لجريدة عمان:
2026-07-24@16:24:30 GMT

داخل الحارة القديمة أستعيد قصة الماضي ورائحته

تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT

كانت الشمس قد ارتفعت فوق سفح الجبل عندما وجدتني في مواجهة الحارة القديمة في قرية شيدة بولاية صحم، وبدأت خيوطها الذهبية تنثر الدفء في المكان بعد ليلة يمكن اعتبارها مجازًا أنها من ليالي الشتاء. جلست إلى جوار مسجد القرية أتأمل ما بقي من جدرانها الطينية المتداعية محاولا تذكر بعض لمحات من الطفولة ومن ذاكرة سمعية أحتفظ بها من مجالس الكبار.

كانت القرية تنتمي إلى زمن آخر غير ذلك الزمن الذي سمعته من والدي عندما كانت هذه الحارة تعجُّ بالحياة، بالحياة الحقيقية القادرة على صناعة الديمومة في الأشياء: في البشر وفي الشجر وحتى في هذه الجدران التي ما كان يمكن لها أن تتداعى لو كان الزمن غير هذا الزمن.

تنعكس أضواء الشمس على الجدران الطينية المتداعية فتكشف عن تشابك بين حكاياتها التي كانت ولحظة الموت التي هي فيه الآن. لم تسمع هذه القرية بنظرية «نهاية التاريخ»، فقد سبقت النظرية في وضع نقطة في نهاية سطر الحارة قبل تسعينيات القرن الماضي، ورغم ذلك فهي تعيش حقيقة النظرية، فالتاريخ في حدودها قد توقف تماما وانبثق في مساحات أخرى على أطرافها.

تبدو الحارة القديمة قائمة في خاصرة الجبل، والبيوت في رحلة صعود نحو قمته حيث يقف البرج هناك حارسا على حكاياتها وتاريخها، أو ما أصبح في لحظة «نهاية التاريخ» تاريخًا يروى، نسمعه من كبار السن يوم كانت هذه القرية تعج بالحيوات وبالحكايات التي تملأ واديها الممتد من قمم جبالها الشاهقة إلى البحر.

تركت منطقة «الصباح» حيث الساحة التي يجتمع فيها أهل الحارة في أفراحهم وأتراحهم ويتناولون صباحا فناجين القهوة الساخنة وسرت في أزقة الحارة بحثا عن بعض حياة، وأنا أحاول رسم صورة حية للقرية كما سمعتها من أبي وبعض كبار السن ممن سكنوا فيها في أزمنة مضت أو من تلك الذاكرة السمعية التي تحتفظ بكل ما تسمع وتعيد انتاجه وكأنه جزء أصيل من ذاكرة صاحبها.

للحظة شعرت أنني لست وحدي في هذه الحارة، ورغم أن المكان بدا مهجورا إلا أن الأرواح التي سكنته في أزمنة سابقة كانت تحضر، وبدت هذه الجدران المتداعية تعيد بناء نفسها، برج الحارة عاد إلى شموخه، وهذا الزقاق الذي يمتد من «الصباح» المحاذي لمسجد الحارة إلى «الصباح» الآخر في نهاية الحارة بدا مرصوفا بحجارة داكنة تعكس أشعة الشمس بين فجواتها، والبيوت التي كانت تحاول اللحاق بقمة الجبل حيث يستكين البرج قد شكلت معه مدرجات سكنية غاية في الجمال. تحيط الجبال بالقرية من كل الجهات مشكلة حولها سورا كونيا يحميها من تحولات الزمان والمكان.

عادت الحياة إلى القرية أو أن الزمن عاد بي إلى بدايات القرن الماضي لأرى بعين سارد كلي العلم ما كانت عليه الحارة. يجتمع الناس إلى جوار المسجد، يحتسون قهوتهم ويأكلون سح الخلاص الذي حصدوه بعد صيف شديد الحارة. تبدو النساء في عمل دؤوب يسابقن الزمن ويمسكن باللحظة حتى ينجزن عملهن اليومي على أكمل وجه. والأطفال يعودون من «المُعَلِّم» متأبطين ألوحًا خشبية بعد أن أنهوا درسهم في قراءة سورة الفاتحة بهجاء القاعدة البغدادية: (باء فتحة بَاء، سين كسرة سِ) كانت وجوههم عامرة بالفرحة، وهم يتطلعون للسير في طرقات الحارة أو الذهاب إلى حيث واحات النخيل وصوت خرير الماء المنساب من الفلج.

اقتربت من بيت جدي في وسط الحارة، كانت رائحة الخبز العماني تفوح في المكان، ورائحة دخان «زور» النخيل تشعرك أن ثمة روائح خالدة أهم بــكثير مــن «برانـــات» عــطــور باريس ولندن. كــان صوت «المـــنحــاز» الـــــتـــي يُــــــدق فيها البُن السيلاني تعزف معزوفة صباحية لا يمكن أن تُسمع إلا في مثل هذه الحارات وهذه الصباحات، وهي معزوفة نادرة، يتناغم فيها الصوت بالرائحة، صوت «المنحاز» ورائحة القهوة والهيل، ورائحة «زور» النخيل الذي يحترق تحت «طوبج» الخبز. ورغم ضيق المساحة إلا أن البيت بدا وكأنه فضاء واسع جدا يتسع للجميع، لسكانه وضيوفه وجيرانه. كانت «الروازن» في جدران البيت الداخلية مؤثثة بالمخطوطات والأضاميم القديمة، كتب في الفقه والسيرة، ومصاحف عتيقة مطبوعة في الهند وباكستان.. ووثائق خطّها خطاط القرية ومن يجيدون الكتابة فيها تحكي قصة الحارة وتفاصيلها اليومية من بيع وشراء وقصتها التاريخية عبر الزمن المتوارث.

بدت أصوات الأرواح التي ملأت الحارة تتعالى مشكلة هي الأخرى معنى جديدا من معاني الحياة، وتأكيدا، لحظيا على أقل تقدير، أن التاريخ لا ينتهي وأن الإنسان قادر على خلق ديمومته وخلوده.

يتجمع الرجال في ساحة الحارة التي تعرف بـ«الصباح» بعد أن أدوا صلاة الظهر. كان العدد أكبر بكثير مما توحي به البيوت ما يعني أن هذه البيوت أوسع كثيرا مما يمكن أن تكشفه مساحتها الجغرافية. تعلو الأصوات كثيرا فيما يهم الرجال بالانصراف نحو بيوتهم، أقترب أكثر لأتبين الأمر، كان كل واحد منهم يدعو الآخر لتناول الغداء في بيته في عادة عمانية لا تندثر.

يحمل البعض في يده ثمار الليمون وآخرون يحملون ثمار النارنج الأصفر الذي تشكل رائحته هوية عطرية للقرية التي لا تحتاج إلى فحص درجة ثباتها على الملابس فهي تنساب لوحدها وتعلق على الجدران قبل أن تعلق على ملابس حامليها. يحمل آخر في يده «مخرافة» صغيرة مليئة بحبات التين، يصر على جاره أن يأخذ بعضا منها لأطفاله. يحمل رجل آخر مسبحة من العقيق، لا تبدو أنها صناعة محلية، يحرك حباتها بين يديه ببطء فيما يتجه ناحية زقاق يمتد خلف المسجد إلى جهة اليمين، تكسو علامات السكينة ومهابة العمر الجميع وهم يسيرون بهدوء ناحية بيوتهم الطينية بعد صباح مليء بالعمل والحكايات وسبر أغوار الجبال المحيطة.

وفي البيوت كانت النساء قد أنهين طبخ ما توفر من الغداء، وجلبن «هاندوات» الماء البارد من الفلج المنساب من أعالي القرية.. كانت البيوت مهيأة لحياة الظهيرة بكل حيويتها وجمالها وضحكاتها وحكاياتها وأصوات الأطفال التي يتردد صداها بين الجبال المحيطة فتبعث على الفرحة وحب الحياة.

يختفي الناس في بيوتهم؛ وأجاهد أنا في الاحتفاظ بديمومة اللحظة التي أعادت الحياة لهذه القرية من جديد. المساء هنا مليء بالحيوات. تحولت الحارة إلى لوحة ساحرة، السماء امتلأت بالنجوم التي بدت وكأنها قناديل معلقة تدلت من السماء في احتفال لا تعرفه إلا هذه الحارات المرتبطة بالنجوم عبر أضواء تحتاج إلى ملايين السنين حتى تصل وتضيء هذه الأمكنة وتنير لحظاتها الخالدة. اقترب أكثر من الجدران وأسمع الجدات وقد بدأن الحديث، المساءات للنساء دائما منذ ما قبل شهرزاد التي كانت تملأ المساء بالكلام المباح.. جاء صوت شهرزاد الحارة وهي تقول «كان يا ما كان في قديم الزمان..»، تسرد بصوت واثق قصصا قادمة من عمق القرية وما جاورها من قرى وحارات، تحكي قصة رجل مغامر عشق هذه السفوح الشاهقة، وعرف كهوفها ووديانها ومساراتها الوعرة وأشجارها الليلية التي يجتمع تحتها السحرة والمغيبين في استدعاء طبيعي للأساطير المرتبطة على الدوام بالشعوب وتطوراتها المعرفية.

كان الأطفال يحدقون في الجدة، ويحاولون تبين ملامح وجهها وهي تحكي وتسرد، ويركزون على تجاعيد وجهها التي تخفي سنوات مع الصراع مع الحياة في محاولة لفهم أدق التفاصيل التي يمكن أن تبوح بها الحكاية. لكن الأطفال ليسوا وحدهم من يأخذهم الفضول لتتبع مسار الحكاية؛ فحتى الكبار رجالا ونساء ينتظرون التفاصيل ويتأملون تسلسلها ولحظة الذروة فيها، ويخاتلون الزمن حتى لا يظهر الصباح فتسكت شهرزاد عن الكلام المباح. لم تكن حكايات الجدة لمجرد التسلية وتمضية ساعات الليل الطويل، بل هي جزء من هوية المكان، وبناء معرفته وطريقة لربط الحاضر بالماضي وتنشئة الأطفال على فهم أعمق للحياة وتحولاتها. تتحول الحارة ببيوتها وأبراجها ونخيلها وبساتينها وكل حيواتها إلى مسرح كبير تدور فيه الحكايات أو تحيط به التفاصيل وكل شخص أو معلم يؤدي دورا أساسيا في قصة لا تنتهي أبدا وتتجدد تفاصيلها وتمتد أحداثها بشكل أشبه بالسرمدي.

يقترب الصبح من لحظته الحاسمة حيث تبدأ خيوط الشمس في الظهور من بين فجوات الجبل، فتسكت كل حكايات القرية وتبدأ النجوم في التواري خلف النور الجديد الذي ترسله الشمس.

أعود إلى اللحظة الحقيقية للقرية، اللحظة التي توقف فيها التاريخ وسكتت فيها الحكايات ولم يبقَ إلا صدى تلك الحياة التي نحاول أن نستعيدها من وعي من عاشوها وشعروا بجمالها.. نحاول أن نسمع ما علق في هذه الجدران من همسات الزمن، ونبحث عن أصوات السمفونية الصباحية وروائحها، نبحث عن روائح «بل» النارنج والليمون وبتلات الياسمين الرازقي والورد المحمدي. ورغم الصمت والكثير من الوحشة إلا أن كل زوايا هذه القرية ما زالت تحكي تفاصيل زمن جميل مر من هنا؛ فخلف كل جدار قصة، وتحت كل صخرة حكاية. غادر أهل هذه الحارة إلى أماكن جديدة بحثا عن حياة أكثر رفاهية ولكن أرواحهم ما زالت تسكن هنا وتروي لنا أن الحكايات الحقيقية لا تموت أبدا.

أسير بتجاه طريق العودة ممسكا بتفاصيل اللحظة ورائحتها التي كانت بين الحلم والحقيقة وبين الأمل والرجاء فلا يبقى في ذهني إلا صدى ذلك الصراع الأبدي بين الإنسان والزمن.. وأشعر أنني جزء من هذه السردية رغم أنني لم أعش تفاصيلها بوعي، لكني زائر ينقل إلى اللحظة الآنية حكاية قرية عاشت، وأحبت وحلمت وخلّدت قصتها الساكنة في بهو هذه البيوت وإن تداعت جدرانها.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه القریة التی کانت ما کان

إقرأ أيضاً:

موعد انتهاء الموجة الحارة في مصر.. الأرصاد تكشف مفاجأة بشأن انخفاض الحرارة

تتعرض البلاد خلال الفترة الحالية، لموجة حارة ساهمت في ارتفاع شديد في درجات الحرارة، ونسبة الرطوبة، ما جعل المواطنين، في تساؤل مستمر حول موعد انتهاء الموجة الحارة في مصر، وعودة الأجواء لمعدلاتها الطبيعية.

موعد انكسار الموجة الحارة وبداية تحسن الطقس

وفي هذا الصدد، أكدت الدكتور منار غانم، عضو المركز الإعلامي بهيئة الأرصاد الجوية، أن التعرض المباشر لأشعة الشمس يرفع الإحساس بدرجات الحرارة إلى مستويات أعلى، مؤكدة أن الأحوال الجوية ستبدأ في التحسن تدريجيًا اعتبارًا من اليوم الجمعة مع انخفاض درجات الحرارة واستمرار التراجع خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأوضحت أن درجات الحرارة ستتراجع بمعدلات تتراوح بين درجة واحدة و3 درجات مئوية، مشيرة إلى أن هذا التحسن النسبي في الأجواء من المتوقع أن يستمر لمدة تتراوح بين 4 و5 أيام، على الأقل حتى منتصف الأسبوع المقبل.

أسباب الموجة الحارة الحالية

أشارت إلى أن البلاد شهدت منذ بداية الأسبوع ارتفاعًا تدريجيًا في درجات الحرارة، حتى وصلت إلى ذروتها أمس الخميس، موضحة أن السبب وراء هذه الموجة الحارة يعود إلى تأثر البلاد بامتداد مرتفع جوي في طبقات الجو العليا، بالتزامن مع امتداد منخفض الهند الموسمي، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب الرطوبة بشكل كبير.

وبينت أن نسب الرطوبة تجاوزت 95% على السواحل الشمالية، وبلغت 85% في القاهرة الكبرى والوجه البحري، موضحة أن هذه النسب المرتفعة ترفع الإحساس بدرجات الحرارة بنحو 3 إلى 4 درجات إضافية، وهو ما يفسر الشعور بالحرارة المفرطة لدى المواطنين.

نصائح للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة

ووجهت الأرصاد الجوية، عدة نصائح للمواطنين للتعامل مع الموجة الحارة، تمثلت في:

- تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس.

- الإكثار من شرب المياه والسوائل للحفاظ على ترطيب الجسم.

- ارتداء غطاء للرأس عند الخروج، مع ارتداء ملابس فاتحة قدر الإمكان.

ونصحت هيئة الأرصاد قائدي السيارات بتوخي الحذر أثناء القيادة في الساعات الأولى من الصباح، والالتزام بالسرعات المقررة، خاصةً على الطرق السريعة والزراعية والقريبة من المسطحات المائية.

اقرأ أيضاًقبل الخروج من المنزل.. تعرف على حالة الطقس ودرجات الحرارة المتوقعة اليوم الجمعة

طقس الجمعة.. الأرصاد تكشف حالة الجو ودرجات الحرارة في القاهرة والمحافظات

صيف ساخن قادم.. الأرصاد تكشف خريطة الطقس خلال الأيام المقبلة وتحذر المواطنين

مقالات مشابهة

  • مونديال 2026.. ذاكرة تنزف ووجوه ستغيب !
  • محمد عمر: الاحتراف قضى على هوية الكرة المصرية .. وعقود اللاعبين مبالغ فيها
  • الداخلية تكشف تفاصيل واقعة إدعاء سيدة بعدم سماح إدارة القرية لأجهزة الشرطة بالدخول لها
  • ​استعدادًا لأسبوع شباب الجامعات الرابع عشر.. جامعة المنيا تسابق الزمن لإنهاء مشروعاتها الإنشائية الكبرى
  • موعد انتهاء الموجة الحارة في مصر.. الأرصاد تكشف مفاجأة بشأن انخفاض الحرارة
  • فرج عامر يكشف أسباب فشل الأهلي في حصد البطولات الموسم الماضي
  • الأرصاد: انكسار حدة الموحة الحارة وانخفاض الحرارة 3 درجات
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • كانت بتعمل عملية.. وفاة مؤثرة شهيرة داخل عيادة تجميل
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة