عن شرق الأحرار وشرق الارتهان والعبودية
تاريخ النشر: 5th, December 2024 GMT
من الطبيعي أن يكون الصمت العربي والدولي الذي قوبلت به حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها العدو الصهيوني في قطاع غزة، والتي جاءت بموافقة أنظمة إقليمية ودولية، ولكل طرف أهدافه التي يتطلع إلى تحقيقها على حساب الدم العربي والقضية الفلسطينية؛ صمت قوبل برفض محور المقاومة الذي تحرك منذ اللحظات الأولى داعما ومساندا لأبطال معركة ( طوفان الأقصى)، وكانت لبنان -حزب الله -واليمن -أنصار الله – والعراق _الحشد الشعبي – وسوريا الراعية والداعمة وحلقة الوصل التي ربطت المقاومة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، هذه البلاد الإسلامية التي وجد عندها المقاومون الملاذ والداعم المادي والمعنوي منذ قررت أنظمة الارتهان العربي التخلي عن فلسطين الثورة والدولة والقضية والمقاومة والحقوق تحت يافطة (مبادرة الاستسلام العربية).
أقول أن الصمت العربي الرسمي والصمت الدولي قد شجعا الكيان الصهيوني وأمريكا والغرب وبالتواطؤ مع أنظمة المنطقة إلى الذهاب بعيدا في تخيلاتهم في إمكانية استغلال اللحظة في تأسيس (شرقهم المزعوم) الذي يلبى أحلام وتطلعات الصهيوني (شمعون بيريز) وكيانه اللقيط، كما يلبى رغبات وتطلعات واشنطن التي يتأكل نفوذها الجيوسياسي على حساب تنامي نفوذ قوي دولية صاعدة أبرزها روسيا الاتحادية والصين الشعبية والجمهورية الإسلامية الإيرانية اللاتي برزن كقوي إقليمية حليفة لأقطاب دولية نافذة، فمع تهشم مخطط أمريكا والغرب في أوكرانيا، وجدت واشنطن نفسها وكيانها وحلفاءها وجدو أنفسهم مجبرين على خوض حرب وجودية في الوطن العربي انطلاقا من غزة التي خاضت وتخوص حربا إجرامية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، وبعد أن استعصى على الكيان وحلفائه من تحقيق انتصار يذكر، وبعد عام من حرب وحشية ودمار وجرائم إبادة جماعية وسط إدانة واستنكار شعبي عالمي، كان لابد من قيام العدو بعملية إجرامية غير تقليدية، وهي المضي قدما في استغلال هذا التواطؤ العربي والدولي الرسمي على جرائمه، فاتجه نحو لبنان وحزب الله في واحدة من ابشع الجرائم التي قام بها العدو، اتجه نحو لبنان على أمل فصل وحدة الساحات بعد أن ايقن أن ثبات المقاومة في غزة وإسناد المحور لها وخاصة حزب الله وقائده السيد حسن نصر الله القائد العربي المسلم الأعظم الذي رحل في هذا القرن شهيدا من أجل فلسطين، كانت الضربة التي وجهت لحزب الله قاسية ومؤلمة ومربكة، لأن استشهاد أمينه العام اربك ليس الحزب بل كل أحرار العالم وشعوب العالمين العربي والإسلامي، كان اغتيال قادة حزب الله وفي المقدمة أمينه العام، وذاك الدمار غبر المسبوق الذي تعرضت له ضاحية بيروت ومدن وقرى وبلدات الجنوب اللبناني، فعل صهيوني يندرج في سياق استراتيجية (الصدمة والرعب) كاستراتيجية مقدمة لأخرى تليها تحت عنوان (استراتيجية الفوضى الخلاقة)..
نجح المخطط الصهيوني في استهداف قيادة حزب الله، لكنه لم ينجح في تجريد الحزب من عتاده العسكري، كما لم ينجح في إيقاف الإسناد اليمني أو الحد منه وكذلك الحال في العراق، والأمر ذاته يتصل بالحالة العربية السورية، وبعد تبادل هجمات الفعل ورد الفعل بين أصحاب (شرق الارتهان والتبعية والعبودية) وأصحاب (شرق الأحرار) الذين امتصوا ضربات ( المحور الصهيوني) الذي وجد نفسه أمريكيا في مرحلة انتقالية بعد فوز (ترامب) في الانتخابات وإخفاق إدارة (بايدن) في إنجاز مهام جيوسياسية في أوكرانيا وبحر الصين وفي العديد من المناطق الملتهبة في العالم وخاصة في منطقتنا المشتعلة والتي عجزت واشنطن جديا في تطويعها وتحقيق حلمها وحلم الصهاينة بالشرق المزعوم المراد الوصول اليه..
لكل ما سلف وبعد أن أجبر الكيان قهرا وقسرا وعنوة على القبول بوقف اطلاق النار في لبنان، وهو قبول دافعه الإخفاق صهيونيا وأمريكيا، وبعد أن ادركوا أن استهداف قادة حزب الله لم يحقق لهم غايتهم، وبعد إخفاقهم في استهداف إيران بالطريقة التي يحلم بها الصهاينة، فكان من الطبيعي أن تكون سوريا مسرحا لتوزيع رسائل إقليمية ودولية، فتم الايعاز لعملائهم من الجماعات الإرهابية والتي يعترف العالم بأنها جماعات إرهابية بما في ذلك الدول التي تحركها وتمولها وفي مقدمتها الكيان الصهيوني وأمريكا وأنظمة (العمالة العربية) التي تشارك بفعالية في إيجاد (شرق التبعية والعبودية والارتهان) ليكون العصاء التي تتكي عليه واشنطن من السقوط. وفي هذا السياق تأتي خطوة العصابات الإرهابية المكلفة بإرباك المشهد على طريقة _إذا أردت أن تحل أزمة وسعها، _والصهاينة وأمريكا وأتباعهم في المنطقة والعالم يعيشون أزمة وجودية غير مسبوقة، تماما كما يواجه محور المقاومة استهدافا غير مسبوق، ويمكن التوقف أمام توقيت تحرك العصابات الإرهابية التي لم تكلف نفسها تسجيل ولو مجرد موقف مما يحدث في فلسطين من حرب إبادة منذ أكثر من عام، بل احتفلوا ورقصوا حين بلغهم نبأ استشهاد سيد الشهداء على طريق القدس السيد حسن نصر الله الذي سقط وهو يدافع عن فلسطين وعن أهل (السنة) إن كانوا يزعمون انهم كذلك، مع انهم من أهل (الصهيونية) ولا علاقة لهم لا بدين ولا بمذهب..؟
توقيت هذا التحرك الإجرامي جاء بعد أن أجبرت أمريكا وكيانها على قبول وقف إطلاق النار في لبنان والتصعيد في غزة من قبل المقاومة وبعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي باعتقال كل من رئيس وزراء الكيان ووزير دفاعه في سابقة غير معهودة كانت ولاتزال صادمة للكيان وأمريكا، وبعد تقدم القوات الروسية في أوكرانيا، وتزامنا مع بدء حوار أوروبي _إيراني عقب إعلان طهران إعادة النظر بعقيدتها النووية، وأيضا مع تعهد صنعاء وبغداد بمواصلة إسناد المقاومة في غزة وكل فلسطين مع ما يعني هذا من استنزاف لقدرات العدو، وتزامنا مع كل هذا جاء تحرك العصابات الإرهابية في سوريا العروبة، ويدرك من حركها انه يفعل هذا لمجرد رغبته في إرسال رسائل سياسية وجيوسياسية، وان هذا التحرك غير مجدٍ، وان محور المقاومة ليس مجرد محور ( انتهازي) تتعدد أهداف أطرافه، ولكنه محور عقائدي مبدئي ثابت لا يوظف مواقفه لتحقيق أهداف ذاتية رخيصة على غرار التحالف الآخر الذي تقوده واشنطن الراغبة في تطويع وامتهان واستعباد شعوب المنطقة بعد أن تمكنت من تطويع واستعباد أنظمتها والهدف هو سرقة ثروات المنطقة والسيطرة عليها باعتبار ثروات المنطقة الشريان المحرك لاقتصاد واشنطن المنهار، ولقطع الطريق أمام مشروع طريق الحرير الصيني وأمام النفوذ الجيوسياسي لروسيا الاتحادية، ولمنع بروز نظام دولي جديد متعدد الأقطاب الذي ولد فعلا، وهو من اجبر المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الكيان الصهيوني بعد أكثر من عام من بدء حرب الإبادة بحق الشعب العربي في فلسطين التي أودت بأكثر من مائة ألف شهيد غالبيتهم نساء وأطفال وشيوخ ومدنيين عزل فيما المقاومة تواصل عملياتها دون تأثير.. والأسباب ذاتها من أجبرت فرنسا على الهرولة نحو لبنان.
ما جرى في سوريا أيضا متصل برغبات إقليمية ودولية مركبة، وتختلف أهداف الأطراف الراعية للإرهاب في سوريا التي يتداخل فيها الصهيوني مع التركي، مع الأمريكي، مع الخليجي المتعدد الغايات..
نعم الأطراف الخليجية تتعدد أهدافها في سوريا ومعهم النظام المصري أيضا، فالسعودية تريد قطع علاقة النظام في دمشق مع إيران وهذه رغبة تتماهي مع رغبة الكيان الصهيوني ومصر وأمريكا، فيما قطر تريد السيطرة على ثروات سوريا وتنافسها في هذه الغاية الإمارات وهما معا وكلاء في هذا الجانب عن أمريكا التي نصبت قواعدها في شمال سوريا بزعم دعم الأكراد، والحقيقة هدف أن واشنطن هو ( الغاز والسيلكون) الذي كشفت مصادر علمية موثقة أن (السيلكون) في شمال سوريا يكفي العالم لقرنين من الزمن، بعد أن تم استنزاف هذه المادة في أمريكا والهند..؟!
على خلفية كل هذه التداعيات التراجيدية قد لا نستبعد استهداف اليمن وتحريك مرتزقة أمريكا وعملائها بهدف فك الحصار عن موانئ الكيان الصهيوني..؟!
وأيضا لا نستبعد قيام الكيان باستهداف العراق والهدف من كل هذا هو فك الروابط بين مكونات محور المقاومة وتدمير جسور تواصلها وفرض شرق التبعية والعبودية والارتهان الذي تتطلع إليه أنظمة ( العمالة العربية) التي وقفت صامتة أمام إبادة الشعب العربي في فلسطين وراضية كل الرضا بل وممتنة للصهاينة والأمريكان لما يقوموا به في فلسطين رغم التصريحات الزائفة والكاذبة التي تطلقها أنظمة العمالة العربية للتضليل وخداع جماهيرها التي لا تزل تصدق أن حكامها عرب ومسلمون..؟!
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.