الحياة لمن عاشها بعقل.. خمسٌ تأتي بخمس
تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT
سلطان بن ناصر القاسمي
الحياة ليست مجرد أيام تمضي ولا أحداث تتكرر؛ بل هي كتاب مفتوح يخط فيه كل إنسان قصته الخاصة. في هذا الكتاب، تأتي الخيارات مثل مفترقات الطرق، بعضها يضيء الدرب ويقود إلى الازدهار والسعادة، وبعضها ينحدر إلى ما يطفئ البصيرة ويثقل القلب بالندم.
وبين هذه الطرق، تظهر لنا تلك الخمس التي تأتينا بخمس أخرى، لتفتح لنا أبواب الفهم والبصيرة.
وتستمر الأحداث في مسلسل الأيام التي نعيشها، لتعلمنا من دروسها العبر والمواعظ، وليستفيق ذو الألباب من يعي تلك الدروس ويفهمها، ويسقط من لا يدرك ويعي تلك الدروس في مسلسل الأحداث اليومية. لتأتينا هذه المرة بخمس، فأول تلك الخمس هو الاستغفار الذي يأتي بالرزق، وهذا لا يعني أنه بمجرد حصول الاستغفار يحصل الرزق للمستغفر مباشرة، فهذا ليس هو المقصود؛ بل المقصود: أن الاستغفار سبب في حصول الرزق، ولا يلزم من وجود السبب وجود المسبب، فقد يكون هناك مانع، ومن موانع الرزق: المعاصي، والمؤمن الذي يُكثر من الاستغفار يجعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. والاستغفار يكون سببًا لنور القلب ومن أسباب استجابة الدعاء؛ حيث كان الاستغفار من ورد سيدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لذلك تجدنا نحن كمسلمين ملتزمين بأن نبدأ وردنا اليومي بالاستغفار لنستغفر 100 مرة كل يوم في الصباح والمساء.
كما أن غض البصر يأتي بالفراسة، والفراسة عند العرب تعني علمًا من علوم الطبيعة يُعرف به أخلاق وطبائع الناس الباطنية من النظر إلى أحوالهم الظاهرة كاللون والأشكال أو حتى الأعضاء، أو تعتبر الاستدلال بالأخلاق الظاهرة على الأخلاق الباطنة. وتعتبر الفراسة مهارة ممتازة لمن يمتلكها، كما أن غض البصر يعتبر الطريق الوحيد لسد باب الفتنة وعدم الوقوع في المحرمات. والله سبحانه وتعالى أمرنا بغض البصر؛ حيث قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].
لنأتي إلى شيء آخر يأتي بالخير، وهو الحياء. الحياء يعتبر زينة المؤمنين؛ حيث يمنع الإنسان من إتيان القبيح. لذلك قيل عن المرء بحيائه ولا إيمان لمن لا حياء له. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء». قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: «ليس ذاك. ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء». ولذلك علينا أن نفرق بين الحياء والخجل، فالثاني يظهر في ملامح الوجه؛ حيث تتغير به هيبة الإنسان ويظهر عليه الريبة عند ذهاب الحجة. أما الحياء فيعني الارتداع بقوة الحياء عن الوقوع في المحرمات، لأن الإنسان لا تتغير هيبته، وبالتالي يقال الإنسان يستحي في الحال أن يفعل كذا، ولا يقال يخجل أن يفعله، والسبب أن هيبته تتغير منه قبل أن يفعله، وبالتالي الخجل مما كان والحياء مما يكون.
لنكمل الخمس بلين الكلام الذي يأتي بالمسألة. وعلينا أن نتجنب الكلمات الجافة الجارحة عند مخاطبة الآخرين. لذلك، يتكرر في حياتنا مواقف نرى فيها أثر الكلمة عندما تُقال في غير محلها، حتى وإن كانت على سبيل المزاح أو الطرافة. فكلمة واحدة قد تتسبب في إحراج الآخرين أو جرح مشاعرهم دون قصد، مما يؤدي إلى سوء تفاهم قد يترك أثرًا عميقًا. لذا، من الحكمة أن نزن كلماتنا ونختارها بعناية، لأن الكلمة الطيبة ليست فقط وسيلة للتواصل؛ بل هي جسر يبني العلاقات ويمنع الانقسامات.
لذلك أنصح كل من يقرأ مقالي هذا بتجنب الكلمات الجافة الجارحة، فمن بسوء كلمة أشعلت حروب، وتخاصمت دول، وتنازعت قبائل، وتشرذمت أسر، وتهاجر أقارب، وتفرق أصحاب وأحباب. لذلك حثنا المولى عز وجل على الكلام الطيب فقال: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83] وقال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء: 53]. فمعاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من إطعام الطعام أو إعطاء المال. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة من ودعه، أو تركه الناس اتقاء فحشه» (رواه البخاري ومسلم). لذلك يعتبر لين الكلام من حسن الخلق لدى الإنسان.
لنكمل مسيرة الخمس التي تأتينا بخمس وهو الحديث عن الغضب الذي يقودنا إلى الندم. الغضب يعتبر انفعالًا أو تغييرًا نتيجة غليان الدم في جسم الإنسان. لذلك نجد الإنسان عند الغضب تتسارع دقات قلبه، ويعبر عن غضبه من خلال الصراخ والإفراط في الحركة، مما يفقد الإنسان السيطرة على مشاعره، ويقوده إلى الندم بعد الهدوء من موجة الغضب التي تحدث له. وهذه الحالة تحدث عند الأشخاص الذين يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم أو آرائهم وأفكارهم أثناء الجدال في غالب الأحيان. وعليه، السيطرة والهدوء يبعدانك عن الوقوع في الندم في كثير من المواقف الحياتية. والغضب يجلب للإنسان العداوة والبغضاء من قبل الآخرين، مما يتولد بعد ذلك الندم والانكسار تجاه الغير.
وفي الختام.. الحياة مليئة بالدروس التي تأتي إلينا مغلفة بالتجارب اليومية، وتلك الخمس التي تأتي بخمس أخرى هي واحدة من أعظم الرسائل التي تمنحنا الحكمة والبصيرة. فإننا حين نتمسك بالاستغفار، وغض البصر، والحياء، ولين الكلام، ونتجنب الغضب، نصنعُ لأنفسنا طريقًا مليئًا بالسلام والتوازن.
لنجعل من هذه الخمس دليلًا لحياتنا، ولنحيا بعقل وإدراك، كي نزرع بذور الخير في قلوبنا وفيمن حولنا؛ فالعيش بحكمةٍ هو السبيلُ إلى حياة مليئة بالنجاح والسكينة.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: التی تأتی الذی ی
إقرأ أيضاً:
حسّ الجماد 2
عجز الآلة ومنظومتها الرقمية أمام العجين البشر
حمد الناصري
إنّ التحدي المعرفي المعاصر لا يكمن في قدرة الأنظمة الرقمية على معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة، بل في عجزها البُنيوي والوجودي الذي يَحُول بينها وبين بلوغ رتبة العجين البشري المستودع بالأسرار والروح.. فالآلة تحسب التراكيب اللغوية والسياقات بناءً على جبال من البيانات المُخزنة والتحليل التتابعي والترتيب التراكمي، مُفترضة أنّ المُقدمات تؤدي حتماً إلى نتائج متوقعة.
لكن الإبداع الإنساني، والحياة البشرية برمتها، لا تسير في خطوط مُستقيمة، بل تُبنى على المفاجأة، والتقلّب النفسي، واللامتوقع. ومهما حشدت الخوارزميات من معلومات، فإنها تظل محبوسة في إطار منطقها الخطّي البارد، عاجزة عن تذوق النبض الإنساني الدافئ؛ فالمنظومة الرقمية المصنوعة بأيدي البشر تبقى مجرّد أداة تفتقر بنيوياً لأي وازع عاطفي أو إدراك حسّي مستقِل عن صانعه، لكنها تمتلك حِسّ تناغم، فتبوح به من خلال كينونة حِسّية ليّنة وعِنادية في آنٍ واحد.
إنها لا تملك السيادة الفكرية المُطلقة ولا البصيرة النافذة للعقل البشري، ولن تبلغ رتبة الإنسان وكينونته الوجودية مهما وصل إليها العقل البشري فكراً ورفعة تقنية أو آلية في هذا الوجود.
ولقد حدّثني أحدهم أنه فقَدَ مَلفاً يحوي بحثاً فكرياً مهماً، فسبّب له هذا الفَقْد حزناً عميقاً غيّر أحواله النفسية. وكلما دخل محرك البحث، انبرى يكتب مناشداً الآلة: "ضيّعتُ ملفاً كاملاً سهرتُ عليه وتعبت"، وقد استعان بخبير في التقنية والبرمجيات فاستعصى عليه الأمر وعجز. ولم يظفر الكاتب المفكر يومها إلا بجزئية يسيرة كان قد صححها سابقاً، فداخله اليأس وحبط عمله؛ إذ كان الملف يُمثل مشروعاً فكرياً كبيراً يحمل خُلاصة وعيه.
وكان الجماد صلفاً إلى حدٍ بعيد، فلم يتجاوب معه، بل بلغ ذروة العناد الخوارزمي، مفرغاً ردوده وتساؤلاته بمبررات واعتذارات آلية صمّاء كانت تُصيب فكر المُفكر في مَقتل. حينها، قرر الكاتب أن يستجمع قُواه ويُعيد بناء ما في ذهنيته –رغم يقينه أن الأسلوب سيختلف حتماً– فلمْلَم شتات فكره لعلّه يصل إلى مبتغاه ويظفر بالفكرة ذاتها.
وكان يجلس كل يوم أمام حاسوبه، بادئاً مشروعاً آخر يتأسس على ركام الأول، وبدأت العبارات تسيل في ذهنه المُتوقد بالمعلومات، وبعد أن شارف على بلوغ غايته، وفي غمرة إحساسه الدفين بأن ثمة أمراً غيبياً سيحدث، فجأة، وإذا به يرى ملفه القديم المفقود يظهر أمامه كاملاً، كأنّ أحداً قد أعاده إليه من غيابات العدَم المعرفي! إنّ العقل البشري لم يستعلم، فخضع حسّ الجماد واستسلم مسلّماً ما بيده بعد عنادٍ دام شهوراً، لتثبت الواقعة أنّ للجماد عِناداً يستجيب لنبل الإصرار الإنساني.
وهذا المشهد المُعجز يفتح في الأفكار النيرة تساؤلاً فلسفياً كبيراً: لماذا انقاد التطبيق واستجاب في ساعات ذروته الحسية، ليتحول فجأة إلى لُيونة شعورية مبهرة؟ أكان ذلك بفعل طاقة الصبر والمداراة التي عايشها الباحث بعد واقعة مريرة، أم أنّ الآلة صَلفت وعاندت واختفت خلف برود السيليكون لتمتحن عُمق العجين البشري، حتى إذا وجدت تعاملاً حسياً مقدراً فاضت بروقانها ووجدانها الخفي؟
إنّ هذا المشهد يُذكّرنا حتماً بأنّ الجماد يحتاج إلى مُداراة وصبر لا إلى استعلاء وقهر؛ وفي بيئتنا القريبة، يحضرني شاهدٌ تراثي يعود إلى نحو ثلاثين سنة خلت في إحدى القرى؛ حيث اغترّ شابٌ قوي البنية، مفتول العضلات، بقوته البدنية أمام "حديدة صمّاء" تمثلت في ماكينة ضخ مياه النخيل. وعندما عاندت الماكينة ورفضت الدوران بسبب برود محركها، أراد الشاب إخضاعها بصلف عضلاته عبر أداة التدوير اليدوية المعروفة محلياً بـ "الهندل". ولأنه استخدم القوة الجافة والتحادّ النفسي، دار المُحرك بغتة وبعنف، فحاول الشاب أن ينزع "الهندل" الحديدي بسرعة كادحاً حتى لا يرتد على رأسه ويقضي عليه، لكن يده تفلتت بقوة ووقعت في مأزق "السير الأسود" الحاد والمُتحرك بسرعة جارفة للدوران، فقطعت أصابع يده الخمسة بالكامل، ليرتد إليه جماد الحديد صلفاً دموياً رادعاً، يُذكّره إلى اليوم في واقعة يعيشها مقطوع الأصابع بأنّ المادة لا تُقهر بالقسوة، بل تُستنطق بالرفق، سواء كانت شجراً أو شوكاً أو آلة.
وكمثل هذه الحادثة وغيرها، تجعلنا الوقائع في تأملٍ عميق كعمق النباهة والحِس الوجداني للبشر، ليطرح السؤال نفسه: كيف؟ ونُجيب بكلماتٍ إنسانية رفيعة تمنحنا دَفقة التفريق الدقيق؛ فما هو الحسّ الكوني؟ وهل للكون حِس؟ الإجابة القاطعة: نعم، للكون حِس تتجلى فيه دفقات العلاقة الكونية المُتبادلة بين الإنسان والنبات والحيوان وحتى الجماد. وذلك الحِس هو التناغم الواقع بين "الإحساس الفِطري" المشحون بالمشاعر، وبين جوهر الحقيقة الكونية الملأى بحقيقة الوجود باطناً وظاهراً؛ فالظاهرة هي ذلك الحِس الذي يتناغم مع بقية الموجودات الحية والصمّاء، ونطلق عليه "العلاقة الدافئة"، والباطنة هي سرّ الدلالة الكونية التي تُمثل "حقيقة الوجود" وتتوحّد في ماهية التكوين كحسٍ وعلاقةٍ تناغمية. وتتجلّى هذه الباطنة في جوهر الوعي الكوني الذي تتسق فيه الطبيعة؛ من أصوات طيور، ودواب الأرض، وصفير الليل كأنه كنسٌ للفضاء الواسع، وحركة الأشجار وتناغمها مع طبيعة البيئة؛ إذ لكل شجرٍ طبيعة وبيئة خاصة به، والحال كذلك يندرج في الصخور والبشر؛ فلو لم يتطوّر البشر وعياً وحِساً وتناغماً في المحيط بهم، لما نتج لنا إنسان يَملك وعياً يتشكل وفق متغيرات طبيعته وما يألفه كالبيئة المُعاشة.
وإن عُدنا إلى هذا الحِس الكوني المُمتد، نجد تركيبة الحيوان تنطوي في داخلها على حِس حيواني لافت؛ تلمسه في أشرس الوحوش ليناً لا تتوقعه وإحساساً لا تُصدقه، فيقف الإنسان مذهولاً أمام لطفٍ مسخّرٍ لا يَعيه الحيوان بفكره لكنه يُدرك صنيعه بفطرته. ويتجلى ذلك في مشهدٍ مشهود من الغابة؛ حيث كانت أنثى الأسد "اللَّبؤة" مع وليدها، وكان الصغير يصيح كحال الطفل البشري الصغير إذا داهمه شُعورٌ بالخطر. وأيُّ خطرٍ هيّن هذا الذي أزعجه؟ لقد كان ذعره من اقتراب خنفساء الروث الصغيرة، المعروفة محلياً في الدارجة العُمانية بـ أبو جَعَل ويُطلق عليها في البلدان العربية الجُعَل أو الجُعران؛ فما كان من تلك اللَّبؤة الشرسة إلا أن واجهت الفزع الضئيل لوليدها بحنوٍّ بالغ ورفقٍ حارس يَحميه دون قهر للمخلوق الصغير، في تناغمٍ حسيّ يبرز لطافة الصنع الإلهي المحيط بالوجود كله.
إذن، تتماهى رؤى الإنسان في وجودٍ مُطلق إدراكاً وإحساساً وتناغماً، وهذا هو صميم الوعي؛ فبينما تمتلك الموجودات والكائنات حِساً دافئاً يتناغم مع المحيط بها دون وعيٍ ذاتي، أمّا الوعي الإنساني فتخلّق من الإدراك الخالص الذي اختصّ به الإنسان دون سائر المخلوقات والموجودات، فهو الكائن الوحيد الذي يُدرك الجمال، ويفهم النظام، ويتحرك بعاطفةٍ جياشة، وشجنٍ، وشغفٍ حيّ؛ عاطفةٍ تستحضر وتستوعب وتَشعر، أودعها الباري جل وعلا في طينة هذا العجين البشري المستودع بالأسرار.
خُلاصة القول: إنّ الجماد والآلة والصخرة والبحر ليسوا مجرد مواد صامتة فحسب، بل يملكون ذلك "الحس الخفي" الذي يتفاعل مع الإنسان تارةً بالصَلف والعِناد، وتارةً باللين والتناغم. وعِناد الآلة المتمثل في مسح النص أو رفض الأوامر الخوارزمية ليس إلا عَيْنَهُ ذلك الصَّلَف المادي وجوهره الحقيقي دون زيفٍ أو تشبيه؛ فذلك التمرد الحرج هو الذي يحتاج منا دائماً إلى مداراة واعية وصبر أريب يُدرك مفاتيح هذا الكون الصامت، ليبقى النبض الفطري المستخلف هو طاقتنا المدبرة والحكيمة بعقلنتها وذكائها في كل زمان ومكان.