مع كل دورة من دورات التاريخ، تظهر لحظة تحمل في طياتها زخمًا قد يُعيد تشكيل الملامح السياسية والاجتماعية للأمم. يبدو أن ما نعيشه اليوم هو بداية "ربيع عربي جديد"، ينطلق من تحت رماد الإحباط والانكسار الذي خلفته موجة الثورات الأولى. لكن هذا الربيع الجديد يختلف عن سابقه؛ فهو يستند إلى وعي شعبي أعمق، ورغبة جارفة بتجاوز لحظة الاحباط والإنكسار، وبنية أكثر صلابة، وتجربة تراكمية تتيح استثمار اللحظة التاريخية الراهنة.



من ثورة 2011 إلى "ربيع حلبي جديد"

شهدت سوريا وبقية دول الربيع  في 2011 ثورات عربية هزت عروش الأنظمة الاستبدادية، واسقطتها في دول اخرى، لكن تلك الموجة لم تحقق اهدافها في الجولة الأولي، لأسباب متعلقة ببنية الفواعل التي تبنت الثورة، أو التحديات الجمه التي واجهتها، أهمها تحالف الاستبداد المحلي، والدعم الإقليمي والدولي مع الاستبداد، وزج المنطقة بحرب طائفية كانت إيران ومليشياتها رأس حربتها.

اليوم بعد عقد من الزمن، تغيرت فيه الكثير من المعطيات، وبرزت العديد من التطورات، أبرزها ربما الانقلاب في مصر، وحدث ٧ أكتوبر في غزة، وحرب لبنان الأخيرة التي قصت أهم أذرع إيران في المنطقة، ما بجعلنا أمام مشهد مختلف، في سوريا، تحديدًا في حلب، والمنطقة العربية، يتجدد الحراك الشعبي في ظل ظروف محلية وإقليمية أكثر هشاشة للنظام وحلفائه.

نحن أمام لحظة فارقة في مسار الحرية العربية. ما يحدث في سوريا، وخاصة في حلب، ليس مجرد حراك شعبي آخر، بل هو بداية "ربيع حلبي جديد" قد يشكل شرارة لموجة ثانية من الثورات العربية.اليوم يبدو الأمر مختلف علي الأرض فالنظام السوري، الذي أبدى في العقد الماضي صلابة مدعومة بتحالفاته مع إيران وروسيا وبالمال السياسي العربي، يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. داخليًا، يعاني النظام من انهيار اقتصادي وانقسامات داخلية ، أما حلفاؤه، فقد باتوا غارقين في أزماتهم الخاصة؛ ويواجهون خطر خسران كل مكاسبهم الاستراتيجية في المنطقة، فإيران تواجه احتجاجات داخلية وضغوطًا دولية خانقة، وروسيا منهكة بحربها في أوكرانيا، بينما المال السياسي العربي يعاني من تحديات اقتصادية تقلل من فاعليته.

لكن التغيير الحقيقي لا يأتي فقط من هشاشة الأنظمة، بل من الوعي الجديد الذي بدأ يتشكل بين الشعوب.

معركة وعي جديدة

ثورات 2011 كانت موجة عاطفية، عبّرت عن توق الشعوب للحرية والكرامة. أما اليوم، فإننا أمام حركة أكثر نضجًا ووعيًا. الشعوب لم تعد تطالب بإسقاط الأنظمة فقط، بل تسعى لبناء دول جديدة على أسس الحرية والشراكة والعدالة. أدرك العرب أن الاستبداد ليس ظاهرة محلية، بل هو جزء من شبكة محمية بالمال السياسي العربي والدعم الإيراني.

هذا الإدراك جعل الثورات اليوم أكثر تركيزا ووضوحا في أهدافها. لم تعد المقاومة مجرد رد فعل على قمع محلي، بل أصبحت رأس حربة لمشروع عربي أوسع يسعى لاستعادة السيادة الشعبية ومواجهة التحالفات التي تعيق تطلع الشعوب للحرية ، معركة اصبح خصومهم الاقليمين والدوليين اكثر وضوحا، الاعتماد علي الذات ، وادارة التعايش الداخلي السياسي والفكري اكثر استراتيجية ، بل وعيا وجوديا لنجاح الثورة.

الكتلة الصلبة للثورات.. رأس الحربة

في حلب اليوم يتجلي قانون التغيير التاريخي ، ففي قلب هذا التحول الجديد، توجد “الكتلة الصلبة” للثورات، التي تشكلت من رحم شعب سوري المنفي قسرا ،  التواق لوطنن ، لذكريات الطفولة في أزقة الحواري وساحات المدن ، هذه الكتلة ليست مجرد تنظيم سياسي أو تيار فكري، بل هي حركة اجتماعية متجذرة في الواقع، تمثل امتدادًا مباشرًا لمصالح الفئات الأكثر تضررًا من الاستبداد.

ما يميز هذه الكتلة هو تنوعها؛ فهي تجمع بين الإسلاميين، والليبراليين، والمستقلين، ما يجعلها قادرة على تمثيل طيف واسع من الشعوب. إضافة إلى ذلك، تراكمت لديها خبرة سياسية وتنظيمية عميقة من خلال سنوات من المقاومة والصمود تحت ضغط لا مثيل له.

الكتلة الصلبة التي قادت المقاومة في سوريا أصبحت اليوم رأس حربة لهذا المشروع الجديد. نجاحها يعتمد على قدرتها على استثمار هذه اللحظة التاريخية بحكمة وصبر، وتصحيح أخطاء الماضي، وبناء مستقبل يرتكز على الحرية والشراكة الحقيقية.لكن التحدي الأكبر أمام هذه الكتلة هو الحفاظ على وحدتها، وتجنب الوقوع في الفخاخ التي أعدتها الأنظمة وحلفاؤها، سواء من خلال الإغراءات المالية أو إثار ة الانقسامات الأيديولوجية.

مطالبة هذه الكتلة وقياداتها، تقاسم المغانم والمغارم، تحديد مناطق ومناصب التأثير في صنع القرار، ادارتها بحيادية وحنكة وتشارك، فإدارة مخاوف الشركاء تحدي كبير، بحاجة لمرونة، وتضحية. فمرحلة البناء اشد اختبار من مرحلة الثورة نفسها.

في عمق مفتاح التوازنات الإقليمية 

حلب ليست مجرد مدينة عادية، بل هي مفتاح البداية والنهاية في المشهد السوري المعقد. عندما استعاد النظام السوري السيطرة على حلب، أعلن بشار الأسد قائلاً: "الآن يبدأ التحرير"، في إشارة واضحة إلى رمزية المدينة كمعقل استراتيجي ونقطة انطلاق لأي مشروع سياسي أو عسكري.

تمثل حلب مفترق طرق حيوياً بين الطموحات الإقليمية والدولية، فهي ليست فقط على تخوم العمق الاستراتيجي التركي في الشمال السوري، بل تشكل ساحة صراع مفتوحة بين المصالح الإيرانية والتركية. بالنسبة لإيران، حلب ليست مجرد مدينة، بل خط دفاع أول عن نفوذها في سوريا وساحة متقدمة لمواجهة خصومها الإقليميين. لهذا السبب، من المتوقع أن تزيد طهران دعمها للفصائل الموالية لها في سوريا، مع احتمال الاستعانة بوكلائها في العراق ولبنان لتعزيز موقفها أو إرسال رسائل إقليمية واضحة عند الحاجة.

تركيا بدورها تنظر إلى حلب كعنصر رئيسي في أمنها القومي، حيث لا يمكنها تجاهل أي تغيير في المعادلة هناك دون رد. وفي المقابل، سيكتفي الأوروبيون بالمراقبة الحذرة للتطورات على الأرض، مع استمرار دعمهم المحدود عبر منظمات المجتمع المدني، الذين يمثلون خط الدعم الأساسي بالنسبة لهم في هذه المرحلة.

لكن في النهاية، تبقى قوة الثورة وتماسكها العامل الحاسم في رسم معالم المستقبل الحلبي. فالثوار وحدهم قادرون على تحديد كيفية مواجهة هذه التدخلات المتشابكة، وتوجيه المسار نحو تحقيق تطلعات الشعب السوري، مهما كان حجم التحديات.

استراتيجية استثمار اللحظة الثورية

لتحقيق الأهداف الكبرى للحرية والشراكة، تحتاج الكتلة الصلبة إلى استراتيجية عمل طويلة الأمد، تستند إلى محاور رئيسية:

ـ  تعريف الكتلة الصلبة الثورية ، ما هيتها الحالية ، وهذا مهم في ظل الضخ الاعلامي التابع لايران ، الذي يستغل مرحلة تاريخية لبعض الفصائل والقيادات لتشوية الثورة وقيادتها ، وهذا امر يجب ان يكون واضحا.

ـ  بناء مشروع سياسي جامع اي أن تتحول الكتلة الصلبة إلى حاضنة لمشروع وطني يركز على إعادة بناء الدول، وليس فقط إسقاط الأنظمة. يتطلب ذلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية وضمان حقوق الجميع، بما في ذلك الأقليات والفئات المهمشة.

ـ استخدام الأدوات الناعمة للإعلام الجديد لتجاوز الهيمنة الإعلامية التقليدية باستخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي وتنظيم الحراك.

ـ إيجاد بدائل اقتصادية تدعم الحراك بعيدًا عن المال السياسي الخارجي.

ـ صياغة خطاب دولي جديد يركز على قضايا العدالة وحقوق الإنسان والتنمية ، واشراك كل السورين بالخارج للعمل وفق محدداتها " الدبلوماسية الشعبية"

إعادة تعريف مفاهيم مثل “الاستقرار” و”السيادة” و”الأمن” التي يستخدمها الاستبداد لتبرير وجوده، وتحويلها إلى أدوات تُحفز الحراك الشعبي.

ـ تحالفات جديدة واسعة لتجاوز العزلة الدولية من خلال بناء شراكات مع قوى عالمية وشعبية تدعم حقوق الإنسان وتطلعات الشعوب، سواء داخل العالم العربي أو خارجه.

التغيير لن يكون سريعًا أو مفاجئًا. النجاح يعتمد على التراكم التدريجي للإنجازات، واستثمار كل فرصة لإضعاف الأنظمة وتقوية الشعوب.

ختامًا.. لحظة تاريخية جديدة

نحن أمام لحظة فارقة في مسار الحرية العربية. ما يحدث في سوريا، وخاصة في حلب، ليس مجرد حراك شعبي آخر، بل هو بداية "ربيع حلبي جديد" قد يشكل شرارة لموجة ثانية من الثورات العربية.

الكتلة الصلبة التي قادت المقاومة في سوريا أصبحت اليوم رأس حربة لهذا المشروع الجديد. نجاحها يعتمد على قدرتها على استثمار هذه اللحظة التاريخية بحكمة وصبر، وتصحيح أخطاء الماضي، وبناء مستقبل يرتكز على الحرية والشراكة الحقيقية.

هذا الربيع لن يكون سهلًا، لكنه يحمل في طياته الأمل، والأهم، العزيمة التي اكتسبتها الشعوب من سنوات طويلة من الألم والصمود.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا سوريا سياسة رأي تحولات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هذه الکتلة فی سوریا فی حلب

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • أبرز المباريات العربية والعالمية اليوم الأربعاء
  • فرنسا تشهد الربيع الأكثر حراً على الإطلاق
  • “الأحرار”: ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب
  • ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • أساطيل الحرية في مواجهة الاحتلال.. مجلة أمريكية تستعرض تاريخ الاعتراضات
  • سعر الريال مقابل الجنيه المصري والعملات العربية اليوم الثلاثاء 16-12-1447
  • هشام الحلبي: الحروب القادمة ستكون ذكاء اصطناعي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟