية جرت في صيف 1964 (منها فرض العمال استعادة اتحادهم وانتخاب الشفيع أحمد الشيخ زعيماً له) قال إنها بشرت بارتفاع جديد في مستوى نضال الشعب تؤذن بالارتقاء للإطاحة للنظام بثورة وطنية ديمقراطية. وهي الثورة الرهينة بالطبقة العاملة إلا أن بقية الجماهير لم تصل يومها إلى ذلك المستوى من تغيير الأوضاع لأن "الجو العام كان ما يزال محبوساً في إطار الخلاص من الديكتاتورية العسكرية والرغبة في التخلص منها".
ومع الدور المميز للحزب في جبهة الهيئات (التي كانت قيادة ثورة أكتوبر) إلا أن قيام تلك الجبهة نفسه، في قوله، "كان في قاعه يعبر عن تطلع الأقسام التي تقدمت الإضراب (مثقفي البرجوازية الصغيرة) لإيجاد قيادة لهم تعبر عن مطامحهم. كان يعبر عن حقيقة أن هذه الأقسام لم تكن ترى موضوعياً في تنظيمات الطبقة العاملة معبراً عن أمانيها", 128-129. وكان ذلك نقصاً مشهوداً في عمل الحزب الشيوعي الذي لم يترق بمعارضته من الإثارة للنهضة. فواجه الحكم العسكري بشرف، ولكنها مواجهة قاصرة. قال عبد الخالق كان على الحزب الشيوعي أن يواجهه "لا بوصفه ديكتاتورية عسكرية، بل بوصفه نظاماً طبقياً أداته العسكرية". وشتان. فسقوط النظم الديكتاتورية مثنى وثلاث كان حظنا من ثورتنا الإثارية التي لم نبلغ بها النهضة التي لا تقوم إلا على رؤية تتقحم تراكيب المجتمع فتقضي على وحش النظام التقليدي في قاعه جملة لا رأساً بعد رأس.
ibrahima@missouri.edu
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: عبد الخالق محجوب
إقرأ أيضاً:
نصر الله والفتح يقتربان جدًا من صنعاء
الحقيقة أن صنعاء أحرص من أيّة عاصمةٍ عربيةٍ أخرى على تجنب المواجهة مع أيّة دولةٍ في المنطقة، إلا أن الشقيّة الكبرى لم تترك لها خيارًا آخر؛ فبعد 12 عامًا من العدوان والحصار المستمر من قبل النظام السعودي على الشعب اليمني لا يزال هذا النظام المجرم مُصرًّا على استمرار هذا العدوان والحصار.
هذا النظام السعودي المتصهين لا يؤمن بالسلام ولا بالإسلام ولا بالعروبة ولا بحق الجوار، ولا يدرك معاناة أكثر من ثلاثين مليون عربي مسلم في اليمن جراء حصاره وعدوانه المستمر عليهم، لا يدرك أنه قتل عشرات الآلاف منهم دون وجه حق خلال السنوات الماضية، ودمر ممتلكاتهم العامة والخاصة بنصف مليون غارة، وقطع أرزاقهم وحرمهم من ثرواتهم النفطية والغازية، وعزلهم عن المنطقة والعالم خلال 12 عامًا.
هذا الطغيان والإجرام الذي ارتكبه النظام السعودي في اليمن لا نظير له تقريبًا، أربع سنوات من الهدنة وخفض التصعيد والنظام السعودي يراوغ ويماطل ويتهرب من تنفيذ الاتفاق الذي توصل إليه مع اليمن برعاية أممية وعمانية.
لا شك أن هذا النظام الأرعن لا يزال يراهن على الأمريكيين والصهاينة، وينتظر القضاء على محور الجهاد والمقاومة، ويتحين الفرصة المناسبة للانقضاض على صنعاء، وهذا ما تدركه بوضوح كافة القبائل اليمنية والقيادة الثورية والسياسية وقواتنا المسلحة، والآن أمام النظام السعودي فرصة أخيرة لتجنب هزيمة تاريخية مدوية، وذلك من خلال إثبات حسن نواياه تجاه اليمن، والاستجابة الكاملة لمطالب الشعب اليمني المحقة والعادلة، والمبادرة فورًا إلى رفع الحصار، وإعادة الأعمار، وتعويض الأضرار التي ألحقها باليمن أرضًا وإنسانًا.
ويبدو أن ذنوب هذا النظام المجرم بحق الشعب اليمني وبقية شعوب الأمة والمنطقة، قد سلبت بصره وبصيرته، وأفقدته وعيه وتوازنه، وصار يتصرف كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وأن الله سبحانه وتعالى قد أذن بزواله من المنطقة، لذلك لم يستفد من الدروس السابقة التي تلقاها في اليمن خلال السنوات الماضية، ولم يتعلم من هزيمة الأمريكيين والصهاينة في البحر الأحمر، ولم يستوعب هزيمة كيان العدو الصهيوني والنظام الأمريكي أمام الشعب الإيراني، ولا يشاهد الحشود المليونية التي تخرج كل يوم في الساحات والميادين اليمنية، ولا يقرأ رسائل القيادة والقبائل والقوات المسلحة.
وأجزم أن مستوى التدريب والتأهيل الثقافي والعسكري الذي تلقاه الشعب اليمني خلال السنوات الماضية، يمكنه من تحرير الجزيرة العربية من كافة الأنظمة العميلة التي تأمرت على الأمة، وجلبت الأمريكيين والصهاينة إلى المنطقة، وأذاقت شعوبها لباس الجوع والخوف خلال العقود الماضية.
فإذا بدأت المواجهة -وهي قد بدأت فعلاً- وارتكب النظام السعودي أيّ حماقة جديدة في اليمن؛ فلن يكتفي الشعب اليمني بمطالبه المعلنة، ولن يخرج من المعركة قبل إزالة النظام السعودي من الخارطة؛ فالشعب اليمني قد حمل على عاتقه منذ العدوان الصهيوأمريكي على غزة، الدفاع عن الأمة والمنطقة، وقيادة الفتوحات الإسلامية القادمة.
هذه الفتوحات العظيمة لم تحدث سابقًا إلا بعد فتح مكة، ولن تحدث لاحقًا إلا بعد فتح مكة والمدينة، وإسقاط الأوثان الصهيوأمريكية في الجزيرة العربية، وسقوط النظام السعودي المجرم لن يكون كسقوط غيره من الأنظمة العميلة، بل سيكون سقوطًا لكافة المؤامرات والمخططات والمشاريع الأمريكيين والصهاينة ضد الأمة، وهذا ما أخذته القيادة والقبائل والقوات المسلحة اليمنية على عاتقها خلال المواجهة القادمة مع الأسرة الملعونة، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، (هود: 102).
*أمين عام مجلس الشورى