نشر كل من العالم السياسي الفرنسي أوليڤييه روا المعروف لدى قراء العربية بكتابه «الجهل المقدس» والباحث السويسري باتريك هايني ويعرفه القراء العرب بكتابه اسلام السوق بحثاً نُشر الأسبوع الماضي عن معهد الجامعة الأوربية فـي فلورنسا حول تجربة حكم هيئة تحرير الشام فـي إدلب منذ عام ٢٠١٧ وحتى عام ٢٠٢٤، مستشرفـين المرحلة المقبلة من تاريخ سوريا والمنطقة، بعد وصول جماعة إسلامية للحكم، خصوصا فـي ظل مخاوف من المجتمع الدولي على قدرة هذا اللاعب الجديد على التعامل مع تعددية المجتمع السوري وإيجاد صيغ توافقية مع المجتمع الدولي، الذي رفضته الجماعات الإسلامية التي حكمت فـي سياقات أخرى مثل طالبان فـي أفغانستان.
تبحث هذه الدراسة إذن فـي إدارة هيئة تحرير الشام للمجتمع فـي إدلب خلال ثماني سنوات لقراءة السياسات التي حكمتها خلال هذه الفترة.
يقرأ الباحثون هذه التجربة فـي سياق مواكبتها أحزاباً أخرى عملت بمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية فـي العالم الإسلامي، ومنها حزب النهضة فـي تونس خلال الربيع العربي، وحزب العدالة والتنمية فـي المغرب بعد نجاحه الانتخابي سنة 2011 وتشكل هذه الأحزاب قطيعة مع الجهادية والسلفـية، أي أنها لا تريد فرض الشريعة الإسلامية على المجتمع ولا تسليحه ولا تتبنى شعار «الإسلام هو الحل».
فـيقول الكاتبان إن حضور هيئة تحرير الشام منذ 2017-2024 اختلف عنه حضور طالبان فـي أفغانستان مثلاً، فمنع الجولاني الشرطة الدينية من فرض قوانين صارمة فـي حالة عدم تنفـيذ الشريعة فـي الفضاءات العامة، والمفارقة أن المعارضة على سياساته لم تكن هذه المرة من العلمانيين بل من المحافظين.
كانت هيئة تحرير الشام قد ألغت جهاز الحسبة الموازي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سنة 2017 واستبدلتها بمؤسسة «سواعد الخير» التي ألغيت بعد وقت قصير بسبب الانتقادات التي تعرضت لها للاعتبارات نفسها التي ألغي من أجلها جهاز الحسبة وهي اعتبارها مؤسسة قمعية. وفـي سنة 2021 ألغى الجولاني نفسه نوعاً مكرساً لهذا الاتجاه الإصلاحي الديني كان يدعى بـ«مركز الفلاح» إدراكاً لأهمية إعادة قراءة موقع هيئة تحرير الشام والموقف الدولي منها ومحاولة لشطبها من قائمة الإرهاب الدولي. خلال هذه المرحلة راقب الباحثان كيف أن وجهاء إدلب أنفسهم اتخذوا مواقف متباينة من قرارات الهيئة، وأن الهيئة عملت طوال الوقت على شروط تحقيق نوع من التوازن بين مطالب شعبوية وبين رغبة الهيئة فـي أعاد موضعة نفسها دولياً.
شكلت هيئة تحرير الشام مجلسا «للشورى» صادق هذا المجلس على قانون الآداب العامة سنة 2023 لتنظيم كل من صالات الأفراح والأسواق والملاعب والأماكن العامة فـي إدلب. وحظرت بهذا القانون انتقاد الشعائر الإسلامية وانتقاد علماء الدين، والسحر والمثلية الجنسية والدعارة والكحول والقمار والاختلاط بين الجنسين إلا أنها لم تفرض عقوبات على هذه الجرائم غير أنها فرضت تدابير تأديبية تصل لثمانية وأربعين ساعة مع ضمان الحفاظ على كرامة المحبوسين.
تسربت مسودة وثيقة هذه القوانين فـي ديسمبر من نفس العام الأمر الذي اربك المؤسسات الدولية الملتزمة بتقديم المساعدات الإنسانية لإدلب خوفاً من شبح الطالبانية، واتجه البعض لسحب استثماراته من إدلب خصوصاً انه وبرأي الأكاديميين والمراقبين أن الأجواء فـي إدلب كانت ومنذ تولي هيئة تحرير الشام الحكم أكثر انفتاحاً مما هي عليه فـي دول فرضت جماعاتها الإسلامية صرامة مفرطة، كان الباحثان قد درسا ديناميكيات داخل الجماعة نفسها، وصراعات حول مناهضة التنوع داخل المجتمع فـي ادلب وكيف ادارت الهيئة هذا الصراع بين جماعات داخل إدلب نفسها لتحقق نوعاً من التوازن.
توصلت الدراسة إلى أن هيئة تحرير الشام تعتمد طريقة سياسية وليست عقائدية، وإلى أن الإسلام السياسي يواجه فـي هذا النموذج تحدياً مختلفاً بعد تركه لمصفوفة السلفـية الجهادية ويحاول إعادة صياغة مشروع جديد. خصوصا مع سعي هيئة تحرير الشام لتسجيل حضورها فـي العالم، وتأكيداً لما ذهب إليه الباحثون فـي دراستهما هذه، كنتُ قد راقبت هذا الأسبوع تدوينات ومقالات كتبتها مجموعة من النخب السورية، كان من بينهم السوريون الذي يحملون الجنسية الأمريكية، وقد عادوا لسوريا الأسبوع الماضي، فقابل خمسة وعشرون منهم الجولاني فـي لقاء خاص، سألوه عن كل ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، وقد كتب يساريون وعلمانيون منهم أن الجولاني لا يستخدم معجما عقائديا ويبدو منفتحا فـيما يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة وتقبل وجهة نظر المعارضة.
يبقى السؤال حول الشروط التي ستفرضها الحكومة الأمريكية الجديدة على الجولاني، وأين سيكون موقع الجولان من المفاوضات بينهما، الجميع بلا شك يراقب ما يحدث فـي سوريا، وبدأ الحكومات الخليجية والعربية من اتخاذ مواقف واضحة تجاه الوضع القائم.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هیئة تحریر الشام فـی إدلب
إقرأ أيضاً:
رئاسة هيئة الشراء العام شاغرة ومخاوف من تعطيلها
كتبت رلى ابراهيم في" الاخبار": بعد قرابة الشهر على تقاعد رئيس هيئة الشراء العام جان عليّة، لبلوغه السنّ القانونية، لم يعد السؤال متى تُعيِّن حكومة نواف سلام رئيساً وأعضاءً لها. وإنما، هل توجد نية مُبيّتة لتعطيل إحدى أهم الجهات الرقابية على الإنفاق العام والمناقصات العمومية، بما يخدم الوزراء المُتلَهِّفين للهروب من الرقابة على وزاراتهم؟في التفاصيل، تبلّغ رئيس الحكومة قبل قرابة أربعة أشهر بأن عليّة سيتقاعد في أوّل تموز، وقبلها جرى إعلامه بضرورة تعيين أعضاء الهيئة. غير أن سلام لم يهتم، ما أوقع الهيئة اليوم في شَلَلٍ كامل. هكذا، باتت الوزارات اليوم تتظاهر بالالتزام بقانون الشراء العام. فتنشر إعلانات المناقصات على الموقع الإلكتروني للهيئة، مع علم المعنيين المُسبق أنها غير قادرة على ممارسة مهامها.باختصار، تتابع السلطة التنفيذية عملها كالمعتاد، بينما العمل الرقابي مُعطّل بالتواطؤ بين سلام ومجلس الخدمة المدنية. ففي 15 أيار الفائت، أعلن المجلس فتح المجال لملء الشغور في مراكز رئيس متُفرِّغ وأربعة أعضاء للهيئة، مُحدِّداً 5 حزيران موعداً لانتهاء مهلة تقديم الطلبات.
غير أن المجلس غطّ في نوم عميق لغاية 1 تموز، حين بدأ إجراء المقابلات بالتزامن مع تقاعد عليّة. كان يُفترض بعدها أن ترسل رئيسة المجلس نسرين مشموشي النتائج إلى رئيس الحكومة ليطرحها في جلسة لمجلس الوزراء. إلّا أن مشموشي أعادت فتح باب تقديم الطلبات مرة أخرى في 6 تموز! وعندما سألها بعض النواب عن ذلك، برّرت مشموشي بأنها مدّدت مهلة تقديم الطلبات بناءً على طلب رئيس الحكومة، علماً أن الاجتهاد الذي يُتيح التمديد لا يصحّ في هذه الحالة، لأن إعادة فتح باب تقديم الطلبات تمّ بعد انقضاء شهر على المهلة الأولى.وعلم من مصادر مطّلعة أن أحد أسباب إسقاط الترشيحات الأولى وإعادة استقبال طلبات جديدة يكمن في رغبة سلام بتعيين اسم مُحدّد في موقع الرئاسة. ولذا، لم يجد مشكلة في مخالفة القانون، لإيصال المقرّبين من السلطة الحاكمة إلى المواقع الرقابية. فيضمن بذلك «حُسن وسرعة سير أعمال الدولة».
مواضيع ذات صلة اقرار اقتراح القانون الرامي إلى تعديل القانون رقم 4 تاريخ 2025/5/9 الرامي إلى الاجازة للجامعة اللبنانية إجراء مباراة لملء مراكز شاغرة في الملاك الإداري في مختلف وحدات الجامعة اللبنانية Lebanon 24 اقرار اقتراح القانون الرامي إلى تعديل القانون رقم 4 تاريخ 2025/5/9 الرامي إلى الاجازة للجامعة اللبنانية إجراء مباراة لملء مراكز شاغرة في الملاك الإداري في مختلف وحدات الجامعة اللبنانية